غرقى الصيف..هكذا يبتلع البحر ضحاياه المتهورين

بشرى عطوشي
على امتداد الواجهتين البحرية للمملكة، من المحيط الأطلسي إلى البحر الأبيض المتوسط، تحوّل صيف 2025 إلى موسم أسود للغرق. الأرقام صادمة، لكن ما يختبئ وراءها أكثر قسوة: شباب في مقتبل العمر، كثير منهم من القاصرين والمنحرفين أو المنقطعين عن الدراسة، يلقون بأنفسهم في أحضان البحر بحثًا عن المتعة أو الهروب، فيجدون الموت بدل الحياة.
قاصرون في مواجهة الموج
معظم ضحايا الغرق هذا الصيف شباب تتراوح أعمارهم بين 15 و20 عامًا. كثيرون منهم يفتقدون لتوجيه أسري حقيقي، ويعيشون فراغًا قاتلًا يجعل الشاطئ بالنسبة لهم ساحة مغامرة بلا ضوابط. بعضهم يرى في السباحة في مناطق غير محروسة “تحديًا” أو “إثباتًا للرجولة”، غير مدركين أن دقائق قليلة قد تفصل بين ضحكة جماعية وصراخ استغاثة.
قصور التوعية… العائلة الغائبة
ضعف التوعية الأسرية يلعب دورًا حاسمًا. ففي كثير من الحالات، يغادر هؤلاء الشباب منازلهم صباحًا دون أن يعرف الأهل الوجهة أو النشاط، ما يتركهم عرضة لاتخاذ قرارات متهورة. غياب الحملات التوعوية الموجهة لهذه الفئة على وجه الخصوص يزيد من اتساع الفجوة، بينما تبقى الرسائل الرسمية مقتصرة على لافتات تحذيرية باهتة عند مداخل بعض الشواطئ.
شواطئ طويلة… وأعين غائبة
رغم طول السواحل المغربية التي تتجاوز 3,500 كيلومتر، فإن توزيع مراقبي السباحة وعناصر الوقاية المدنية ما زال غير متوازن. في بعض الشواطئ الشعبية، قد يمتد المجال غير المراقب لكيلومترات، ما يجعل أي تدخل لإنقاذ الغرقى متأخرًا أو شبه مستحيل. هذا النقص يعكس ضعف التنسيق بين السلطات المحلية والجماعات الترابية، وغياب رؤية وطنية لتأمين المصطافين على طول الواجهتين البحرية.
النتيجة… صيف بأرواح مفقودة
حصيلة الغرق لهذا الموسم تجاوزت كل التوقعات: آلاف التدخلات، عشرات الوفيات، وأسر تعيش مأساة فقدان أبنائها. ومع استمرار موجات الحر والاكتظاظ، تبدو الحاجة ملحة لإستراتيجية متكاملة تدمج التربية الأسرية، والتحسيس في المدارس والأحياء، وتعزيز حضور فرق الإنقاذ والمراقبة على الشواطئ.
فقد كشفت المديرية العامة للوقاية المدنية، أن عدد الأشخاص الذين تعرضوا لحوادث الغرق في البحر هذا الصيف بالمغرب قد تضاعف، حيث تم تسجيل 9413 حالة منذ شهر ماي المنصرم قابلة للتحيين.
ووفق ما أوضحت المديرية، فإن هذا الرقم يمثل زيادة تفوق 100% مقارنة بالفترة نفسها من عام 2024، التي شهدت 3,743 حالة.
البحر ليس عدوًا، لكنه لا يرحم المستهترين. وإذا لم يتحرك الجميع — من الأسرة إلى السلطات — لوقف هذا النزيف، فإن صيف كل عام سيصبح موسمًا لدفن أحلام شبابنا بدل الاحتفال بهم.





