المسعودي يكسر الصمت..رواية جديدة حول مغادرة رئاسة جماعة تازة ومآل المشاريع

جمال بلـــــة
خبر _ عاد عبد الواحد المسعودي إلى واجهة المشهد السياسي بتازة، ليس من بوابة رئاسة المجلس الجماعي التي غادرها قبل نحو عامين، وإنما من خلال ظهور إعلامي اختار فيه فتح عدد من الملفات التي ظلت حاضرة في النقاش المحلي منذ نهاية تجربته على رأس الجماعة.
ظهور يأتي في لحظة سياسية دقيقة تسبق الانتخابات التشريعية المقررة في 23 شتنبر 2026، وتعيد معها إلى الواجهة أسئلة الحصيلة، والمسؤولية عن المشاريع، وطبيعة الخلافات التي طبعت المرحلة السابقة، فضلا عن موقع الرجل داخل المشهد السياسي المحلي بعد توقفه عن قيادة المجلس.
المسعودي اختار هذه المرة أن يتحدث من موقع المدافع عن تجربته، مقدما رواية يعتبر من خلالها أن جزءا كبيرا من المشاريع التي تشهدها تازة اليوم لا يمكن فصلها عن المرحلة التي كان فيها على رأس المجلس الجماعي، وأن ما وصل إلى مرحلة التنفيذ حاليا هو، في عدد من الحالات، نتيجة لمسارات بدأت قبل سنوات، عبر البرمجة والدراسات والبحث عن التمويل وإبرام الاتفاقيات.
وبذلك، لم يكن ظهور الرئيس السابق مجرد استعادة لمرحلة سياسية انتهت، بل تحول إلى محاولة لإعادة ترتيب رواية تلك المرحلة، خصوصا في ظل استمرار الجدل حول أسباب مغادرته للرئاسة، وحول الملفات التي رافقت نهايتها، وحول المشاريع التي انتقلت من مجلس إلى آخر، فيما تستعد المدينة لاستحقاق انتخابي جديد قد يجعل من حصيلة التدبير المحلي والبرلماني إحدى أبرز ساحات النقاش بين مختلف المتنافسين.
وفي حديثه عن مغادرته رئاسة المجلس، رفض المسعودي تقديم نفسه باعتباره سياسيا غادر المشهد، مؤكدا أن توقفه عن ممارسة مهامه الجماعية لا يعني انسحابه من الحياة العامة، وأنه ظل حاضرا بصفته نائبا برلمانيا عن إقليم تازة.
كما رفض الربط بين عدم ترشحه للانتخابات التشريعية المقبلة وبين فكرة الابتعاد عن مواجهة الناخبين، مؤكدا أن موقعه السياسي لا يختزل في منصب أو استحقاق انتخابي واحد.
وعاد المسعودي إلى الظروف التي انتهت فيها ولايته على رأس المجلس، مؤكدا أنه اختار، بحسب روايته، احترام المؤسسات والمساطر والقضاء، في انتظار استكمال المسارات القضائية المرتبطة بالملفات التي كانت مطروحة آنذاك، ومشددا على مبدأ قرينة البراءة وضرورة انتظار ما ستنتهي إليه الإجراءات أمام الجهات المختصة.
وكان عامل إقليم تازة قد أشعر المسعودي في شتنبر 2024 بتوقيفه عن ممارسة مهام رئيس وعضو المجلس الجماعي إلى حين البت في طلب العزل، قبل أن تقضي المحكمة الإدارية بفاس في 31 أكتوبر 2024 بعزله من عضوية ورئاسة مجلس جماعة تازة مع التنفيذ المعجل.
وارتبط الملف، وفق المعطيات التي نشرت آنذاك، بملاحظات نسبت إلى لجنة تابعة للمفتشية العامة للإدارة الترابية، وشملت جوانب من تدبير الجماعة وصفقاتها العمومية، بينما تداولت وسائل إعلام معطيات أخرى مرتبطة بالتعمير وصفقات الأشغال وشبهات تضارب المصالح.
وبعد مغادرة المسعودي، دخل مجلس جماعة تازة مرحلة سياسية جديدة، انتهت بانتخاب منير شنتير عن حزب الاستقلال رئيسا للمجلس في نونبر 2024، عقب تشكيل أغلبية جديدة، ومنذ ذلك الحين، أصبح النقاش المحلي يدور حول مرحلة سابقة يقود المسعودي روايتها من جهة، ومرحلة جديدة تقدم نفسها باعتبارها محاولة لإعطاء نفس مختلف لتدبير المدينة من جهة أخرى.
ولعل أكثر الملفات التي استحوذت على حيز واسع من حديث المسعودي هو ملف المشاريع، حيث رفض بشكل صريح اختزال تعثر بعضها في ما وصفه بـ”البلوكاج”، معتبرا أن النقاشات والخلافات التي عرفها المجلس كانت جزءا من التدافع الطبيعي داخل المؤسسات المنتخبة، وفي المقابل، شدد على أن عددا مهما من المشاريع التي تظهر اليوم في تازة بدأت فعليا خلال فترة رئاسته، سواء من خلال المصادقة عليها أو إعداد الدراسات أو البحث عن التمويل أو توقيع الاتفاقيات.
ووضع المسعودي اتفاقية تقدر قيمتها بحوالي 450 مليون درهم في قلب هذا النقاش، موضحا أن إعدادها استغرق سلسلة من الاجتماعات والمفاوضات والتعديلات بين الجماعة والقطاعات الحكومية والمؤسسات المعنية، وأن تنفيذها يمتد على عدة سنوات إلى غاية 2027.
ويرى أن مثل هذه الاتفاقيات تجعل من الصعب، بحسب تصوره، ربط المشروع حصرا بالشخص الذي يوجد على رأس المجلس لحظة انطلاق الأشغال.
ومن بين المشاريع التي استحضرها المسعودي المحطة الطرقية، والمحطة السككية، وملاعب القرب، وعددا من الشوارع والمداخل والمحاور الطرقية، إلى جانب مشاريع مرتبطة بتازة العليا والمركب الثقافي والملعب البلدي لكرة القدم، كما تحدث عن أشغال تهم شوارع علال الفاسي والحسن الثاني ومحمد الخامس و3 مارس ومولاي يوسف و11 يناير وسبتة وغيرها من المحاور.
لكن الرسالة الأساسية التي أراد المسعودي إيصالها تبدو مرتبطة بمفهوم “زمن المشروع”، معتبرا أن المشروع العمومي لا يبدأ يوم ظهور الآليات في الشارع، ولا ينتهي بتغير رئيس المجلس، بل يمر بمراحل طويلة تبدأ بالبرمجة والدراسة والتمويل والاتفاقيات والصفقات، وهو ما يجعل تحديد المسؤولية عن المشاريع، في نظره، مرتبطا بالوثائق وليس بالخطاب السياسي.
وفي المقابل، يبرز المجلس الحالي حصيلته وبرامجه باعتبارها جزءا من مرحلة جديدة في تدبير المدينة، فيما يقدم منير شنتير، من موقعه البرلماني، حصيلة لترافعه عن عدد من المشاريع والبرامج، خصوصا في مجال الطرق والبنيات التحتية، وهو ما يجعل تازة أمام روايتين سياسيتين تتقاطعان في عدد من الملفات نفسها، لكنهما تختلفان في تحديد موقع كل طرف من مراحل إعدادها وتمويلها وتنفيذها.
ولم يغب الخلاف الشخصي والسياسي بين المسعودي وشنتير عن الحوار، إذ تعود المواجهة بين الرجلين إلى سنوات سابقة، وتخللتها سجالات سياسية وملفات قضائية.
وفي ظهوره الأخير، انتقل المسعودي إلى انتقاد بعض جوانب التدبير الحالي، خصوصا ما يتعلق باستعمال سيارات وممتلكات الجماعة، في مقابل نفيه بشكل قاطع أن يكون قد استفاد شخصيا من وسائل الجماعة أو الوقود أو التعويضات المرتبطة بالتنقل.
كما حاول المسعودي تقديم وجه آخر لمساره، باعتباره مستثمرا اختار، وفق روايته، إبقاء مشاريعه داخل إقليم تازة، مستحضرا مشاريع في التعليم والسياحة ومبادرات ذات طابع اجتماعي، ومعتبرا أن ارتباطه الاقتصادي بالمدينة يمثل، من وجهة نظره، دليلا إضافيا على استمرار علاقته بتازة خارج المناصب الانتخابية.
ومع اقتراب موعد الانتخابات التشريعية، لم يكن ممكنا أن يخلو الحوار من الحديث عن المستقبل السياسي، المسعودي أكد أنه لا يعتبر نفسه خارج اللعبة السياسية، لكنه تجنب الدخول في تفاصيل ترتيب المرشحين، مفضلا الحديث عن موقع حزبه وتجربته السابقة وحضور مختلف الفاعلين في المشهد المحلي.
في المقابل، يدخل منير شنتير الاستحقاق المقبل حاملا حصيلة برلمانية يركز فيها على عدد من المشاريع التي يقول إنه ساهم في الترافع بشأنها، من بينها برنامج طرقي يقدر، وفق الحصيلة التي يقدمها، بنحو 195.8 كيلومترا وبكلفة تناهز 556.7 مليون درهم، فضلا عن مشاريع مرتبطة بالمدخل الغربي لمدينة تازة وعدد من المحاور الطرقية بالإقليم.
وهكذا، يبدو أن عودة المسعودي إلى الحديث العلني أعادت فتح دفتر المرحلة السابقة في تازة، لكنها في الوقت نفسه فتحت سؤالا أكبر يتجاوز الرجلين معا..من يملك حق احتساب المشروع؟ من يبرمجه، أم من يوفر تمويله، أم من يطلق أشغاله، أم من يوجد في موقع المسؤولية لحظة افتتاحه؟ سؤال يبدو تقنيا في ظاهره، لكنه يحمل في السياق الانتخابي الحالي أبعادا سياسية واضحة، خصوصا مع دخول مختلف الفاعلين في مرحلة تقديم الحصائل والدفاع عن مواقعهم أمام الناخبين.
وفي نهاية المطاف، ستظل الوثائق الرسمية ومحاضر دورات المجلس والاتفاقيات والصفقات ومراحل التنفيذ هي الفيصل في تحديد تاريخ كل مشروع ومساهمة مختلف المتدخلين فيه، بينما تبقى الملفات القضائية خاضعة لمساراتها أمام الجهات المختصة.
أما سياسيا، فإن عودة عبد الواحد المسعودي إلى الواجهة تؤكد أن مرحلة ما بعد شتنبر 2024 لم تطو صفحاتها بالكامل، وأن بعض أسئلتها ما تزال حاضرة بقوة في المشهد السياسي بتازة، عشية استحقاق انتخابي جديد قد يعيد ترتيب كثير من الأوراق.





