البرلمان يسقط الحكومة الفرنسية.. والمعارضة تدفع ماكرون إلى الزاوية

حسين العياشي
لم يصمد رئيس الوزراء الفرنسي، فرانسوا بايرو، أمام اختبار الثقة الذي دعا إليه بنفسه. مساء الاثنين 8 شتنبر، صوّتت الجمعية الوطنية ضد حكومته بأغلبية 364 نائباً مقابل 194، لتُطوى صفحة أحد أقصر العهود في تاريخ الجمهورية الخامسة، وتُسجل أول سابقة من نوعها بسقوط رئيس حكومة عبر المادة 49، الفقرة 1 من الدستور.
بايرو، الذي لم يمضِ على تعيينه بماتينيون أقل من عام، ألقى خطاباً حادّاً استمر أربعين دقيقة حاول فيه الدفاع عن حصيلته وإقناع النواب بضرورة السير في سياسة تقشف صارمة لمواجهة ما وصفه بـ”الخطر المميت” المتمثل في دين عام بلغ 3.415 تريليونات يورو، أي ما يعادل 114% من الناتج الداخلي الخام. قال بايرو محذّراً: “فرنسا تقف على حافة الهاوية… أنتم تملكون سلطة إسقاط الحكومة، لكنكم لا تملكون سلطة إلغاء الواقع.” لكن خطابه لم يفلح في قلب الموازين داخل قاعة مكتظة بالرفض والخصومة.
الهزيمة لم تكن مفاجئة. فالمعارضات، من اليسار إلى اليمين المتطرف، أعلنت مسبقاً أنها لن تصوّت بالثقة لحكومة تقترح توفير 43,8 مليار يورو عبر خفض النفقات. هكذا، وجد بايرو نفسه معزولاً حتى داخل غالبيته البرلمانية، ليخرج من السلطة مثقلاً بوصمة “رئيس الوزراء الذي حاول أن يقول الحقيقة عن الدين فسقط منفرداً”، كما وصفت صحيفة Le Soir البلجيكية، التي رأت فيه “ضيفاً جديداً على مقبرة رؤساء الوزراء المعرقلين”.
المعارضة استغلت اللحظة لتصعيد ضغوطها. فقد اعتبرت مارين لوبان، زعيمة “التجمع الوطني”، أن حلّ البرلمان لم يعد خياراً بل أصبح واجباً. بينما وصفت الصحافة البريطانية والألمانية المأزق الحالي بأنه نتيجة مباشرة لقرار إيمانويل ماكرون المتهور بحلّ الجمعية في يونيو 2024. صحيفة The Daily Telegraph البريطانية ذهبت أبعد حين كتبت: “فرنسا في حالة صدمة.. واللوم يقع على ماكرون.” أما صحيفة Blick السويسرية فقد خلصت إلى أن “ماكرون هو المستهدف المباشر اليوم، ولم يعد هناك من يحميه”.
ومع سقوط بايرو، يواجه الرئيس الفرنسي مأزقاً وجودياً. فإما أن يجد خلفاً جديداً لماتينيون في ظرف بالغ التعقيد، وهي مهمة وصفتها بعض الصحف بـ”المهمة الانتحارية”، أو أن يرضخ لنداءات الاستقالة، وهو ما يرفضه حتى الآن بشكل قاطع. غير أن الأكيد هو أن كل بديل محتمل سيكون هشاً في غياب أغلبية واضحة، ما يجعل أي رئيس وزراء قادم مهدداً بالرحيل السريع على إيقاع “الدورة السياسية المفرغة”.
الأزمة تجاوزت حدود فرنسا لتثير مخاوف أوروبية. صحيفة Tagesspiegel الألمانية حذرت من أن اهتزاز فرنسا يهدد استقرار منطقة اليورو والاتحاد الأوروبي برمته، في ظل معدل مديونية يتجاوز بكثير السقف المسموح به أوروبياً (60%). ومع تنامي الاحتجاجات الشعبية وحركات العصيان مثل “Bloquons tout”، يجد ماكرون نفسه مكشوفاً سياسياً ومؤسسياً، من دون “فيوز” يقيه غضب البرلمان والشارع.
هكذا، تدخل فرنسا مرحلة جديدة من عدم اليقين. فبين البحث عن رئيس وزراء جديد والتلويح بالحلّ، تتأرجح البلاد على وقع أزمة ثقة غير مسبوقة، بينما يتساءل المراقبون بقلق: من التالي في فوضى السلطة، وكم من الوقت سيصمد قبل أن يهتف الجميع مجدداً: “إلى القادم؟”.





