المشهد السياسي المغربي بعد الانتخابات.. خريطة التحالفات المرتقبة وتوازنات البرلمان الجديد

زكرياء الروضي
طوت المملكة المغربية صفحة استحقاق انتخابي بارز أفرز خريطة سياسية جديدة تعيد رسم التوازنات داخل قبة البرلمان وفي ممرات المشاورات الحكومية.
وبعد انقضاء الحملات الانتخابية وإعلان النتائج، يتجه اهتمام المتابعين والرأي العام نحو أسئلة مرحلة ما بعد الصناديق، خصوصا ما يتعلق بطبيعة الحكومة المقبلة وملامح المشهد السياسي في ظل تشكل معارضة برلمانية ذات وزن وحضور واضحين.
إن القراءة المتأنية لمخرجات الاقتراع تشير إلى أن المشهد السياسي المقبل سيعرف دينامية رقابية وسياسية جديدة أملتها نتائج الاقتراع التي حملت في طياتها رسائل تعكس تطلعات الشارع المغربي وتوجهاته نحو الأداء الحكومي والنيابي.
إعادة تشكيل المعارضة.. حضور للعدالة والتنمية واستمرار التيار اليساري
لعل أبرز ما حملته هذه الاستحقاقات هو إعادة تشكيل جبهة المعارضة البرلمانية بملامح أكثر قوة وتنوعا. فقد تمكن حزب العدالة والتنمية من تحقيق عودة لافتة بحصوله على 54 مقعدا، متجاوزا التراجع الذي شهده في انتخابات عام 2021 عندما توقف عند 13 مقعدا، وهو ما يعيد للواجهة كتلته البرلمانية ذات الخبرة في العمل الرقابي والتشريعي.
بالتوازي مع ذلك، جاءت النتائج الانتخابية لتحالف اليسار وباقي القوى التقدمية لتمكن التيار الحداثي من تثبيت موقع رقابي متقدم تحت قبة البرلمان.
هذا التنوع في التوجهات داخل المعارضة سيمنحها خيارات متعددة في المساءلة التشريعية، خصوصا بعد الإعلان المبكر لحزب العدالة والتنمية عن تموقعه في المعارضة ورفضه المشاركة في أي ائتلاف تقوده قيادة جديدة. وعليه، ينتظر أن تشهد الجلسات الأسبوعية لمساءلة الحكومة نقاشات حامية حول ملفات القدرة الشرائية والتشغيل وإصلاح قطاعات الخدمات الأساسية.
معادلة الأغلبية الحكومية.. بين التحالف الثلاثي وخيارات الانفتاح
على مستوى التشكيل الحكومي المرتقب، أسفرت نتائج الانتخابات عن تصدر حزب الأصالة والمعاصرة 97 مقعدا، يليه التجمع الوطني للأحرار 66 مقعدا، ثم حزب الاستقلال 65 مقعدا.
وتضع هذه الخريطة الرقمية أحزاب الصدارة أمام معادلة حاسمة لتحقيق النصاب المطلق المحدد في 198 مقعدا من أصل 395 مقعدا في مجلس النواب.
وفي الوقت الذي يعد فيه استمرار التحالف بين حزب الأصالة والمعاصرة والتجمع الوطني للأحرار وحزب الاستقلال الخيار الأكثر واقعية لتحقيق غالبية مريحة تصل إلى نحو 228 مقعدا، تنشط في الكواليس نقاشات حول إمكانية توسيع قاعدة الأغلبية. فقد يلجأ الحزب المتصدر إلى إدخال أحزاب وسطية أو يسارية لضمان حزام سياسي أوسع للحكومة وتفادي التعثرات في توزيع المسؤوليات، وهو ما قد يفرز ترتيبات جديدة خلال مفاوضات التشكيل.
الرهانات التنموية وتحدي الانسجام الحكومي
إن تغير ترتيب الأحزاب داخل الأغلبية يستدعي رؤية توافقية جديدة لتوزيع القطاعات الوزارية والملفات التنموية. وسيكون التماسك السياسي بين مكونات التحالف تحت الاختبار خلال مرحلة صياغة البرنامج الحكومي وتحديد الأولويات الوطنية.
كما أن الحكومة المقبلة ستجد نفسها منذ بداية ولايتها أمام تحديات اقتصادية واجتماعية ملحة، تشمل الحد من آثار التضخم، وخلق فرص الشغل، ومواصلة تنزيل ورش الحماية الاجتماعية، وهو ما يتطلب انسجاما تنفيديا وتواصلا مستمرا لمواجهة الخطاب النقدي المتوقع من معارضة متحفزة داخل المؤسسة التشريعية.
آفاق العمل السياسي.. مرحلة التوازنات البرلمانية الجديدة
تؤكد مخرجات هذه الاستحقاقات أن المشهد السياسي المغربي يتجه نحو مرحلة تقوم على التوازنات الدقيقة. فأمام أغلبية برلمانية تقودها قيادة جديدة وتضم مكونات ذات ثقل انتخابي، تتشكل معارضة برلمانية قادرة على أداء دور رقابي أكثر فاعلية والتأثير في النقاش العمومي.
إن نجاح التجربة القادمة يبقى مرهونا بمدى قدرة الحكومة على تحويل الأغلبية البرلمانية إلى قرارات تنموية ملموسة، ومدى ممارسة المعارضة لدورها الدستوري في التقييم والمساءلة الموضوعية، بما يخدم المصالح الوطنية ويعزز الاستقرار المؤسساتي.





