الحصيلة (23): أسئلة “عادل الدفوف” تفضح الغياب وتكسر صمت الأغلبية تحت قبة البرلمان

حسين العياشي

في طنجة، حيث اعتاد الرأي العام على نواب يمرّون خفيفي الظل وثقيلِي الكلفة، يبرز اسم النائب البرلماني عادل الدفوف كاستثناء يستحق التوقف عنده. لا لأنه بلا أخطاء، بل لأنه كسر قاعدة الصمت التي أصبحت، للأسف، معيارًا غير معلن للتمثيل البرلماني. أول ولاية تشريعية له كانت كافية ليضع رقمًا يصعب تجاهله: 437 سؤالًا شفويًا، حصيلة تتفوق على ما راكمه عدد من نواب طنجة مجتمعين عبر ولايات كاملة.

الدفوف، المنتمي لحزب الأصالة والمعاصرة، أحد مكونات التحالف الحكومي، لم يتعامل مع هذا الموقع كقيد سياسي يحدّ من مساءلته، بل اختار أن يجعل من البرلمان فضاءً للاشتغال اليومي، لا مجرد محطة عابرة في المسار الانتخابي. حضوره الرقابي لم يكن موسميًا، ولم يرتبط بلحظات التوتر السياسي، بل اتخذ طابع الاستمرارية، وهو ما يندر في مشهد اعتاد النواب فيه الظهور عند الاقتراب من الاستحقاقات، ثم الاختفاء بعدها.

هذا الرقم، مهما حاول البعض التقليل من دلالته، يعكس أمرًا واضحًا: الرجل يشتغل. يسأل، يلحّ، ويضع القطاعات الحكومية أمام مسؤولياتها، حتى وهو جزء من الأغلبية. في زمن تحوّل فيه الانتماء الحكومي إلى ذريعة للصمت، اختار الدفوف أن يبقى في منطقة رمادية: لا معارضة صدامية، ولا أغلبية صامتة.

لكن التنويه لا يعني تعليق النقد؛ فحين نقترب من تفاصيل هذه الحصيلة، تبرز مفارقة لا يمكن تجاهلها، عدد كبير من الأسئلة التي وُجّهت إلى وزراء حزب التجمع الوطني للأحرار وحزب الاستقلال لم يحظَ بالتفاعل المطلوب، وظلت دون أجوبة مؤثرة أو معالجة فعلية. في المقابل، فإن أغلب الأسئلة التي لقيت تجاوبًا كانت موجهة إلى وزراء ينتمون إلى حزب الأصالة والمعاصرة، الحزب نفسه الذي ينتمي إليه النائب.

هنا، يصبح السؤال مشروعًا، هل يتعلق الأمر بفعالية السؤال أم بانتقائية التفاعل؟ وهل المشكلة في مضمون المساءلة، أم في ميزان القوة داخل التحالف الحكومي؟ وهل يكفي أن يُسجَّل السؤال في محضر البرلمان، إذا كان لا يتحول إلى أثر سياسي أو رقابي ملموس؟

عادل الدفوف قدّم نموذجًا مختلفًا عن نواب “الظل”، لكنه يصطدم، مثل غيره، بجدار حكومة تتقن فن الامتصاص أكثر من فن الجواب. وهو، رغم نشاطه الرقابي، لم ينجُ من حدود التنسيق الحكومي غير المعلن، حيث تبقى المساءلة الحقيقية مرهونة أحيانًا بانتماء الوزير أكثر من وجاهة السؤال.

ومع ذلك، يبقى الفارق واضحًا؛ بين نائب يكلّف المال العام ويغيب، ونائب يكلّف المال العام ويشتغل، مسافة سياسية وأخلاقية كبيرة. الدفوف لا يُقدَّم هنا كنموذج مثالي، بل كنقطة ضوء في مشهد معتم، وكدليل على أن الإشكال ليس في المؤسسة، بل في من يشغل مقاعدها.

هذه الحلقة ليست لتلميع الأشخاص، بل لتصحيح البوصلة. فالتمثيل ليس صراخًا دائمًا، لكنه أيضًا ليس صمتًا مريحًا. وعادل الدفوف، إلى حدود الآن، اختار أن يكون في منتصف الطريق: يشتغل، يُسائل، لكنه مطالب، مثل غيره، بأن يحوّل الأرقام إلى أثر، والأسئلة إلى تغيير محسوس في حياة ساكنة طنجة.

وفي هذه السلسلة، حين نرفع السقف، لا نرفعه ضد الجميع.. بل نرفعه أيضًا لمن يستحق أن يُقال عنه على الأقل، هذا لم يصمت.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى