تغييب اللغة العربية عن “كان 2025” يفتح نقاش الهوية بالمغرب

أميمة حدري: صحافية متدربة

أثار تغييب اللغة العربية عن عدد من المظاهر الرسمية المرتبطة بتنظيم كأس أمم إفريقيا 2025 بالمغرب، نقاشا واسعا، باعتباره مؤشرا مقلقا على طريقة تدبير البعد الهوياتي في تظاهرة قارية تحتضنها المملكة المغربية. فالمفروض، وفق عدد من المتتبعين، أن تشكل مثل هذه الأحداث الكبرى واجهة رمزية، تعكس خصوصيات البلد المضيف، وتبرز مكوناته اللغوية والحضارية في بعدها التاريخي والإنساني، لا أن تتحول إلى فضاء محايد يفرغ الهوية من محتواها ويقدم المغرب بصورة منسلخة عن أحد أعمدته الأساسية.

في هذا السياق، سُجل أن الشعارات الرسمية، والمواد التواصلية، ووصلات حفل الافتتاح، خلت بشكل شبه تام من حضور اللغة العربية، رغم أنها لغة رسمية دستوريا، وإحدى اللغات المعتمدة داخل الاتحاد الدولي لكرة القدم منذ مارس 2022، إلى جانب لغات أخرى.

هذا الغياب، بحسب فؤاد بوعلي، رئيس الائتلاف الوطني من أجل اللغة العربية، “لا يمكن اختزاله في اعتبارات تقنية أو تنظيمية، بقدر ما يعكس اختيارات تواصلية وثقافية تطرح أسئلة عميقة حول السيادة اللغوية للمغرب وحدود ما يوصف بالحياد في التظاهرات الدولية”.

ورأى بوعلي في تصريح لـ “إعلام تيفي” أن “تقديم المغرب في واجهة الأحداث القارية على نحو يغيب انتماءه العربي والإسلامي، ويقلص حضور لغته الرسمية، يفرغ هذه التظاهرات من بعدها الرمزي، ويحرمها من أداء أحد أدوارها الأساسية، والمتمثل في التعريف بالخصوصية الوطنية في إطار التنوع والانفتاح”.

كما حذر نائب رئيس الجمعية الدولية للمترجمين واللغويين العرب، من أن الإصرار على هذا المنحى قد “يساهم في تكريس نموذج هوياتي ملتبس، يتم فيه التعامل مع قضايا اللغة والانتماء باعتبارها عناصر ثانوية أو موضوعا للاستهلاك الداخلي، بدل كونها مكونات استراتيجية للتموقع الإقليمي والدولي”.

وتابع المتحدث ذاته بالقول: “هذا التغييب لا يوجه ضربة رمزية للهوية الوطنية فقط، بل يتعارض أيضا مع الأهداف الكبرى للسياسة الملكية الهادفة إلى ترسيخ حضور المغرب داخل القارة الإفريقية وتعزيز انفتاحه على شعوبها بكل مكوناتها اللغوية والدينية والثقافية. إذ لا يمكن، الحديث عن تموقع إفريقي قوي وفاعل، في ظل إقصاء أحد أهم روافع هذا التموقع، والمتمثلة في اللغة العربية بما تحمله من امتداد ديني وحضاري يمنح للعلاقات مع عدد من الدول الإفريقية بعدا يتجاوز المصالح الظرفية”.

وفي هذا السياق، سجل المتحدث ذاته، أن “التعامل مع المناسبات القارية والدولية الكبرى التي تحتضنها المملكة يجري وفق مقاربة تكرس، بشكل ضمني، نزعة الانسلاخ عن كل ما هو هوياتي، بدل استثمار هذه اللحظات الرمزية لتثبيت معالم الانتماء الوطني وتقديم المغرب بصورته الحقيقية المتجذرة والمنفتحة في آن واحد”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى