التحولات البنيوية في النظام الدولي واتجاهات إعادة توزيع القوة

بقلم: محمد عطيف أستاذ العلاقات الدولية بكلية العلوم القانونية والسياسية
لا يكفي لفهم ما يجري في النظام الدولي أن نحصي القوى الصاعدة والقوى المتراجعة. في الحقيقة، إن التغير الجاري لا يقتصر على من يملك القوة وبأي مقدار، بل يمتد إلى القواعد والآليات التي تُدار بها العلاقات بين الدول، وإلى المعايير التي تُقاس بها القوة أصلا. ولهذا فإن المرحلة الراهنة تستدعي قراءة بنيوية تنظر إلى تحولات الأدوات والمؤسسات والتحالفات، إلى جانب تحولات الأوزان النسبية.
بعد نهاية الحرب الباردة، ساد اعتقاد واسع بأن العالم دخل عهد الهيمنة الأمريكية، وهو ما عبّر عنه بعض المنظّرين بعبارة «اللحظة الأحادية القطبية». غير أن هذه اللحظة، كما تبيّن لاحقا، لم تكن وضعا دائما بقدر ما كانت طورا تاريخيا خضع لعوامل التآكل النسبي. فقد أسهم نمو الاقتصاد العالمي، وتوسع القدرات العسكرية والتكنولوجية لدى قوى أخرى، وتراكم الأزمات والنزاعات الدولية، في إعادة توزيع تدريجية لمصادر القوة والنفوذ. ومع ذلك، يجدر الحذر من الاستنتاج المتسرع، فالقول بأن العالم يتجه إلى التعددية القطبية يصف مسارا تاريخيا وسياسيا لم تستقر ملامحه النهائية، ولا يصف انتقالاً اكتملت أركانه من نظام أحادي القطبية إلى نظام متعدد الأقطاب.
أولا: من التفوق الشامل إلى بيئة أكثر تعقيدا
أول ما يلفت النظر في هذا التحول هو التبدل التدريجي في بنية القوة الدولية، بحيث أن الولايات المتحدة ما تزال تحتفظ بعناصر تفوق حقيقية، عسكريا واقتصاديا وتكنولوجيا، وتستند إلى شبكة من التحالفات والشراكات لا يملك منافسوها ما يعادلها في الاتساع. لكن امتلاك عناصر التفوق شيء، والقدرة على تحويلها إلى تأثير فعلي في مختلف الملفات شيء آخر. فقد صارت واشنطن تدير القضايا الدولية في بيئة أشد تعقيدا مما كانت عليه في العقد الذي تلا الحرب الباردة، بيئة تتعدد فيها الأطراف القادرة على تعطيل المبادرات أو تكييفها أو الالتفاف عليها.
وفي المقابل، وسّعت قوى أخرى قدراتها ومجالات حضورها، فأصبح القرار الدولي أكثر ارتهانا بتوازنات وتفاعلات تشارك فيها مراكز قوة أكثر عددا. وهذا هو مضمون الانتقال، بعبارة أدق، من قوة متمركزة حول قطب واحد إلى توزيع أكثر تنوعا لمصادر التأثير. وقد ذهب بعض الباحثين إلى وصف هذه الحال بـ«العالم اللاقطبي»، أي عالم تتوزع فيه القدرة على التأثير بين دول وتكتلات وفاعلين غير دولتيين من دون أن يتسيّده قطب أو أقطاب محددة. ولا حاجة إلى تبنّي هذا التوصيف كاملاً للإقرار بأنه ينبّه إلى نقطة جوهرية: القوة لم تعد تقاس بحجم الترسانة أو الناتج وحدهما، بل بالقدرة على التأثير في بيئة تتشابك فيها المصالح.
ثانيا: القوى الصاعدة وتعدد الفاعلين
تأتي الصين في مقدمة القوى التي غيّر صعودها ملامح النظام الدولي. فقد انتقلت في غضون عقود قليلة إلى مواقع متقدمة في الاقتصاد والتجارة والتكنولوجيا والقدرات العسكرية، وصارت حاضرة في كثير من القضايا الدولية، من التجارة والاستثمار إلى البنى التحتية والتمويل والتقنيات الناشئة.
أما روسيا، فقد حافظت على وزنها في معادلات القوة الاستراتيجية، وإن كان هذا الوزن يقوم على ركائز محددة لا على قاعدة اقتصادية واسعة. فهي تستند إلى قدراتها العسكرية والنووية، وإلى مكانتها في سوق الطاقة، وإلى مقعدها الدائم في مجلس الأمن الذي يمنحها حق النقض. وتعمل الهند بدورها على ترسيخ موقعها الدولي اعتمادا على حجم اقتصادها وكثافتها السكانية وقدراتها التكنولوجية والعسكرية، متبنّية سياسة خارجية تحرص على تعدد الخيارات وتتجنب الانحياز الكامل لأي معسكر.
ولا يقف الأمر عند هذه القوى. فثمة قوى متوسطة وإقليمية تسعى إلى توسيع هامش استقلالها الاستراتيجي، مستفيدة من تنافس الكبار ومن حاجتهم إلى شركاء. وبهذا لم يعد ممكنا اختزال النظام الدولي في علاقة بين قوتين أو ثلاث، فقد صار أكثر تركيبا بفعل تعدد الفاعلين وتفاوت قدراتهم واختلاف مصالحهم.
ثالثا: إعادة رسم التحالفات والشراكات
لا تنحصر إعادة التشكل في صعود القوى، فهي تطال أيضا شكل العلاقات بينها. فالمتأمل في سلوك عدد كبير من الدول اليوم يلاحظ ميلا واضحا إلى تنويع العلاقات الخارجية وبناء شراكات متعددة، بدلاً من الانخراط في تحالفات صلبة ودائمة على النمط الذي ساد في زمن الاستقطاب الثنائي.
ويتجلى هذا الاتجاه في تنامي أهمية أطر مثل مجموعة «بريكس» ومنظمة شنغهاي للتعاون، اللتين شهدتا توسعا في عضويتهما وفي مجالات اشتغالهما خلال السنوات الأخيرة، فضلا عن الشراكات الاقتصادية والاستراتيجية الثنائية ومتعددة الأطراف التي تنشأ خارج الأطر التقليدية. وليس من الدقة اعتبار هذه الأطر تكتلات متماسكة تنافس التحالفات الغربية على نحو مباشر، فأعضاؤها متباينو المصالح، وأحياناً متنافسون. غير أن دلالتها الأهم أنها تعبّر عن رغبة دول كثيرة في توسيع خياراتها الاستراتيجية، والإفادة من تعدد مراكز القوة، وتجنب الارتهان لعلاقة واحدة قد تتحول إلى قيد. ومن هنا تعد خريطة التحالفات المتغيرة مؤشرا مهما على إعادة ترتيب العلاقات الدولية.
رابعا: الاقتصاد والأمن القومي
يزداد العامل الاقتصادي وزنا في تفسير التحولات الجارية، حتى أصبحت القوة الاقتصادية من الركائز الأساسية للنفوذ السياسي والاستراتيجي. غير أن مضمون هذا العامل تغيّر. فالتنافس الدولي لم يعد يدور حول حجم الناتج المحلي وحده، بل حول التحكم في سلاسل القيمة والإمداد، والموارد الطبيعية، والطاقة، وأشباه الموصلات، والبنية التحتية الرقمية، وممرات التجارة الدولية.
وقد كشفت الأزمات المتلاحقة، من جائحة كورونا وما رافقها من اضطراب في سلاسل الإمداد، إلى الحرب في أوكرانيا وما ترتب عليها من صدمات في أسواق الطاقة والغذاء، إلى اضطراب الملاحة في البحر الأحمر، مدى ارتباط الاقتصاد بالأمن القومي. فبعد أن كانت الكفاءة وخفض الكلفة معيارين حاكمين في تنظيم التجارة العالمية، صارت الاعتبارات الأمنية تنازعهما هذه المكانة. وأصبحت الدول تنظر إلى بعض القطاعات الاقتصادية والتكنولوجية باعتبارها جزءا من سيادتها وأمنها الاستراتيجي، فتُحصّن سلاسلها الحيوية، وتنوّع مصادر التوريد، وتراقب الاستثمارات الأجنبية في القطاعات الحساسة.
وفي ضوء ذلك اكتسب مفهوم الاستقلال الاستراتيجي بُعدا اقتصاديا وتكنولوجيا، إلى جانب بُعديه السياسي والعسكري اللذين ارتبط بهما تقليديا.
خامسا: التكنولوجيا مصدرا جديدا للقوة
ضمن هذا السياق برزت التكنولوجيا كأحد أهم مصادر القوة في النظام الدولي الجديد. حيث أن الذكاء الاصطناعي، والحوسبة المتقدمة، والرقائق الإلكترونية، والفضاء، والأمن السيبراني، والبيانات الضخمة، كلها عناصر باتت تؤثر في قدرة الدول على المنافسة وفي موقعها داخل النظام.
وليس التفوق التكنولوجي اليوم مجرد أداة لتحسين الأداء الاقتصادي، فقد صار مكونا أساسيا من مكونات القوة الشاملة للدولة. فهو مرتبط بقدرتها على حماية بنيتها التحتية، وتأمين بياناتها، وتطوير قدراتها العسكرية، وتعزيز استقلالها في القطاعات الحيوية. ولعل أوضح دليل على ذلك ما شهدته السنوات الأخيرة من قيود على تصدير الرقائق المتقدمة ومعدات تصنيعها، وما رافقها من سباق لتأمين القدرات الصناعية في هذا المجال. فهذه الإجراءات لا تُفهم في إطار تجاري صرف، بل في إطار حسابات القوة والأمن.
وعلى هذا الأساس، فإن المنافسة على التكنولوجيا هي في جانب كبير منها منافسة على النفوذ الدولي، وعلى تحديد من سيضع المعايير والقواعد التي ستحكم النظام العالمي في العقود المقبلة.
سادسا: انعكاسات ذلك على التنافس العسكري
انعكس هذا التطور بصورة مباشرة على طبيعة التنافس العسكري والاستراتيجي. والملاحظ، أن سباق التسلح المعاصر لا يقتصر على تضخيم الترسانات التقليدية، بل يتجه نحو امتلاك قدرات نوعية في الصواريخ بعيدة المدى، والأنظمة غير المأهولة، والقدرات السيبرانية والفضائية، وأنظمة الاستشعار والاستطلاع، مع توظيف متزايد للذكاء الاصطناعي في المجال العسكري.
ويطرح ذلك إشكالات جديدة على الأمن الدولي، لأن وتيرة التطور التكنولوجي تتجاوز في بعض المجالات قدرة الأطر القانونية والمؤسساتية القائمة على اللحاق بها. كما يفتح إدماج الذكاء الاصطناعي في الميدان العسكري نقاشا متصاعدا، يجري في بعض جوانبه داخل الأطر الأممية المعنية بالأسلحة التقليدية، حول حدود التدخل البشري في الأنظمة الذاتية التشغيل، وحول المسؤولية القانونية والأخلاقية المترتبة على قراراتها. وهو نقاش لم تُحسم مسائله الأساسية بعد، في وقت تتقدم فيه التطبيقات العملية أسرع من التنظيم.
سابعا: المؤسسات الدولية بين الصعوبات والحاجة
من جهة أخرى، تكشف التحولات الراهنة عن صعوبات متزايدة في أداء بعض المؤسسات الدولية، خصوصاً حين تتصادم مصالح القوى الكبرى بصورة مباشرة. ويتضح ذلك في القضايا المعروضة على مجلس الأمن، إذ يمكن لتباين مواقف الدول دائمة العضوية واستعمال حق النقض أن يعطّلا التوصل إلى قرارات تحظى بتوافق القوى الرئيسية. وقد شهدت الأزمة الأوكرانية والحرب على غزة نماذج بيّنة لهذا الانسداد.
غير أن تقييم المؤسسات الدولية يقتضي قدرا من الدقة. لأن الصعوبات التي تواجهها لا تعني انتهاء دورها ولا زوال أهميتها. ثم إن هذه المؤسسات ليست جامدة تماما، فقد لجأت الجمعية العامة للأمم المتحدة، مثلا، إلى آليات مثل قرار «الاتحاد من أجل السلام» لمناقشة قضايا تعذر حسمها داخل المجلس. وما تكشفه هذه الصعوبات في العمق هو فجوة بين بنية الحوكمة الدولية، التي تشكلت في سياقات تاريخية سابقة، وبين التحولات التي طرأت على بنية القوة العالمية في العقود الأخيرة. فالمشكلة إذن في مدى ملاءمة الهياكل لواقع القوة الراهن أكثر منها في وجود المؤسسات ذاتها.
ثامنا: بين منطق التعددية ومنطق المنافسة
تتسم المرحلة الانتقالية الحالية بتوتر متزايد بين منطقين متعارضين. فالدول من جهة تحتاج إلى المؤسسات متعددة الأطراف لمعالجة قضايا تفوق طاقتها الفردية، مثل تغير المناخ، والأمن الغذائي، والطاقة، والهجرة، والأوبئة، والأمن السيبراني، وهي قضايا لا تعترف بالحدود ولا تحل بقرار منفرد. ومن جهة أخرى، تدفع المنافسة بين القوى الكبرى كثيرا من الدول إلى تقديم مصالحها الوطنية وحساباتها الاستراتيجية على غيرها.
والنتيجة تداخل بين التعاون والمنافسة داخل العلاقة الواحدة. فقد تتعاون الدول في ملف وتتنافس في آخر، وقد تجلس إلى طاولة واحدة لمعالجة أزمة مناخية بينما تتبادل القيود التجارية والتكنولوجية. وهذا ما يجعل العلاقات الدولية المعاصرة أكثر مرونة وتعقيدا من التصورات التقليدية القائمة على الفصل الحاد بين الحليف والخصم.
في ضوء ما سبق، لا ينبغي النظر إلى ما يشهده النظام الدولي على أنه انتقال آلي من الأحادية القطبية إلى تعدد الأقطاب. إنه عملية مستمرة لإعادة توزيع القوة وإعادة تعريف مصادر النفوذ. فالعالم يتجه نحو تعدد أكبر في مراكز القوة، لكن هذا التعدد لا ينهي التفوق النسبي لبعض القوى، كما أن صعود قوى جديدة لا يعني أن النظام سيدخل فوراً مرحلة مستقرة من التعددية القطبية.
ولذلك تبدو المرحلة الحالية أقرب إلى نظام دولي انتقالي، تتجاور فيه عناصر الاستمرارية والتغيير، وتتفاعل فيه القوة العسكرية مع القوة الاقتصادية والتكنولوجية، بينما تعيد الدول صياغة تحالفاتها وشراكاتها وفق مصالحها المتغيرة. وبالتالي ، إن أهم سمات هذه المرحلة أن القوة تعاد صياغة توزيعها قبل أن تكتمل قواعد النظام الجديد، وهو ما يترك السنوات المقبلة مفتوحة على احتمالات متعددة بشأن شكل التوازنات الدولية وطبيعة الحوكمة العالمية.





