تجاوزات الخطاب الانتخابي بالمغرب.. حين تعصف السجالات السياسية بثقة الشارع

زكرياء الروضي
تحليل_تعد الحملات الانتخابية في التجارب الديمقراطية الرشيدة المحطة الأنصع لتقديم البرامج التنموية والتنافس حول الرؤى المستقبلية، إلا أن المشهد السياسي في المغرب شهد في مراحل مختلفة انزلاقات خطيرة خرجت بالخطاب السياسي عن سياقه النبيل. فقد تحولت بعض المنصات الانتخابية إلى ساحات للتراشق الحاد والتهم المتبادلة بين منتخبين وقيادات حزبية، لتتجاوز الحدود المتعارف عليها وتغوص في قضايا مست في عمقها بالصحة العمومية ونزاهة المال السياسي والأمن القومي.
ولعل أبرز ما طبع هذا السجال المحموم تلك الاتهامات الخطيرة المتصلة باستغلال أموال الاتجار في المخدرات لتأسيس نفوذ انتخابي أو تمويل الحملات، إلى جانب إقحام ملفات معيشية وحساسة مثل ترخيص أو ترويج مواد غذائية فاسدة كقضية “الجبن الفاسد” فضلا عن أساليب التهديد والوعيد والتشهير المتبادل. إن هذا المنزلق لم يعد مجرد مناكفة سياسية عابرة، بل غدا ظاهرة تُطرح حولها تساؤلات حارقة بشأن نضج الممارسة السياسية والمصداقية الأخلاقية للفاعلين المشرفين عليها.
وعلى مستوى الذاكرة الجماعية للمغاربة، فإن هذه التجاوزات تترك آثاراً عميقة وترسخ صورة نمطية قاتمة عن العمل الحزبي برمته؛ حيث يتأكد لدى شرائح واسعة من المواطنين تمثل شعبي مفاده أن العمل السياسي ليس سوى صراع على النفوذ والمصالح الشخصية الشرسة. كما تؤدي هذه الاتهامات الجسيمة إلى تشويه الذاكرة المشتركة للمجتمع، حين ينطبع في الأذهان أن المشهد التنافسي يخضع لمنطق شبكات النفوذ والمال غير المشروع، مما يسلب العملية الانتخابية طابعها الرمزي والتأطيري كعقد اجتماعي يقوم على الثقة والشفافية.
وتتجسد أخطر تداعيات هذه الظاهرة في تسريع وتيرة أزمة الثقة تجاه المؤسسات والعملية الاقتراعية ككل. فبدلا من أن تشكل الحملات فرصة لتقييم الحصيلة ومحاسبة الأحزاب بناء على برامجها، تضيع بوصلة المحاسبة الديمقراطية وسط ضجيج التهم والجنايات. ويرتب هذا الوضع عزوفا متزايدا لدى الهيئة الناخبة التي باتت ترى في التنافس الاقتراعي مجرد مسرحية للتراشق، مما يفرغ الصندوق الانتخابي من معناه ويحول المعارك السياسية من ساحات الأفكار والبرامج إلى أروقة المحاكم وأبحاث النيابة العامة.
إن تخليق الحياة السياسية بالمغرب يقتضي اليوم حزما صارما يتجاوز حدود التنديد الأخلاقي إلى التفعيل الصارم للقوانين التأديبية والزجرية؛ فالصندوق الانتخابي وجد ليكون وسيلة للبناء الديمقراطي والتداول السلمي على تدبير الشأن العام، وليس منصة لتصفية الحسابات أو استغلال قضايا المواطنين وحاجياتهم. ويبقى الرهان كبيرا على وعي المجتمع وإصرار المؤسسات والأحزاب على إعادة الاعتبار لنبل الممارسة السياسية، بما يعيد الثقة للشارع المغربي ويصون المكتسبات الديمقراطية للبلاد.





