أزمة السردين بالمغرب.. لوبيات نافذة تستنزف الثروة البحرية وتهدد الأمن الغذائي للمغاربة

حسين العياشي

يشهد المغرب أزمة غير مسبوقة في قطاع السردين، العمود الفقري لصناعة مصبرات السمك، بفعل تداخل عوامل بشرية تقودها لوبيات نافذة تتقن استنزاف المخزون البحري والتحايل على القانون، مستغلة ثغرات الرقابة وعلاقاتها المتشعبة داخل دوائر القرار.

ووفق معطيات حصلت عليها “إعلام تيفي”، تراجعت كميات السردين المصطادة منذ 2023 بنسبة 30%، ثم 22% إضافية في 2024، قبل أن يصل الانخفاض إلى 68% خلال الأشهر الأربعة الأولى من 2025 مقارنة بالفترة نفسها من 2022. هذا التدهور انعكس مباشرة على مصانع التعليب التي خفضت إنتاجها إلى النصف، وأجبر بعضها على الإغلاق، مهدداً 35 ألف وظيفة مباشرة و120 ألف وظيفة غير مباشرة.

من جهته، كشف أحد مالكي المصانع مثالاً من مدينة آسفي، مشيرا إلى إغلاق أكثر من نصف مصانع السردين التي كانت تنشط بالمنطقة، ولم يتبقَّ سوى نحو 19 مصنعاً، وسط توقعات بمزيد من التقلص مستقبلاً. ورغم أن هذا الإغلاق يُعزى رسمياً، حسب المصدر، إلى الشروط الصارمة التي باتت تفرضها الأسواق الأوروبية، وخاصة إلزامية استخدام آليات متطورة، ما دفع المصانع التقليدية إلى الانسحاب، إلا أن الواقع يؤكد أن السبب الأعمق يكمن في تراجع الوفرة السمكية بفعل الصيد الجائر.

سواحل الداخلة، تحولت إلى مركز لأنشطة صيد غير قانونية، تنفذها بواخر جُلبت من إسبانيا بعد منعها من الصيد في المياه الأوروبية، لتستهدف مخزون السردين المغربي وأنواع محمية مثل “الكوربين” و”الباجو”. وتفيد المعطيات بأن هذه البواخر تعود ملكيتها لشخصيات سياسية من أحزاب مختلفة، في مقدمتهم حزبي الاستقلال والتجمع الوطني للأحرار، ما يفسر ضعف التدخل الرقابي. وتقدر عائدات هذه الأنشطة بنحو 400 مليون سنتيم يومياً، تُهرّب منتجاتها إلى أسواق مراكش والدار البيضاء في إطار شبكة منظمة ذات امتدادات داخلية وخارجية.

مصادر مهنية أكدت أن لوبيات الصيد تضغط على وزارة الصيد البحري لتعطيل أو تخفيف إجراءات إصلاحية، مثل تحديد حصص صارمة أو تشديد العقوبات على إعادة الأسماك الميتة إلى البحر. كما يتم استغلال مطالب مهنية مشروعة، مثل توسيع حصص الكوربين، لتمرير مزيد من المرونة القانونية التي تفتح الباب لمزيد من الاستنزاف.

خبراء البيئة يحذرون من أن الخسائر لا تقتصر على نفاد المخزون، بل تشمل تدمير النظم البيئية البحرية بفعل التخلص العشوائي من الأسماك، ما يلوث المياه ويضر بالكائنات البحرية الأخرى.

وتطالب هيئات بيئية ومهنيون بفرض مراقبة إلكترونية إلزامية على جميع سفن الصيد، منع إعادة أي أسماك ميتة إلى البحر، وتقييد استعمال السردين في إنتاج دقيق السمك، ثم كشف أسماء ملاك البواخر المخالفة أمام الرأي العام.

ويرى متابعون أن استمرار تحالف مصالح الصيد غير المشروع مع ضعف الرقابة، ينذر بتحول المغرب من قوة بحرية عالمية إلى مستورد للمنتجات السمكية، في سيناريو كارثي يهدد الأمن الغذائي والاقتصادي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى