القاسم الانتخابي والعتبة .. هندسة في توزيع المقاعد والحد من الهيمنة السياسية والبلقة الحزبية

بشرى عطوشي/ إعلام تيفي

تحليل _ صاحبت نتائج فرز الأصوات عقب اقتراع 23 شتنبر 2026، كثيرا من اللغط حول العتبة والقاسم الانتخابي، وتذرع البعض بهذين الآليتين في إقصاء بعض مرشحيه، وفوز البعض الآخر، وكان حزب العدالة والتنمية قد اعتبر أن اعتماد القاسم الانتخابي على أساس المسجلين وحذف العتبة شكلا “عطباً بنيوياً” حرمه من تصدر الانتخابات التشريعية التي جرت في 23 شتنبر 2026.

واعتبر الحزب في بيان لمجلسه الوطني عقب انتخابات 23 شتنبر 2026 أن القاسم الانتخابي الحالي أثر بشكل مباشر على النتائج المعلنة في عدد من الدوائر، وشدد على أن إلغاء العتبة واحتساب القاسم على أساس المسجلين وليس الأصوات الصحيحة أدى إلى تشتيت المقاعد وحرمه من الفوز بالمرتبة الأولى.

هندسة توزيع المقاعد النيابية والحد من الهيمنة السياسية والبلقنة الحزبية

من هذا المنطلق، لا بد من الوقوف على أن المنظومة الانتخابية في المغرب تشكل إحدى أهم الآليات التي تحكم شكل المشهد السياسي وتوازنات البرلمان والجماعات الترابية.

وتعتبر “العتبة” و”القاسم الانتخابي” من الأدوات التقنية الحاسمة التي تعتمد عليها هندسة توزيع المقاعد النيابية، لما لهما من أثر مباشر في الحد من الهيمنة السياسية أو بلقنة الخريطة الحزبية.

تُشكل الآليات الانتخابية في المغرب إحدى أهم الركائز التي تُصاغ من خلالها الخريطة السياسية وشكل المشهد البرلماني والحكومي.
ومن بين أبرز هذه الآليات التي أثارت نقاشاً قانونياً وسياسياً واسعاً في السنوات الأخيرة، نجد القاسم الانتخابي والعتبة الانتخابية، وهما أداة احتساب المقاعد وحاجز التأهل الذي يحدد القوة التمثيلية للأحزاب.

ما هو القاسم الانتخابي؟

القاسم الانتخابي هو المعيار الحسابي الذي يُقسم عليه عدد الأصوات في دائرة انتخابية معينة للحصول على العتبة المحددة وتوزيع المقاعد على اللوائح المتنافسة.

النظام التقليدي الذي كان (قبل 2021)، كان يُحسب القاسم الانتخابي على أساس مجموع الأصوات الصحيحة (المُعبر عنها) في الدائرة.

التعديل الجديد (ابتداءً من انتخابات 2021)، انتقل إلى احتساب القاسم الانتخابي على أساس مجموع المسجلين في اللوائح الانتخابية في الدائرة، بغض النظر عن نسبة المشاركة أو الأصوات الملغاة.

الدور الذي لعبه القاسم الانتخابي

أدى احتساب القاسم على أساس المسجلين إلى كبر حجم “المعدل” المطلوب لنيل المقعد الأول، مما جعل الحصول على أكثر من مقعد واحد في نفس الدائرة أمراً حاسماً وصعباً للغاية حتى بالنسبة للأحزاب الكبرى.

ساهم هذا النظام في الحد من هيمنة حزب رئيسي واحد على أغلبية مقاعد البرلمان، وتوزيع المقاعد بشكل أكثر توافقاً بين مجموعة أوسع من الأحزاب السياسية.

و أتاح القاسم الانتخابي الفرصة للأحزاب المتوسطة والصغرى لدخول البرلمان والمشاركة في المشهد التشريعي.

ما هي العتبة الانتخابية؟

العتبة الانتخابية هي الحد الأدنى من نسبة الأصوات التي يجب على اللائحة الانتخابية الحصول عليها لتُقبل في عملية توزيع المقاعد.

في الانتخابات السابقة، كانت العتبة تستقر عند 6 في المائة في الانتخابات التشريعية، وثم خُفضت إلى 3 في المائة قبل تعديلات 2021.

مع اعتماد احتساب القاسم الانتخابي على أساس المسجلين، تم إلغاء العتبة الانتخابية عملياً في توزيع المقاعد بموجب التعديلات القانونية الأخيرة، حيث أصبحت العملية لا تتطلب حداً أدنى من النسبة المئوية للأصوات الصحيحة للتدخل في الحساب.

الأثر المترتب على هذا التغيير

أتاح هذا التغيير إمكانية مشاركة كل اللوائح المتنافسة في عملية الحساب الحسابي المباشر، دون استبعاد أي حزب حصل على عدد من الأصوات مهما كان ضئيلاً، وساعد الأحزاب الحديثة أو الناشئة على التنافس بفرص أعدل في الدوائر الانتخابية الصغرى والكبرى على حد سواء.

وبذلك أحدث التفاعل بين القاسم الانتخابي والعتبة تحولاً جذرياً في بيئة الانتخابات المغربية، يرى بعض المنتقدين لهذا التغيير أن النظام القائم يكرس بلقنة المشهد السياسي وتشتيت أصول المقاعد داخل البرلمان، مما يُصعّب تشكيل أغلبية حكومية منسجمة ويفرض التوجه نحو تحالفات متعددة الأطراف.

في المقابل، يعتبر المؤيدون أن اعتماد القاسم على أساس المسجلين يراعي الحجم الفعلي للكتلة الناخبة كاملة، ويحمي العملية الديمقراطية من هيمنة قطب أحادي نتيجة تدني نسبة المشاركة في بعض الدوائر.

ساهم هذا المنظور في فرض صياغة جديدة للتحالفات الحكومية والبرلمانية القائمة على التوافق والتشارك بدلاً من الأغلبية المريحة لحزب واحد.

وبهذا كله، يُعتبر كل من القاسم الانتخابي والعتبة أداتين هندسيتين لا تقتصران على الجانب التقني الحسابي فحسب، بل تمتد آثارهما لتشكيل التوازنات السياسية وإدارة التعددية الحزبية في المغرب. وبين رهان تحقيق التمثيلية الشاملة لجميع الطيف السياسي ورهان تشكيل حكومات قوية ومستقرة، يستمر النقاش حول الصيغة الأمثل التي توازن بين النجاعة السياسية والعدالة الانتخابية.

التعدد الفعلي داخل الهيئة الناخبة وتمثيل مختلف التعبيرات السياسية

فبدلا من إطلاق الأحكام وانتقاد القاسم الانتخابي والعتبة الانتخابية، ينبغي وضع النتائج الفعلية في مواجهة النتائج الافتراضية التي كانت ستفرزها قاعدة حسابية أخرى، مع تطبيق القاعدة نفسها على الأصوات نفسها.

فلا توجد قاعدة دستورية أو منطق انتخابي عام يجعل من تقليص عدد القوى السياسية الممثلة مرادفا حتميا لتعزيز قوة المؤسسة، كما لا يوجد ما يبرر اعتبار توسيع قاعدة التمثيل، في حد ذاته، سببا آليا في إضعافها.

المؤسسة المنتخبة لا تستمد مشروعيتها من كونها أكثر تجميعا للأصوات في عدد محدود من القوى فحسب، وإنما تستمدها أيضا من قدرتها على عكس التعدد الفعلي داخل الهيئة الناخبة وتمثيل مختلف التعبيرات السياسية في إطار المؤسسات الدستورية،

ومن هذا المنطلق تؤكد المعطيات المتاحة أن القاسم الانتخابي عمل على ثبات ترتيب القوى السياسية من جهة، واتساع دائرة التمثيل من جهة أخرى.

فهل تقاس قوة المؤسسة المنتخبة فقط بمدى تركيزها، أم كذلك بقدرتها على استيعاب التنوع السياسي الذي أفرزته صناديق الاقتراع؟

إن تحويل خلاف سياسي حول تقنية احتساب المقاعد إلى حكم قطعي بأن الإرادة الشعبية قد شوهت، من دون تقديم برهان أو سند قانوني يثبت ذلك، ليس نقدا للنظام الانتخابي بقدر ما هو مصادرة على المطلوب.

كما أن محاولة الاستناد إلى اختلاف مواقف الفاعلين الحزبيين لإثبات وجود خلل في النظام الانتخابي تمثل قلبا لمنهج الاستدلال، فموقف الفاعل السياسي من القاعدة الانتخابية يثبت وجود خلاف سياسي حول القاعدة، لكنه لا يثبت عدم مشروعيتها ولا يثبت أنها تشوه الإرادة الشعبية،

نتائج انتخابات 2026 التشريعية..أثر واضح على توزيع المقاعد واتساع قاعدة التمثيل 

بمحاكاة تطبيق قواعد احتساب سنة 2016 على الأصوات المعبر عنها في اقتراع 2026 فإن حزب الأصالة والمعاصرة كان سيحافظ على المرتبة الأولى، مع فارق يتمثل في حصوله على عشرة مقاعد إضافية، أي 107 مقاعد بدل 97 مقعدا.

المحاكاة نفسها تبين أن تحالف اليسار كان سيحصل، وفق قواعد الاحتساب السابقة، على مقعدين فقط، مقابل ثمانية مقاعد وفق القاسم الانتخابي المعتمد حاليا، وهنا تسقط، من الناحية الواقعية، إحدى أهم مرتكزات الخطاب القائل بأن القاسم الانتخابي “شوه” الإرادة الشعبية.

إن الحديث عن “تشويه” الإرادة الشعبية يغفل أن جزءا من الأثر الفعلي للقاسم يتمثل في استيعاب أصوات وتيارات كانت ستظل ممثلة تمثيلا أضعف في ظل القواعد السابقة، فالمحاكاة لا تكشف انقلابا في ترتيب القوى السياسية، وإنما تكشف أثرا واضحا على توزيع المقاعد وعلى اتساع قاعدة التمثيل.

إذا كانت العتبة تؤدي إلى استبعاد أصوات حصلت عليها لوائح أو تيارات سياسية من عملية توزيع المقاعد، فإن السؤال الموضوعي لا يمكن أن ينحصر في مدى تقليص عدد القوى الممثلة، وإنما ينبغي أن يمتد إلى مدى محافظة النظام على التوازن بين فعالية المؤسسة واتساع دائرة التمثيل.

يتعين التمييز بين تعددية النتائج وتشتت المؤسسة. فليس كل تعدد تشتتا، كما أن كل تقليص لعدد القوى الممثلة لا يعني بالضرورة مزيدا من الفعالية المؤسساتية،

التعددية، متى ظلت محكومة بالقواعد الدستورية والتنظيمية، يمكن أن تكون تعبيرا عن تعدد الإرادات السياسية داخل المجتمع، وهو ما ينسجم مع ما أكدته المحكمة الدستورية بشأن ضرورة وجود نظام انتخابي مكرس للتعددية الحزبية وداعم للتناوب الديمقراطي،

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى