الذكرى الـ27 لعيد العرش.. مسيرة وطن تتجدد ورؤية ملكية تصنع المستقبل (ملف)

من إعداد: أميمة حدري
لا تختزل مناسبة عيد العرش في بعدها الاحتفالي أو الرمزي، بقدر ما تشكل محطة وطنية لتقييم مسار دولة اختارت، منذ اعتلاء الملك محمد السادس العرش، أن تجعل من الإصلاح والتحديث والتنمية خيارا استراتيجيا، ومن الرؤية بعيدة المدى منهجا في تدبير مختلف القضايا الوطنية.

ومنذ سنة 1999، انخرط المغرب في دينامية متواصلة من التحولات الكبرى، تجاوزت منطق التدبير المرحلي إلى بناء مشروع تنموي متكامل، يقوم على الاستثمار في الإنسان، وتحديث البنيات التحتية، وتعزيز الحضور الدبلوماسي، وتطوير الاقتصاد الوطني، والانفتاح على محيطه الإفريقي والدولي، إلى جانب ترسيخ مكانة المملكة كفاعل إقليمي قادر على مواكبة التحولات العالمية واستباق رهانات المستقبل.
وعلى امتداد أكثر من ربع قرن، لم يكن مسار التنمية في المغرب قائما على إنجاز مشاريع متفرقة أو إطلاق برامج ظرفية، بل تأسس على رؤية استراتيجية شاملة، ارتبطت بإعادة بناء أسس الدولة الحديثة، وتعزيز تنافسية الاقتصاد الوطني، وتحديث مختلف القطاعات الحيوية، وتهيئة الشروط الضرورية لتحقيق تنمية مستدامة ومتوازنة.
وقد تجسد هذا التوجه في إطلاق أوراش كبرى غيرت ملامح المملكة، من موانئ عملاقة أصبحت تربط المغرب بمختلف القارات، إلى شبكة متطورة من الطرق السيارة والسكك الحديدية، وقطار فائق السرعة الذي يعد الأول من نوعه في إفريقيا، إلى جانب مشاريع الطاقات المتجددة، وتحلية مياه البحر، والمناطق الصناعية واللوجستية، بما جعل المغرب اليوم أحد أبرز النماذج الصاعدة في مجال البنيات التحتية على المستوى الإقليمي.
وبالتوازي مع هذا التحول الداخلي، شهدت السياسة الخارجية المغربية بدورها تحولا نوعيا، انتقلت معه من منطق تدبير العلاقات التقليدية إلى دبلوماسية أكثر حضورا وفاعلية، تقوم على تنويع الشراكات، والانفتاح على مختلف الفضاءات الجيوسياسية، والدفاع عن المصالح العليا للمملكة، وفي مقدمتها قضية الصحراء المغربية، التي أصبحت تحظى بدعم دولي متزايد في ظل التحولات التي شهدها هذا الملف خلال السنوات الأخيرة.
كما عزز المغرب حضوره داخل المنظمات الإقليمية والدولية، ووسع شبكة شراكاته الاستراتيجية مع عدد من القوى الدولية، بما رسخ صورته كشريك موثوق وفاعل مسؤول في محيطه الإقليمي والدولي.
وفي قلب هذه الرؤية، احتلت القارة الإفريقية مكانة خاصة في التوجهات الاستراتيجية للمملكة، حيث أعاد المغرب، بقيادة الملك محمد السادس، بناء علاقاته مع عمقه الإفريقي وفق مقاربة تقوم على التعاون جنوب-جنوب، والشراكة المتوازنة، والتنمية المشتركة.

ولم يقتصر هذا الحضور على البعد الدبلوماسي، بل امتد إلى مجالات الاستثمار، والبنيات التحتية، والفلاحة، والطاقة، والتكوين، والخدمات المالية، وهو ما جعل المملكة أحد أبرز المستثمرين داخل القارة السمراء، ورسخ مكانتها كشريك تنموي يحظى بثقة عدد متزايد من الدول الإفريقية، في وقت شكلت فيه العودة إلى الاتحاد الإفريقي سنة 2017 محطة مفصلية في تعزيز هذا الحضور وترسيخ موقع المغرب داخل الفضاء القاري.
أما على المستوى الاقتصادي، فقد انتقل المغرب، خلال السنوات الماضية، من اقتصاد يعتمد بدرجة كبيرة على القطاعات التقليدية إلى اقتصاد أكثر تنوعا وقدرة على المنافسة، بفضل إطلاق استراتيجيات صناعية كبرى، وتطوير قطاعي السيارات والطيران، والاستثمار في الطاقات المتجددة والهيدروجين الأخضر، وتحسين مناخ الأعمال، وتعزيز جاذبية المملكة للاستثمارات الوطنية والأجنبية.
وقد ساهمت هذه الخيارات في إرساء دعائم اقتصاد أكثر انفتاحا ومرونة، قادر على التكيف مع التحولات الدولية ومواجهة الأزمات العالمية، مع الحفاظ على دينامية استثمارية متواصلة.
ولم يكن القطاع الرياضي بعيدا عن هذه التحولات، إذ شهد بدوره نقلة نوعية جعلت من الرياضة أحد مكونات القوة الناعمة للمغرب، بعدما تحولت من مجال يقتصر على المنافسة والإنجازات إلى رافعة للإشعاع الدولي، وأداة لتعزيز الحضور الدبلوماسي، ووسيلة لدعم التنمية الاقتصادية والسياحية.
وقد تعزز هذا المسار من خلال تطوير البنيات الرياضية، واستقطاب التظاهرات القارية والدولية، وتحقيق إنجازات غير مسبوقة على مختلف المستويات، وصولا إلى نيل شرف تنظيم كأس العالم 2030، في حدث يجسد الثقة الدولية في قدرة المملكة على احتضان أكبر التظاهرات العالمية، ويعكس المكانة التي بات يحتلها المغرب داخل المنظومة الرياضية الدولية.
وفي هذا السياق، يأتي هذا الملف الخاص بمناسبة عيد العرش ليقارب، من خلال قراءة تحليلية تستند إلى آراء خبراء ومتخصصين، أبرز التحولات التي شهدها المغرب في عهد الملك محمد السادس، انطلاقا من الأوراش الكبرى التي أعادت تشكيل البنية التنموية للمملكة، مرورا بالسياسة الخارجية المغربية وما حققته من مكاسب دبلوماسية، والحضور المتنامي للمغرب داخل القارة الإفريقية، وصولا إلى التحولات التي عرفها الاقتصاد الوطني، ثم الرؤية التي جعلت من الرياضة رافعة للتنمية والإشعاع الدولي.
وهي محاور تتقاطع جميعها عند فكرة واحدة، مفادها أن ما راكمه المغرب خلال أكثر من سبعة وعشرين عاما لم يكن مجرد حصيلة من المشاريع والبرامج، بل مسارا متكاملا لإعادة بناء أسس الدولة الحديثة، وتعزيز مكانتها، واستشراف مستقبلها في عالم تتسارع فيه التحولات وتشتد فيه رهانات التنافس والتنمية.
الأوراش الكبرى في عهد الملك محمد السادس.. رؤية استراتيجية لصناعة مغرب المستقبل
لم تقتصر الأوراش الكبرى التي أطلقها الملك محمد السادس على إنجاز مشاريع للبنية التحتية أو تحديث المرافق العمومية، بل شكلت خيارا استراتيجيا لإعادة بناء النموذج التنموي للمملكة، عبر الاستثمار في مشاريع مهيكلة تستجيب للتحولات الاقتصادية العالمية، وتعزز تنافسية الاقتصاد الوطني، وترسخ مكانة المغرب كمنصة إقليمية للتجارة والاستثمار والصناعة والطاقة.
وعلى امتداد أكثر من ربع قرن، تبنت المملكة رؤية تقوم على تطوير الموانئ والطرق والسكك الحديدية، والاستثمار في الطاقات المتجددة، وتعزيز الأمن الطاقي، بما جعل الأوراش الكبرى أحد أبرز عناوين التحول الذي شهده المغرب خلال العقود الأخيرة.

ويعد ميناء طنجة المتوسط أحد أبرز هذه المشاريع الاستراتيجية، إذ تحول منذ تدشين مرحلته الأولى سنة 2007 إلى أكبر ميناء للحاويات في البحر الأبيض المتوسط وإفريقيا، بعد أن تجاوزت طاقته الاستيعابية 9 ملايين حاوية سنويا.
ويضم المركب المينائي منظومة صناعية ولوجستية متكاملة تضم أكثر من 1400 شركة تنشط في قطاعات السيارات والطيران والنسيج والصناعات الغذائية واللوجستيك، وتوفر مئات الآلاف من فرص الشغل المباشرة وغير المباشرة.
كما يرتبط الميناء بأكثر من 180 ميناء حول العالم عبر خطوط بحرية منتظمة، مما جعل المغرب مركزا رئيسيا للتجارة الدولية وسلاسل الإمداد بين أوروبا وإفريقيا والأمريكتين وآسيا، وساهم في تعزيز جاذبية المملكة للاستثمارات الأجنبية.

وفي قطاع النقل السككي، شكل إطلاق القطار فائق السرعة “البراق” سنة 2018 محطة مفصلية في تحديث منظومة النقل بالمغرب، بعدما أصبح أول قطار فائق السرعة في إفريقيا.
ويربط الخط بين طنجة والقنيطرة بسرعة تصل إلى 320 كيلومترا في الساعة، قبل مواصلة الرحلة نحو الرباط والدار البيضاء، وهو ما قلص زمن السفر بين طنجة والدار البيضاء إلى نحو ساعتين وعشر دقائق.
ولم يقتصر أثر المشروع على تحسين خدمات النقل، بل ساهم في تعزيز الاندماج الاقتصادي بين شمال المملكة ووسطها، ودعم الحركة السياحية والتجارية، فيما تتواصل أشغال توسيع شبكة القطار فائق السرعة نحو مراكش استعدادا للاستحقاقات الكبرى التي تنتظرها المملكة، وفي مقدمتها كأس العالم 2030.
ومن بين المشاريع المينائية الكبرى، يبرز ميناء الناظور غرب المتوسط باعتباره أحد أهم الأوراش الاستراتيجية الجاري استكمالها على الواجهة المتوسطية.
ويهدف هذا المشروع إلى تعزيز القدرات اللوجستية للمملكة، واستيعاب النمو المتزايد لحركة التجارة البحرية، وتطوير الصناعات المرتبطة بالطاقة واللوجستيك، فضلا عن إحداث منطقة صناعية متكاملة قادرة على استقطاب استثمارات وطنية ودولية.
كما يرتقب أن يسهم الميناء في تنمية جهة الشرق، وخلق آلاف مناصب الشغل، وتحقيق تكامل اقتصادي مع ميناء طنجة المتوسط، بما يعزز موقع المغرب كقطب بحري ولوجستي في الحوض المتوسطي.
وفي الأقاليم الجنوبية، يشكل ميناء الداخلة الأطلسي أحد أكبر المشاريع التنموية التي تراهن عليها المملكة لتعزيز الاندماج الاقتصادي بين شمال المغرب وجنوبه، وربط الأقاليم الجنوبية بعمقها الإفريقي.

ويهدف المشروع إلى إنشاء ميناء متعدد الاختصاصات قادر على استقبال السفن التجارية وسفن الصيد البحري، ودعم الصناعات البحرية، وتطوير الأنشطة اللوجستية والتجارية، إلى جانب تثمين الموارد البحرية وتشجيع الاستثمار بالمنطقة.
كما ينتظر أن يصبح الميناء بوابة استراتيجية نحو أسواق غرب إفريقيا، خاصة في ظل المبادرات الملكية الرامية إلى تعزيز التعاون الاقتصادي مع الدول الإفريقية.
وفي مجال التحول الطاقي، راهن المغرب مبكرا على الطاقات المتجددة باعتبارها ركيزة لتحقيق الأمن الطاقي وتقليص التبعية للخارج.
وشهدت المملكة إطلاق مشاريع كبرى في الطاقة الشمسية والريحية، من أبرزها مركب نور ورزازات، أحد أكبر المجمعات الشمسية في العالم، إلى جانب محطات ريحية في طنجة وطرفاية وبوجدور والعيون وغيرها.
كما يواصل المغرب تنفيذ استراتيجيته الرامية إلى رفع حصة الطاقات المتجددة من القدرة الكهربائية المركبة إلى 52 في المائة، مع إطلاق مشاريع جديدة في مجال الهيدروجين الأخضر، بما يعزز مكانة المملكة كفاعل إقليمي في مجال الطاقة النظيفة، ويؤهلها لتصبح مصدرا للطاقة الخضراء نحو أوروبا وإفريقيا.
ويبرز كذلك مشروع أنبوب الغاز المغربي-النيجيري باعتباره أحد أكبر المشاريع الاستراتيجية على مستوى القارة الإفريقية. ويهدف هذا المشروع، الذي يمتد على آلاف الكيلومترات بمحاذاة الساحل الأطلسي، إلى نقل الغاز الطبيعي من نيجيريا نحو المغرب مرورا بعدد من دول غرب إفريقيا، مع إمكانية ربطه بالشبكة الأوروبية.
ولا تقتصر أهمية المشروع على تأمين إمدادات الطاقة، بل يشكل رافعة لتعزيز التكامل الاقتصادي بين الدول الإفريقية، وتحفيز التنمية الصناعية، وتحسين الولوج إلى الطاقة، ودعم الاندماج الإقليمي، في انسجام مع الرؤية المغربية الرامية إلى جعل التعاون جنوب-جنوب محورا رئيسيا للتنمية المشتركة.
وتعكس هذه المشاريع، إلى جانب أوراش أخرى في مجالات الطرق السيارة، وتحلية مياه البحر، والمناطق الصناعية، والمطارات، والرقمنة، توجها استراتيجيا يقوم على الاستثمار في البنيات التحتية باعتبارها رافعة للتنمية الاقتصادية والاجتماعية. كما ساهمت في تعزيز تنافسية المملكة، وتحسين مناخ الأعمال، واستقطاب الاستثمارات الأجنبية، وترسيخ موقع المغرب كمنصة صناعية ولوجستية تربط بين أوروبا وإفريقيا.
وفي ظل الاستعدادات الجارية لاحتضان كأس العالم 2030، تكتسب هذه الأوراش بعدا إضافيا، باعتبارها تشكل جزءا من مشروع تنموي طويل الأمد يتجاوز متطلبات تنظيم التظاهرات الكبرى، ليؤسس لمرحلة جديدة من النمو الاقتصادي وتعزيز الجاذبية الاستثمارية للمملكة.
ويؤكد ذلك أن سياسة الأوراش الكبرى في عهد الملك محمد السادس لم تكن مجرد سلسلة من المشاريع المنفصلة، بل رؤية متكاملة تستهدف بناء اقتصاد أكثر تنافسية، وتعزيز السيادة الاقتصادية والطاقية، وترسيخ مكانة المغرب كقوة إقليمية صاعدة وقادرة على مواكبة التحولات الدولية.
السياسة الخارجية المغربية.. بين الدفاع عن المصالح الوطنية وتوسيع الشراكات الدولية
على امتداد أكثر من ربع قرن، شهدت السياسة الخارجية المغربية في عهد الملك محمد السادس تحولات متسارعة عززت حضور المملكة على المستويين الإقليمي والدولي، من خلال دبلوماسية نشطة ارتكزت على الدفاع عن المصالح العليا للمغرب، وتوسيع دائرة الشراكات الاستراتيجية، والانفتاح على محيطه الإفريقي والدولي.
وقد أسهم هذا المسار في إحداث دينامية جديدة في عدد من الملفات ذات الأولوية، وفي مقدمتها قضية الصحراء المغربية، التي عرفت تطورات لافتة على مستوى الاعترافات الدولية والدعم المتزايد لمبادرة الحكم الذاتي، إلى جانب ترسيخ شبكة من الشراكات الاستراتيجية مع عدد من القوى الدولية، وتعزيز الحضور المغربي داخل القارة الإفريقية عبر مقاربة تقوم على التعاون والشراكة والتنمية.
قضية الصحراء.. دبلوماسية نشطة ومكاسب متراكمة في عهد الملك محمد السادس
تواصل قضية الصحراء المغربية تصدر أولويات السياسة الخارجية للمملكة، باعتبارها الملف الاستراتيجي الأول الذي شهد خلال السنوات الأخيرة تحولات متسارعة على المستويات الدبلوماسية والسياسية والتنموية. ففي ظل القيادة الملكية، تمكن المغرب من تحقيق مكاسب نوعية عززت حضوره داخل المحافل الدولية، ووسعت دائرة الدعم لمبادرة الحكم الذاتي، بالتوازي مع إطلاق مشاريع تنموية كبرى بالأقاليم الجنوبية وترسيخ مكانتها كرافعة للتنمية والتعاون الإفريقي.
وبمناسبة الذكرى السابعة والعشرين لتربع الملك محمد السادس على عرش أسلافه المنعمين، تفتح “إعلام تيفي” هذا الملف من خلال حوار مع محمد سالم عبد الفتاح، الباحث المتخصص في قضية الصحراء ورئيس المرصد الصحراوي للإعلام وحقوق الإنسان، للوقوف عند أبرز التحولات التي عرفها هذا الملف، واستقراء دلالات تنامي الدعم الدولي للمبادرة المغربية، ومستقبل القضية في ظل المتغيرات الإقليمية والدولية المتسارعة.
بداية، إلى أي حد أسهمت الاستراتيجية التي قادها الملك محمد السادس في إحداث تحول نوعي في مسار قضية الصحراء المغربية؟
أعتقد أن ملف الصحراء المغربية عرف خلال عهد الملك محمد السادس تحولا استراتيجيا غير مسبوق، حيث انتقل المغرب من منطق تدبير النزاع إلى العمل على تثبيت أسس حل سياسي مستدام. وفي هذا الإطار، شكلت مبادرة الحكم الذاتي، التي تقدم بها المغرب سنة 2007، نقطة تحول محورية، بعدما أصبحت تحظى بدعم دولي متزايد باعتبارها المبادرة الأكثر جدية وواقعية ومصداقية لتسوية هذا النزاع.
وفي المقابل، لم يقتصر هذا التحول على الجانب الدبلوماسي فقط، بل تزامن مع إطلاق مشاريع تنموية كبرى بالأقاليم الجنوبية، أسهمت في تعزيز اندماجها الاقتصادي وتطوير بنياتها التحتية، ورسخت مكانتها كبوابة استراتيجية نحو العمق الإفريقي.
وعلى المستوى الدبلوماسي، نجح المغرب في توسيع دائرة الدول الداعمة لمبادرة الحكم الذاتي، وعزز شراكاته مع عدد من القوى الدولية والإقليمية، كما شهدت مدينتا العيون والداخلة افتتاح أكثر من ثلاثين قنصلية عامة، وهو ما يعكس تنامي الاعتراف الدولي بالمكانة السياسية والاقتصادية للأقاليم الجنوبية.
كما أن عودة المغرب إلى الاتحاد الإفريقي، إلى جانب الدينامية التي عرفها المسار الأممي، ساهمتا في إعادة توجيه النقاش الدولي نحو البحث عن حل سياسي واقعي وقابل للتطبيق، مع تزايد القناعة بأن استمرار هذا النزاع يعرقل الاستقرار والاندماج الإقليمي، خاصة بمنطقة الساحل وشمال إفريقيا.
لذلك، يمكن القول إن الاستراتيجية التي قادها الملك محمد السادس مكنت المغرب من ترسيخ مكاسب استراتيجية مهمة في ملف الصحراء، من خلال الجمع بين الدبلوماسية النشطة، والتنمية الميدانية، وتعزيز الحضور الإفريقي، وبناء شراكات دولية متينة، وهو ما أسهم في تعزيز مكانة المبادرة المغربية داخل الأجندة الدولية وإحداث تحول نوعي في مسار هذا الملف.
في سياق التحولات التي عرفها ملف الصحراء، كيف نجحت الدبلوماسية المغربية في عهد الملك محمد السادس في ترسيخ الدعم الدولي لمبادرة الحكم الذاتي وتعزيز الشراكات الاستراتيجية للمملكة؟
إذا نظرنا إلى مسار الدبلوماسية المغربية خلال عهد الملك محمد السادس، سنجد أنها انتقلت إلى مرحلة أكثر فاعلية، حيث أصبحت قضية الصحراء في صلب السياسة الخارجية للمملكة. فقد قامت الرؤية الملكية على جعل هذا الملف أولوية استراتيجية، وربط تطوير الشراكات الدولية بمدى وضوح مواقف الدول من الوحدة الترابية للمغرب.
ونتيجة لهذا التوجه، استطاع المغرب أن يوسع بشكل ملحوظ دائرة الدول الداعمة لمبادرة الحكم الذاتي، سواء داخل الأمم المتحدة أو في مختلف المنظمات الإقليمية والدولية. كما عزز حضوره داخل القارة الإفريقية بعد العودة إلى الاتحاد الإفريقي، وفي الوقت نفسه واصل تطوير علاقاته مع القوى الدولية الكبرى، مع الحفاظ على سياسة تنويع الشركاء وعدم حصر علاقاته في محور واحد.

ومن المهم أيضا الإشارة إلى أن الدبلوماسية المغربية لم تعتمد فقط على التحرك السياسي، بل دعمت هذا المسار بمبادرات اقتصادية واستراتيجية كبرى، من أبرزها مشروع أنبوب الغاز الإفريقي-الأطلسي، إلى جانب مبادرات التعاون مع دول الساحل، وهو ما عزز مكانة المملكة كشريك إقليمي موثوق في مجالات التنمية والاستقرار والاندماج الاقتصادي.
ولا يمكن إغفال أن المغرب راكم خلال السنوات الماضية رصيدا مهما في ملفات الأمن، ومكافحة الإرهاب، وتدبير قضايا الهجرة، والطاقات المتجددة، وهو ما عزز ثقة الشركاء الدوليين في النموذج المغربي.
لذلك، أصبحت قضية الصحراء تناقش اليوم في إطار رؤية أشمل ترتبط بالأمن والاستقرار والتنمية الإقليمية، وهو ما يعكس التحول الذي حققته الدبلوماسية المغربية في هذا الملف خلال عهد الملك محمد السادس.
إلى أي حد أصبح تحقيق الأمن والاستقرار في منطقة الساحل عاملا مؤثرا في مواقف القوى الدولية من قضية الصحراء المغربية؟
بالفعل، يمكن القول إن التعاطي الدولي مع قضية الصحراء لم يعد كما كان في السابق. فإذا عدنا إلى سنوات مضت، نجد أن غالبية الدول كانت تكتفي بدعم جهود الأمم المتحدة دون أن تحدد بشكل واضح طبيعة الحل الذي تراه مناسبا، بينما نلاحظ اليوم أن عددا من القوى الدولية المؤثرة أصبح يعبر صراحة عن دعمه لمبادرة الحكم الذاتي، باعتبارها الأساس الأكثر واقعية وجدية لتسوية هذا النزاع.
وهذا التحول، في تقديري، لا يقتصر على تغيير في الخطاب الدبلوماسي، وإنما يعكس تطورا في الرؤية الدولية للملف. فهناك قناعة متزايدة لدى العديد من الدول بأن المبادرة المغربية تمثل حلا عمليا يوفق بين احترام سيادة المغرب ومنح الأقاليم الجنوبية صلاحيات واسعة في إطار الحكم الذاتي، كما أن هذه الدول باتت تنظر إلى تسوية هذا النزاع باعتبارها مدخلا لتعزيز الأمن والاستقرار في منطقة الساحل، ومواجهة التهديدات الإرهابية، ودعم التنمية الاقتصادية والإقليمية.
وقد ترجم هذا التوجه إلى إجراءات ملموسة، سواء من خلال دعم مشاريع التعاون بالأقاليم الجنوبية، أو تنظيم زيارات رسمية لمسؤولين كبار إلى مدينتي العيون والداخلة، فضلا عن تنامي الحضور الاقتصادي والاستثماري، إلى جانب المواقف الواضحة التي أعلنتها الولايات المتحدة وفرنسا والمملكة المتحدة، إضافة إلى عدد متزايد من الدول الأوروبية والإفريقية والعربية.
ومن جهة أخرى، ساهم تطور المسار الأممي في ترسيخ هذا المنحى، إذ أصبح التركيز منصبا على التوصل إلى حل سياسي واقعي وعملي، مع التأكيد على انخراط الأطراف المعنية في العملية السياسية، وتزايد الدعوات إلى إنهاء نزاع طال أمده.
لذلك، أعتقد أن أهم ما يميز المرحلة الحالية هو أن القوى الدولية باتت تنظر إلى قضية الصحراء من زاوية الأمن والاستقرار الإقليميين أكثر من اعتبارها نزاعا تقليديا، وهو ما يعكس تحولا حقيقيا في فلسفة التعاطي الدولي مع هذا الملف.
ختاما، كيف تقرؤون تراجع حضور أطروحة الانفصال في النقاش الدولي مقارنة بما كان عليه الوضع قبل عقدين؟ وما العوامل التي ساهمت في ذلك؟
في تقديري، لا يمكن الحديث اليوم عن قضية الصحراء بالطريقة نفسها التي كان ينظر بها إليها قبل عشرين سنة، لأن موازين الملف تغيرت بشكل واضح. ففي تلك المرحلة، كانت الأطروحة الانفصالية تحظى بحضور أكبر داخل عدد من المنابر الدولية، بينما نلاحظ اليوم أن هذا الحضور تراجع بصورة ملحوظة نتيجة مجموعة من التحولات السياسية والدبلوماسية.
وأعتقد أن أول هذه التحولات يتمثل في نجاح المغرب في تقديم مبادرة الحكم الذاتي كحل متكامل، يجمع بين الحفاظ على سيادة المملكة والاستجابة لمطلب التدبير الذاتي، وهو ما جعلها تحظى بدعم دولي متزايد باعتبارها الخيار الأكثر واقعية ومصداقية.
ثم إن هناك عاملا آخر لا يقل أهمية، وهو التنمية التي عرفتها الأقاليم الجنوبية. فالمشاريع الكبرى التي أنجزت في هذه الأقاليم لم تبق مجرد برامج على الورق، بل أصبحت واقعا يعكس مستوى الاندماج الاقتصادي والاجتماعي الذي تعرفه المنطقة، وهو ما عزز مصداقية الطرح المغربي.
ومن جهة أخرى، لا يمكن إغفال تأثير التحولات الأمنية في منطقة الساحل. فالمجتمع الدولي أصبح اليوم يمنح الأولوية للحلول التي تضمن الأمن والاستقرار، خاصة مع تنامي التهديدات الإرهابية والجريمة المنظمة، وهو ما جعل عددا من الدول يعيد تقييم مقاربته لهذا الملف.
النقاش الدولي لم يعد يتمحور حول المفاضلة بين مشروعين، وإنما أصبح يركز بصورة متزايدة على كيفية تفعيل مبادرة الحكم الذاتي باعتبارها الحل السياسي الواقعي والقابل للتطبيق
كما أن الدبلوماسية المغربية نجحت في توسيع دائرة تحركها، سواء داخل إفريقيا أو أوروبا أو العالم العربي، بل وحتى في مناطق كانت تقليديا أقرب إلى الأطروحة الانفصالية، مثل عدد من دول أمريكا اللاتينية والكاريبي، إلى جانب شرق وجنوب القارة الإفريقية، وهو ما ساهم في تقليص مساحة تأثير هذا الطرح.
ولعل أبرز دليل على ذلك هو أن عددا متزايدا من الدول سحب أو جمد اعترافه بالكيان الانفصالي، أو راجع موقفه منه، بالتوازي مع تنامي النقاش الدولي بشأن الأوضاع الإنسانية والأمنية داخل مخيمات تندوف.
لذلك، أرى أن النقاش الدولي لم يعد يتمحور حول المفاضلة بين مشروعين، وإنما أصبح يركز بصورة متزايدة على كيفية تفعيل مبادرة الحكم الذاتي باعتبارها الحل السياسي الواقعي والقابل للتطبيق. وهذا، في نظري، هو أبرز مؤشر على أن موازين هذا الملف تغيرت بشكل كبير مقارنة بما كانت عليه في بداية الألفية الثالثة.
الحضور المغربي داخل إفريقيا.. أي حصيلة بعد أزيد ربع قرن من الرؤية الملكية؟
لم يعد الحضور المغربي داخل القارة الإفريقية يقتصر على توسيع التعاون الثنائي أو تعزيز المبادلات الاقتصادية، بل تحول، خلال عهد الملك محمد السادس، إلى أحد أبرز مرتكزات السياسة الخارجية للمملكة، في إطار رؤية استراتيجية أعادت صياغة علاقة المغرب بعمقه الإفريقي، وربطت بين الدبلوماسية السياسية، والشراكة الاقتصادية، والدفاع عن المصالح العليا للمملكة، وفي مقدمتها قضية الصحراء المغربية.
وفي هذا السياق، اعتبر عبد الفتاح الفاتحي، مدير مركز الصحراء وإفريقيا للدراسات الاستراتيجية، أن الاهتمام الملكي بالقارة الإفريقية يمثل “إبداعا استراتيجيا فارقا” في نهج السياسة الخارجية للمملكة، موضحا أن هذا التوجه لم يكن ظرفيا أو مرتبطا بسياقات آنية، بل جاء ثمرة رؤية دبلوماسية متكاملة بدأت ملامحها تتشكل منذ سنة 2001، من خلال الزيارات الملكية المتعددة إلى عدد كبير من الدول الإفريقية، والتي انطلقت بعد فترة وجيزة من اعتلاء الملك محمد السادس العرش.

وأوضح الفاتحي، في تصريح لـ”إعلام تيفي“، أن هذه الزيارات أسهمت في إعادة بناء العلاقات المغربية الإفريقية على أسس جديدة، قائمة على تعزيز التعاون السياسي والاقتصادي، مع استحضار الروابط التاريخية والحضارية والثقافية والدينية التي تجمع المملكة بعدد من بلدان القارة، وهو ما منح الدبلوماسية المغربية زخما جديدا ورسخ حضورها داخل الفضاء الإفريقي.
وأضاف أن هذا التوجه الاستراتيجي لم يقتصر على البعد الدبلوماسي، بل امتد إلى الجوانب الاقتصادية والاستثمارية، حيث شهدت العلاقات المغربية الإفريقية دينامية متواصلة، من خلال توقيع أكثر من ألف اتفاقية وبروتوكول تعاون مع عدد من الدول الإفريقية، إلى جانب اتخاذ المملكة مبادرات داعمة للتنمية، من بينها التخلي عن ديون مستحقة على بعض الدول الإفريقية، وهو ما عزز الثقة المتبادلة ورسخ صورة المغرب كشريك تنموي داخل القارة.
وأشار المحلل السياسي إلى أن هذه الدينامية مهدت لعودة المملكة إلى الاتحاد الإفريقي سنة 2017، معتبرا أن هذه العودة شكلت محطة مفصلية في مسار السياسة الإفريقية للمغرب، بالنظر إلى ما أتاحته من حضور مؤسساتي فاعل داخل المنظمة القارية، سواء من خلال تقاسم الخبرات أو عبر تولي مسؤوليات داخل أجهزة الاتحاد الإفريقي، وهو ما ساهم، بحسب تقديره، في تقليص حضور الطرح الانفصالي داخل المؤسسة الإفريقية.
الاهتمام الملكي بإفريقيا أسس لعقيدة سياسية جديدة في تدبير العلاقات مع دول القارة، تقوم على تعميق الشراكات وتعزيز المصالح المشتركة
ويرى الفاتحي أن الاهتمام الملكي بإفريقيا أسس لما وصفه بـ”عقيدة سياسية جديدة” في تدبير العلاقات مع دول القارة، تقوم على تعميق الشراكات وتعزيز المصالح المشتركة، وهو ما أفرز، وفق تعبيره، تحولات ملموسة في مواقف عدد من الدول الإفريقية تجاه قضية الصحراء المغربية، بعدما أصبحت القارة فضاء داعما للوحدة الترابية للمملكة.
وأوضح أن هذا التحول تجسد في افتتاح عدد من الدول الإفريقية قنصليات عامة لها بمدينة العيون والداخلة، معتبرا أن هذه الخطوة تعكس تطورا نوعيا في المواقف الرسمية لهذه الدول، وتؤكد تنامي الاعتراف بسيادة المغرب على أقاليمه الجنوبية، في إطار التحولات التي عرفها الموقف الإفريقي خلال السنوات الأخيرة.
وأضاف أن عودة المغرب إلى الاتحاد الإفريقي أسهمت أيضا في تعزيز موقعه التفاوضي بشأن قضية الصحراء المغربية، إذ مكنت، بحسب تقديره، من تحييد الخطاب الذي تتبناه الجزائر وجبهة البوليساريو داخل مؤسسات الاتحاد، كما دفعت عددا من الدول الإفريقية إلى سحب أو تعليق علاقاتها بما وصفها بـ”الجمهورية الوهمية”، مع إعلان دعمها لسيادة المغرب على أقاليمه الجنوبية.
وأكد المتحدث ذاته في تصريحه، أن عددا متزايدا من الدول الإفريقية بات يدعم مبادرة الحكم الذاتي التي تقدم بها المغرب باعتبارها الإطار الأكثر واقعية ومصداقية لتسوية النزاع، مشيرا إلى أن هذه الدول أصبحت تؤيد حصرية معالجة ملف الصحراء في إطار الأمم المتحدة، وترفض طرحه داخل مؤسسات الاتحاد الإفريقي، كما تعلن دعمها لمختلف القرارات الصادرة عن مجلس الأمن بشأن هذا النزاع.
وخلص المحلل السياسي إلى أن الحضور المغربي داخل إفريقيا لم يعد يقتصر على توسيع العلاقات الثنائية أو تعزيز المبادلات الاقتصادية، بل أصبح يشكل ركيزة أساسية في السياسة الخارجية للمملكة، بما يعكس توجها استراتيجيا يقوم على ترسيخ الشراكات، وتعزيز الحضور الدبلوماسي، وتدعيم الموقف المغربي بشأن قضية الصحراء على المستويين القاري والدولي.
الاقتصاد المغربي.. رؤية ملكية أرست أسس التنويع والتنافسية
شكل الاقتصاد الوطني، في عهد الملك محمد السادس، أحد أبرز الأوراش الاستراتيجية التي شهدت تحولات عميقة، من خلال تبني رؤية تنموية ارتكزت على تحديث البنية الاقتصادية، وتنويع مصادر النمو، وتعزيز تنافسية المملكة على المستويين الإقليمي والدولي.
وقد واكب هذا التوجه إطلاق مشاريع هيكلية وإصلاحات كبرى استهدفت تطوير البنيات التحتية، وترسيخ قاعدة صناعية متقدمة، وتحسين مناخ الاستثمار، إلى جانب تعزيز الأمن الطاقي والمائي، بما أسهم في إرساء دعائم اقتصاد أكثر انفتاحا وقدرة على مواكبة التحولات العالمية.
وبالتوازي مع هذه الأوراش، أولت الرؤية الملكية أهمية خاصة للبعد الاجتماعي، من خلال ربط الاستثمار بخلق فرص الشغل، وتقليص الفوارق المجالية، وتوسيع نطاق الحماية الاجتماعية، في إطار مقاربة تروم تحقيق تنمية أكثر شمولا وتوازنا. كما عزز المغرب حضوره الاقتصادي عبر تنويع شراكاته الدولية، وترسيخ موقعه كمنصة صناعية ولوجستية تربط بين أوروبا وإفريقيا، مستفيدا من موقعه الاستراتيجي والإصلاحات التي شهدها خلال السنوات الأخيرة.
وفي هذا الإطار، يسلط “إعلام تيفي” الضوء على أبرز التحولات التي عرفها الاقتصاد الوطني في عهد الملك محمد السادس، من خلال التوقف عند محطات أساسية شملت تنويع القاعدة الإنتاجية، وتعزيز الاستثمار والتنافسية، وربط التنمية بإحداث فرص الشغل والعدالة المجالية، إلى جانب ورش تعميم الحماية الاجتماعية باعتباره أحد أهم الإصلاحات الاجتماعية والاقتصادية التي تشهدها المملكة.
الحماية الاجتماعية والاستثمار.. رهانان لتعزيز النمو في ظل الرؤية الملكية
أكد علي الغنبوري، رئيس مركز الاستشراف الاقتصادي والاجتماعي، أن الرؤية الاقتصادية التي قادها الملك محمد السادس منذ اعتلائه العرش سنة 1999 أحدثت تحولا هيكليا في بنية الاقتصاد المغربي، حيث انتقل من اقتصاد يعتمد بدرجة كبيرة على الفلاحة والقطاعات التقليدية إلى اقتصاد أكثر تنوعا وتكاملا، يقوم على الصناعة والخدمات واللوجستيك والطاقات المتجددة، وهو ما مكن المملكة من تعزيز تنافسيتها على الصعيدين الإقليمي والدولي.

وأوضح الغنبوري، في تصريح لـ”إعلام تيفي“، أن هذا التحول تجسد من خلال إطلاق استراتيجيات صناعية كبرى، في مقدمتها مخطط الإقلاع الصناعي ومخطط التسريع الصناعي، إلى جانب تطوير البنيات التحتية الاستراتيجية، مشيرا إلى أن ميناء طنجة المتوسط أصبح أكبر ميناء في البحر الأبيض المتوسط وإفريقيا بطاقة استيعابية تناهز 9 ملايين حاوية سنويا، فضلا عن إنجاز شبكة طرق سيارة تجاوزت 1800 كيلومتر، وإطلاق القطار فائق السرعة، والاستثمار في مشاريع الطاقة الشمسية والريحية، وهي مشاريع عززت جاذبية المغرب للاستثمارات الأجنبية، ورسخت موقعه كمنصة صناعية ولوجستية تربط بين أوروبا وإفريقيا.
وأضاف أن نتائج هذه الرؤية انعكست بوضوح على مؤشرات الإنتاج والتصدير، حيث أصبحت صناعة السيارات أول قطاع مصدر للمملكة، بعدما تجاوزت صادراتها 157 مليار درهم خلال سنة 2025، في حين بلغت صادرات قطاع الطيران حوالي 28 مليار درهم، وهو ما يعكس نجاح سياسة تنويع القاعدة الإنتاجية والرفع من القيمة المضافة للصناعة الوطنية.
وأشار إلى أن المغرب أصبح يحتضن أكثر من 250 شركة عالمية تنشط في قطاعي السيارات والطيران، كما أضحى أول منتج للسيارات في إفريقيا بطاقة إنتاجية تفوق مليون سيارة سنويا، بالتوازي مع الارتفاع المتواصل لحصة الصناعة في الصادرات الوطنية، وتطور تدفقات الاستثمارات الأجنبية المباشرة، بفضل تحسين مناخ الأعمال، وإصلاح ميثاق الاستثمار، وتوسيع المناطق الصناعية واللوجستية، والاستثمار في التكوين المهني والرأسمال البشري، وهو ما جعل الاقتصاد المغربي أكثر قدرة على الصمود في مواجهة الأزمات العالمية، سواء خلال جائحة كوفيد-19 أو اضطرابات سلاسل الإمداد الدولية، مع الحفاظ على وتيرة نمو إيجابية مقارنة بعدد من الاقتصادات الناشئة.
السياسة الاستثمارية انتقلت من منطق تشجيع الاستثمار في حد ذاته إلى منطق الاستثمار المنتج للقيمة المضافة وفرص الشغل والتنمية المجالية المتوازنة
وفي قراءته للتوجيهات الملكية التي تربط الاستثمار بخلق فرص الشغل وتحقيق العدالة المجالية، أكد الغنبوري أن الملك محمد السادس شدد، في عدد من خطاباته، على أن الاستثمار ينبغي أن يقاس بقدرته على خلق مناصب الشغل وتقليص الفوارق الاجتماعية والمجالية، وليس فقط بحجم الأموال المستثمرة، وهو ما انعكس، بحسب تعبيره، على السياسات العمومية والإصلاحات الاقتصادية التي اعتمدتها المملكة خلال السنوات الأخيرة.
وأوضح أن هذا التوجه ترجم عمليا من خلال اعتماد الميثاق الجديد للاستثمار، الذي يمنح تحفيزات أكبر للمشاريع القادرة على إحداث فرص الشغل والاستثمار في الجهات الأقل استفادة، مع تحديد هدف تعبئة 550 مليار درهم من الاستثمارات الخاصة خلال الفترة الممتدة بين 2022 و2026، وإحداث حوالي 500 ألف منصب شغل، إلى جانب تعزيز اللاتمركز الإداري وتشجيع الاستثمار خارج المحاور الاقتصادية التقليدية.
وأضاف أن التوجيهات الملكية تجسدت كذلك في إطلاق صندوق محمد السادس للاستثمار، وتوسيع المناطق الصناعية، وربط الدعم العمومي بمؤشرات دقيقة، من بينها التشغيل، والإدماج الترابي، والتنمية المستدامة، فضلا عن توجيه استثمارات كبرى نحو البنيات التحتية والموانئ والطاقات المتجددة والمناطق الصناعية الجديدة، بما يساهم في خلق دينامية اقتصادية بمختلف جهات المملكة وتقليص الفوارق بين المجالين الحضري والقروي، مؤكدا أن السياسة الاستثمارية انتقلت من منطق تشجيع الاستثمار في حد ذاته إلى منطق الاستثمار المنتج للقيمة المضافة وفرص الشغل والتنمية المجالية المتوازنة، بما ينسجم مع الرؤية الملكية لبناء نموذج تنموي أكثر شمولا وإنصافا.
وبخصوص ورش تعميم الحماية الاجتماعية، اعتبر الغنبوري أنه يشكل أحد أكبر الإصلاحات الاجتماعية والاقتصادية في تاريخ المغرب الحديث، بالنظر إلى ما يحمله من أبعاد اجتماعية واقتصادية، موضحا أن هذا الورش لا يقتصر على تعزيز العدالة الاجتماعية، بل يمثل أيضا رافعة للنمو الاقتصادي من خلال تحسين القدرة الشرائية، وتوسيع الاستهلاك الداخلي، وتقليص الهشاشة، وإدماج فئات واسعة في الاقتصاد المنظم.
وأشار إلى أن هذا الورش انطلق بموجب القانون الإطار رقم 09.21، مستهدفا تعميم التغطية الصحية لفائدة 22 مليون مستفيد إضافي، وتوسيع التعويضات العائلية لفائدة حوالي 7 ملايين طفل، وتعميم التقاعد على نحو 5 ملايين من النشيطين، إلى جانب توسيع الاستفادة من التعويض عن فقدان الشغل.
وأضاف أن نظام الدعم الاجتماعي المباشر أصبح يغطي حوالي 4 ملايين أسرة، أي ما يقارب 12 مليون مستفيد، من بينهم 5.5 ملايين طفل و1.7 مليون شخص مسن، وهو ما يعكس الحجم غير المسبوق لهذا الورش المجتمعي. مؤكدا أن نجاح هذا الإصلاح يبقى مرتبطا بقدرته على تحقيق التوازن بين البعد الاجتماعي والاستدامة المالية، مشيرا إلى أن الكلفة السنوية للورش تناهز 51 مليار درهم، وهو ما يستدعي توسيع الوعاء الضريبي، وتحسين مردودية الاقتصاد، وتقليص حجم القطاع غير المهيكل، ورفع نسب التشغيل، لضمان موارد مالية مستدامة لتمويله.
وختم الغنبوري تصريحه بالتأكيد على أن تحسين جودة الخدمات الصحية، وتسريع التحول الرقمي، وتعزيز حكامة الاستهداف عبر السجل الاجتماعي الموحد، وتقوية التنسيق بين مختلف المؤسسات، تمثل أبرز التحديات المطروحة أمام استدامة هذا الورش، معتبرا أنه يشكل استثمارا طويل الأمد في الرأسمال البشري، لما له من أثر في رفع الإنتاجية، والحد من الفقر والهشاشة، وتعزيز الثقة بين المواطن والدولة، بما يجعله أحد أهم ركائز بناء الدولة الاجتماعية في المغرب.
الدبلوماسية الاقتصادية المغربية.. بوابة لتعزيز الحضور داخل القارة الإفريقية
يشكل الحضور الاقتصادي المغربي داخل القارة الإفريقية أحد أبرز تجليات التحول الذي عرفته علاقات المملكة مع محيطها القاري خلال السنوات الأخيرة، في إطار مقاربة تقوم على بناء شراكات استراتيجية وتعزيز التعاون جنوب-جنوب، لا تقتصر على الاستثمارات فقط، بل تمتد إلى نقل الخبرات وتقاسم التجارب والمساهمة في دعم مشاريع التنمية بعدد من الدول الإفريقية.

وفي هذا السياق، أوضح رشيد ساري، الخبير الاقتصادي ورئيس المركز الإفريقي للدراسات الاستراتيجية والرقمنة، في تصريح لـ”إعلام تيفي“، أن المغرب أصبح يحتل المرتبة الثانية إفريقيا في مجال الاستثمارات داخل القارة، غير أن خصوصية التجربة المغربية، حسب قوله، تكمن في تجاوزها لمنطق الاستثمار المالي نحو مقاربة أوسع تقوم على نقل المعرفة والخبرات، ومواكبة الأشقاء الأفارقة في عدد من المجالات الحيوية.
وأشار ساري إلى أن المغرب لا يقدم نفسه داخل إفريقيا كمستثمر فقط، بل كشريك تنموي يساهم في بناء القدرات وتعزيز القطاعات الإنتاجية، مبرزا الدور الذي يضطلع به المكتب الشريف للفوسفاط في دعم الأمن الغذائي بالقارة، من خلال توفير الأسمدة للفلاحين، وإقامة وحدات صناعية في عدد من الدول، من بينها إثيوبيا ونيجيريا وكوت ديفوار، بما يساهم في تطوير المنظومات الفلاحية المحلية وتعزيز السيادة الغذائية الإفريقية.
كما توقف الخبير الاقتصادي عند المبادرة الأطلسية التي أطلقها الملك محمد السادس، معتبرا أنها تحمل أبعادا اقتصادية واستراتيجية مهمة، من خلال إتاحة البنيات التحتية المغربية أمام الدول الإفريقية، وفتح آفاق جديدة أمام تعزيز المبادلات التجارية وربط اقتصادات القارة بالمجالات البحرية العالمية، بما يخدم اندماجها الاقتصادي.
خصوصية التجربة المغربية داخل إفريقيا تكمن في تجاوزها لمنطق الاستثمار المالي نحو مقاربة تقوم على نقل المعرفة والخبرات ومواكبة الأشقاء الأفارقة
ويرى المتحدث ذاته أن هذا الحضور المغربي المتنامي داخل إفريقيا لا ينعكس فقط على مستوى العلاقات الخارجية للمملكة، بل يمتد أثره إلى الاقتصاد الوطني، عبر خلق دينامية جديدة لفائدة المقاولات المغربية، وتوسيع مجالات اشتغالها، ورفع القيمة المضافة، إلى جانب توفير فرص شغل للكفاءات المغربية المرتبطة بالمشاريع التي تنجزها الشركات الوطنية خارج أرض الوطن.
وفي ما يتعلق بتنظيم كأس العالم 2030، اعتبر ساري أن هذا الموعد العالمي يمثل أكثر من مجرد تظاهرة رياضية، بالنظر إلى الأبعاد الاقتصادية والتنموية التي يحملها، مشددا على أن الرهان الأساسي يتمثل في تحويل هذا الحدث إلى رافعة لتعزيز النمو وجذب الاستثمارات وتطوير عدد من القطاعات الحيوية.
وأوضح أن القطاع السياحي سيكون من أبرز المستفيدين من هذه الدينامية، خاصة مع الهدف المعلن باستقطاب 26 مليون سائح، معتبرا أن المغرب يمتلك مؤهلات تسمح بتجاوز هذا الرقم، خصوصا بعدما تمكن من الاقتراب من 20 مليون سائح حتى قبل احتضان المونديال، وهو ما يعكس التحول الذي عرفته جاذبية المملكة السياحية.
وأضاف أن الاستعدادات المرتبطة بكأس العالم ستدفع نحو تطوير قطاعات اقتصادية متعددة، من بينها البناء والخدمات والتكنولوجيات الحديثة والاقتصاد الرقمي، كما ستمنح دفعة قوية للمقاولات الناشئة والصغرى والمتوسطة، باعتبارها أحد أهم محركات التشغيل وخلق القيمة داخل الاقتصاد الوطني.
وفي هذا الإطار، أشار المحلل الاقتصادي إلى توقعات صندوق النقد الدولي بشأن بلوغ الناتج الداخلي الخام للمغرب حوالي 200 مليار دولار سنة 2029، مع إمكانية تجاوز هذا المستوى خلال سنة 2030، بالنظر إلى حجم الأوراش والاستثمارات المرتقبة، شريطة مواصلة الإصلاحات وتسريع تنفيذ المشاريع الكبرى.
ويبقى التحدي الأساسي، حسب رئيس المركز الإفريقي للدراسات الاستراتيجية والرقمنة، مرتبطا بمرحلة ما بعد 2030، إذ يتعين، وفق رؤيته، التفكير منذ الآن في كيفية تحويل هذا الاستحقاق إلى نقطة انطلاق لمسار تنموي طويل الأمد، من خلال تعزيز الحكامة، وتسريع إنجاز المشاريع، وتعبئة القطاع الخاص، واستقطاب الاستثمارات الأجنبية، بما يسمح للمغرب بتحقيق إقلاع اقتصادي مستدام وترسيخ موقعه ضمن الاقتصادات الصاعدة.
المغرب الرياضي.. بين رهان الإنجاز وبناء إرث مؤسساتي مستدام
لم تعد الرياضة في المغرب تقاس بمنطق النتائج والألقاب فحسب، بل أضحت، خلال عهد الملك محمد السادس، ركيزة ضمن رؤية استراتيجية أوسع توظف الرياضة كأداة لتعزيز الحضور الدولي للمملكة، ودعم جاذبيتها الاقتصادية، وترسيخ مكانتها داخل الفضاءين الإفريقي والمتوسطي.
ومن خلال الاستثمار المكثف في البنيات التحتية الرياضية، واستقطاب كبريات التظاهرات القارية والدولية، وتطوير منظومة التكوين، وتعزيز الدبلوماسية الرياضية، انتقلت المملكة إلى مرحلة جديدة جعلت من الرياضة أحد روافد القوة الناعمة وأداة لدعم خياراتها التنموية والاستراتيجية.
وتجسد هذا التحول في تزايد حضور المغرب داخل مراكز صناعة القرار الرياضي، والنجاح في الظفر بتنظيم تظاهرات كبرى، وفي مقدمتها نهائيات كأس الأمم الإفريقية 2025، نهائيات كأس إفريقيا للسيدات “المغرب 2026″، وكأس العالم 2030 بشراكة مع إسبانيا والبرتغال، إلى جانب النتائج الرياضية التي عززت صورة المملكة على الصعيد الدولي.
وبذلك، لم تعد الرياضة مجرد قطاع مستقل، بل أصبحت جزءا من مشروع تنموي متكامل، تتداخل فيه الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية والدبلوماسية، بما يعكس توجها نحو توظيف الإنجاز الرياضي لخدمة الإشعاع الدولي للمغرب.
هذا التحور، يثير جملة من التساؤلات حول مدى نجاح المغرب في الانتقال من مرحلة “دبلوماسية الإنجاز الرياضي” إلى “دبلوماسية التأثير الرياضي”، وحول الكيفية التي أصبحت بها الرياضة رافعة للتنمية الاقتصادية، وتعزيز التماسك الاجتماعي، ودعم الحضور الدبلوماسي للمملكة، فضلا عن استشراف قدرة المنظومة الرياضية الوطنية على تحويل الزخم الذي يرافق الاستعدادات لكأس العالم 2030 إلى إرث مؤسساتي وتنموي مستدام يمتد إلى ما بعد هذا الاستحقاق العالمي.
وفي هذا السياق، يرى الصحافي الرياضي حمزة اشتيوي أن التحول الذي تشهده كرة القدم المغربية خلال السنوات الأخيرة لم يكن وليد نتائج ظرفية، بل هو ثمرة مشروع استراتيجي متكامل يستند، بحسب تعبيره، إلى رؤية ملكية جعلت من تطوير كرة القدم ورشا طويل المدى، الأمر الذي انعكس على أداء مختلف المنتخبات الوطنية، ورسخ حضور المغرب داخل المنظومتين الكرويتين الإفريقية والدولية.

وأكد اشتيوي في تصريح لـ”إعلام تيفي“، أن التجربة المغربية تعد، في تقديره، سابقة على المستويين العربي والإفريقي، مضيفا أن ما أنجزته الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم خلال السنوات الخمس الأخيرة يمكن اعتباره من بين أنجح التجارب التي حققتها اتحادات كرة القدم على الصعيد العالمي، خاصة على مستوى المنتخبات الوطنية، بالنظر إلى النتائج المحققة واستمرارية المشروع، وهو ما يميزها عن تجارب أخرى شهدت نجاحات مؤقتة سرعان ما تراجعت.
وأوضح أن هذا المسار لم يكن نتيجة عمل قصير الأمد، وإنما جاء ثمرة تخطيط متواصل يمتد لأكثر من عشر سنوات، ارتكز على تطوير البنيات التحتية الرياضية، وإحداث مراكز للتكوين، وإعداد أجيال متعاقبة من اللاعبين، بما يضمن استمرارية المشروع على المدى القريب والمتوسط والبعيد، ويحول دون ارتباطه بجيل واحد أو بنتيجة ظرفية.
وأشار إلى أن المغرب استطاع، بفضل هذا المسار، تعزيز مكانته داخل الكونفدرالية الإفريقية لكرة القدم والاتحاد الدولي لكرة القدم، كما أصبح فاعلا أساسيا في المشهد الكروي القاري، ليس فقط من خلال النتائج الرياضية، وإنما أيضا عبر احتضان عدد من التظاهرات القارية والدولية، واستقبال مباريات منتخبات إفريقية لا تتوفر على ملاعب تستجيب للمعايير المعتمدة، إلى جانب توفير مراكز الإقامة والتداريب والإمكانات التنظيمية واللوجستية، بما يعكس، بحسب قوله، الدور الذي أصبحت تضطلع به المملكة في خدمة كرة القدم الإفريقية.
وأضاف أن هذه الدينامية أفرزت ما وصفه بـ”دبلوماسية الإنجاز الرياضي” أو “الدبلوماسية الموازية”، حيث تحولت الرياضة، وفق تقديره، إلى وسيلة لتعزيز التقارب وبناء علاقات التعاون مع عدد من الدول، مشيرا إلى أن هذا التأثير لم يعد يقتصر على المجال الرياضي، بل امتد إلى أبعاد سياسية واقتصادية واجتماعية، معتبرا أن التعاون الرياضي يعكس في جوهره وجود تفاهمات سياسية، وأن بناء شراكات رياضية مستدامة يفترض وجود أرضية سياسية تسمح بتطويرها.
وفي تقييمه لواقع المنظومة الرياضية، أوضح اشتيوي أنه لا يمكن الحديث عن نجاح شامل للرياضة المغربية، بقدر ما يتعلق الأمر، في هذه المرحلة، بنجاح المنظومة الكروية على وجه التحديد، معتبرا أن قطاعات رياضية أخرى لا تزال تواجه تحديات متعددة، في حين حققت كرة القدم تطورا واضحا بفضل وجود سياسة رياضية محددة وأهداف دقيقة انعكست نتائجها على المنتخب الأول، ومنتخبات الفئات السنية، وكرة القدم النسوية، وكرة القدم داخل القاعة.

وسجل أن من أبرز عناصر نجاح المشروع المغربي اعتماده سياسة فعالة لاستقطاب اللاعبين مزدوجي الجنسية، موضحا أن إقناع لاعبين نشأوا وتكونوا داخل منظومات كروية في بلدان مثل بلجيكا وفرنسا وهولندا وألمانيا وإيطاليا باختيار تمثيل المغرب لم يكن أمرا سهلا، بل استند إلى مشروع رياضي واضح استطاع أن يقنع اللاعبين ووكلاء أعمالهم وأسرهم والأندية التي ينتمون إليها بأن المنتخب المغربي يوفر بيئة تنافسية وطموحا رياضيا قادرا على تحقيق الإنجازات.
ورغم ما تحقق، شدد اشتيوي على أن المشروع لم يبلغ مرحلته النهائية، معتبرا أن المغرب لا يزال مطالبا بمواصلة العمل، خاصة على مستوى تطوير البطولة الوطنية، حتى تسير بالوتيرة نفسها التي تعرفها المنتخبات الوطنية، مشيرا إلى أن هناك تفاوتا في مستوى التطور بين الجانبين، وهو ما يستدعي، بحسب رأيه، إيلاء اهتمام أكبر للمنافسات المحلية باعتبارها ركيزة أساسية لاستدامة النجاح.
وأضاف أن ما يلفت الانتباه، وفق تقديره، هو الخطاب الذي يتبناه مسؤولو الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم، وفي مقدمتهم رئيسها فوزي لقجع، إذ يعكس قناعة بأن الإنجازات المحققة ليست سوى بداية المشروع، وأن العمل لا يزال متواصلا لتحقيق أهداف أكبر، بعيدا عن منطق الاكتفاء بما تحقق.
ما أنجزته الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم خلال السنوات الخمس الأخيرة يمكن اعتباره من بين أنجح التجارب التي حققتها اتحادات كرة القدم على الصعيد العالمي
واعتبر أن استضافة المغرب لكأس العالم 2030 إلى جانب إسبانيا والبرتغال تمثل محطة استراتيجية جديدة، ليس فقط لتنظيم حدث رياضي عالمي، وإنما لتثمين المكتسبات التي تحققت خلال السنوات الماضية، واستثمارها في تطوير البنيات التحتية، وتعزيز الحركية الاقتصادية، وتقوية الحضور السياسي والدبلوماسي للمملكة، بما يجعل المونديال منطلقا لمرحلة جديدة من التنمية وليس غاية في حد ذاته.
وختم اشتيوي بالتأكيد على أن المشروع الكروي المغربي هو، في نظره، مشروع دولة يقوم على رؤية بعيدة المدى، أسهمت في تطوير المنشآت الرياضية في فترة وجيزة، ورسخت مكانة المغرب كنموذج يحتذى به قاريا في مجال البنية التحتية والتخطيط الكروي، معتبرا أن الحفاظ على هذه المكتسبات يقتضي مواصلة الاستثمار في التكوين، وتطوير البطولة الوطنية، وضمان استمرارية المشروع بما يواكب طموحات المملكة خلال مرحلة ما بعد مونديال 2030.





