من الاستباق إلى النجاعة: كيف عززت المقاربة الأمنية الجديدة إحساس المغاربة بالأمان؟

حسين العياشي

في أفق سنة 2025، يبدو المشهد الأمني بالمغرب وكأنه يدخل مرحلة جديدة أكثر نضجًا واتساقًا، مرحلة تُبنى بهدوء على تراكم سنوات من الإصلاح، وتستند إلى رؤية شمولية تمزج بين الاستباق، والتحديث، والانفتاح على التعاون الدولي. فالأرقام الرسمية الأخيرة لا تُقرأ فقط كمعطيات تقنية، بل كمرآة لتحول تدريجي في فلسفة تدبير الأمن، عنوانه الأبرز: الفعالية مع الحفاظ على الاستقرار.

ففي 17 دجنبر، كشفت المديرية العامة للأمن الوطني عن تقريرها السنوي، الذي رسم صورة عامة لوضع أمني مستقر، تميّزه تراجعات لافتة في الجرائم العنيفة، وارتفاع غير مسبوق في نسبة القضايا التي تم حلّها، والتي بلغت 95 في المئة. هذه المعطيات، وفق التقرير، ليست وليدة الصدفة، بل نتيجة مقاربة أمنية متكاملة تراهن على الوقاية قبل الزجر، وعلى تفكيك الشبكات الإجرامية بدل الاكتفاء بملاحقة الأفراد، بهدف تعزيز الإحساس الجماعي بالأمن لدى المواطنين.

وخلال سنة 2025، سُجّل ما مجموعه 779 ألفًا و8 قضايا جنائية، وهو رقم يكاد يكون مستقرًا مقارنة بالسنة السابقة، غير أن اللافت هو الانخفاض الواضح في الجرائم التي تمس السلامة الجسدية للأشخاص، وهو ما يعكس أثر الإصلاحات المتراكمة التي باشرتها المؤسسة الأمنية خلال السنوات الأخيرة، سواء على مستوى التنظيم أو الوسائل أو طرق التدخل.

هذا التحول رافقته دينامية إصلاحية متواصلة، ارتكزت بالأساس على تحديث جهاز الشرطة، وتسريع وتيرة الرقمنة، وإدماج التكنولوجيات الحديثة في العمل الأمني اليومي، إلى جانب تأهيل البنيات التحتية وفق معايير دولية. وهي إصلاحات لا تنفصل عن رؤية استراتيجية تعتبر الأمن خدمة عمومية متطورة، تستوجب أدوات حديثة وموارد بشرية مؤهلة.

أما على مستوى المؤشرات الميدانية، فقد سجلت الجرائم العنيفة تراجعًا إجماليًا بنسبة 10 في المئة خلال سنة 2025. وانخفضت السرقات تحت التهديد بنسبة 24 في المئة، والسرقات المصحوبة بالعنف بنسبة 6 في المئة، فيما تراجعت السرقات بالكسر بنحو 12 في المئة. كما واصلت نسبة القضايا المحلولة منحاها التصاعدي للسنة التاسعة على التوالي، لتبلغ سقفًا غير مسبوق. وفي هذا الإطار، تمكنت مصالح الأمن من تفكيك 1112 شبكة إجرامية، وتوقيف 1737 شخصًا، مع حجز 166 سيارة و112 دراجة نارية كانت تُستعمل في أنشطة إجرامية منظمة.

وفي مجال مكافحة المخدرات، عالجت المصالح الأمنية أزيد من 106 آلاف قضية، وأسفرت العمليات عن حجز 170 طنًا من مخدر الشيرا، إلى جانب كميات مهمة من الكوكايين والهيروين والمؤثرات العقلية. كما مكّنت ست عمليات مشتركة مع السلطات الإسبانية من حجز أكثر من 55 طنًا من مخدر الشيرا، ما يعكس مستوى التنسيق العابر للحدود في مواجهة الشبكات الدولية.

وبخصوص الهجرة غير النظامية، جرى تفكيك 105 شبكات إجرامية، وتوقيف 415 مهربًا، مع إحباط أكثر من 34 ألف محاولة للهجرة السرية. أما في مجال غسل الأموال، فقد تمت معالجة 633 قضية، مع حجز ممتلكات متحصلة من أنشطة إجرامية تجاوزت قيمتها 660 مليون درهم، أغلبها مرتبط بتجارة المخدرات والجرائم الاقتصادية.

وعلى صعيد مكافحة الإرهاب والتطرف، أحالت الشرطة القضائية خلال سنة 2025 واحدًا وعشرين شخصًا على العدالة، في إطار مقاربة استباقية تهدف إلى تجفيف منابع التطرف قبل تحوّله إلى تهديد فعلي. كما عزز المغرب حضوره الدولي في هذا المجال، باحتضانه في نونبر 2025 أشغال الدورة الثالثة والتسعين للجمعية العامة لمنظمة الإنتربول، بمشاركة مسؤولين أمنيين من 181 دولة.

هكذا، يرسم تقرير الأمن الوطني لسنة 2025 ملامح نموذج أمني مغربي يتطور بثبات، ويوازن بين الصرامة والاحتراف، وبين الانفتاح والنجاعة، في سياق إقليمي ودولي شديد التعقيد. نموذج لا يدّعي الكمال، لكنه يؤكد أن الأمن، حين يُدار برؤية واستثمار طويل النفس، يمكن أن يتحول من مجرد رد فعل إلى سياسة عمومية متكاملة تخدم الاستقرار والتنمية في آن واحد.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى