الحصيلة (15): ميدلت بين الفقر والثراء.. ونائبها “رشيد عدنان” بين امتيازات الكرسي والتمثيل الرمزي

حسين العياشي

في ميدلت، المدينة التي تشتهر بثرواتها المعدنية ومناجمها، يعيش المواطنون يوميًا تناقضًا صارخًا بين الثراء الفاحش لأقليات محدودة والفقر المدقع والخدمات المحدودة لغالبية السكان. وسط هذا الواقع، يقف أحد نوابهم، رشيد عدنان عن حزب الاستقلال، متفرجًا على المسرح البرلماني وكأنه جزء من عرض كوميدي صامت، حيث الحضور الرسمي لا يتجاوز الواجهة، والعمل الحقيقي غائب عن المشهد.

النائب، الذي يحمل على عاتقه مسؤوليتين مزدوجتين—برلماني ورئيس جماعة ميدلت—يُظهر بوضوح أن القدرة على جمع المناصب لا تعني بالضرورة القدرة على الإنتاج السياسي والمساءلة. ففي الولاية الحالية، لم تتجاوز حصيلته (6) ستة أسئلة شفوية على مدى أربع سنوات كاملة، أداء أقرب إلى التمثيل الرمزي منه إلى التمثيل الفعلي لمصالح سكان المدينة. ستة أسئلة فقط! كأن البرلمان أصبح متحفًا للأسماء، والمعاملات الاجتماعية تُدار بالابتسامات والتحايا والصور الفيسبوكية، لا بالرقابة والمساءلة الفعلية.

والمفارقة الأكثر إيلامًا أن هذا الأداء شبه الصفرّي كلف دافعي الضرائب ما يقارب 440 مليون سنتيم خلال عشر سنوات. أموال كانت يمكن استثمارها في تحسين البنية التحتية للمدينة، تطوير المدارس والمستشفيات، أو توفير شبكة طرق تحمي السكان من العزلة، لكنها ذهبت إلى جيوب نائب لا يجد الوقت لطرح سؤال عن حاجيات دائرته إلا نادرًا جدًا.

الأدهى من ذلك أن النائب يشغل منصب رئيس جماعة ميدلت، المدينة التي يُفترض أنه يرفع صوتها ويضمن توزيع ثرواتها على ساكنتها. ومع ذلك، تظل ميدلت المدينة المنسية، حيث الموارد الطبيعية والقدرات الاقتصادية لا تُترجم إلا إلى تفاوت اجتماعي صارخ. إنه نموذج حي للنخبة التي توظف المهمة التمثيلية لأغراض “ضيقة” أكثر منها لخدمة المواطن، على قاعدة “أنا على الكرسي، وهموم الساكنة.. لاحقًا”.

رشيد عدنان، كما لو كان رحّالًا سياسيًا داخل قبة البرلمان، يتنقل بين موقعه الرسمي والكرسي دون أن يترك أثرًا ملموسًا، بينما المواطنون يشاهدون الرقم صفر على ورقة الحصيلة، ويحسبون تكلفة كل سؤال لم يُطرح. ستة أسئلة مقابل 440 مليون سنتيم! أي برلمان هذا؟ أي تمثيل هذا؟ وأي عدالة ضريبية هذه؟

والسؤال الذي يفرض نفسه: هل المواطنون يتحملون مسؤولية اختيار هؤلاء النواب، أم أنهم يُتركون الفرصة للأقليات السياسية لإعادة إنتاج النماذج نفسها؟ نعم، المواطنون مسؤولون، سواء بالتصويت لمن يستحق أو بالامتناع عن التصويت، فالصمت الانتخابي لا يقل خطورة عن الغياب البرلماني.

اليوم، تعلم ميدلت أن صوتها في الرباط غالبًا صامت، وأن الكرسي البرلماني يمكن أن يتحول إلى وسيلة مالية أكثر منها منصة تمثيل. النائب موجود، الراتب موجود، التمثيل شبه معدوم، والتناقض الاجتماعي يكبر كل يوم، تاركًا المدينة بين واقع مؤلم وآمال معلقة على مستقبل ديمقراطي يبقى حتى الآن حلمًا بعيد المنال.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى