97 أم 107؟ القاسم الانتخابي يغيّر المقاعد ولا يقلب الصدارو

إعلام تيفي

خبر_القاسم الانتخابي ليس أصواتا تضاف إلى حزب أو تُنتزع من آخر، بل هو قاعدة حسابية تُستخدم بعد انتهاء التصويت وفرز الأصوات وإحصائها، لتحديد الكيفية التي تتحول بها أصوات الناخبين إلى مقاعد داخل المؤسسة المنتخبة. أما العتبة الانتخابية، فهي النسبة الدنيا من الأصوات التي يتعين على اللائحة بلوغها حتى تدخل عملية توزيع المقاعد. وبذلك، يتعلق الأمر بآليتين تؤثران أساساً في ترجمة نتائج الصندوق إلى تمثيل سياسي، لا في الأصوات التي عبّر بها الناخبون عن اختياراتهم.

بمعنى أوضح، القاسم الانتخابي لا يغيّر الورقة التي وضعها الناخب في الصندوق ولا عدد الأصوات التي حصل عليها كل حزب، لكنه يستطيع أن يغيّر النتيجة النهائية عند تحويل تلك الأصوات إلى مقاعد. ولهذا فإن تغيير طريقة الحساب قد يمنح حزبا مقاعد أكثر، أو يقلص تمثيل حزب آخر، رغم أن عدد الأصوات يبقى نفسه.

وهنا تظهر أهمية الأرقام.

فمحاكاة تطبيق قواعد احتساب سنة 2016 على الأصوات المعبر عنها في انتخابات 2026 أظهرت أن حزب الأصالة والمعاصرة كان سيظل في المرتبة الأولى، لكن رصيده كان سيرتفع من 97 إلى 107 مقاعد، أي بعشرة مقاعد إضافية.

وفي الجهة المقابلة، كان تحالف اليسار سيحصل، وفق القواعد السابقة، على مقعدين فقط بدل ثمانية مقاعد التي حصل عليها وفق القاسم الانتخابي المعتمد.

هذه الأرقام توضح المسألة أكثر من النقاش النظري: تغيير قاعدة الحساب لم يكن سيغيّر ترتيب القوة المتصدرة، لكنه كان سيغيّر بشكل واضح حجم تمثيل الأحزاب داخل البرلمان. فالأصالة والمعاصرة كان سيحصل على مقاعد أكثر، بينما كان تمثيل تحالف اليسار سيتراجع من ثمانية مقاعد إلى مقعدين.

وهذا بالضبط هو جوهر الجدل حول القاسم الانتخابي. فالسؤال ليس فقط: من حصل على أكبر عدد من الأصوات؟ بل أيضاً: كيف تتحول هذه الأصوات إلى مقاعد؟ وهل الأفضل تركيز المقاعد أكثر لدى القوى التي حصلت على أصوات أكبر، أم توسيع دائرة التمثيل لتشمل قوى سياسية أكثر؟

المحكمة الدستورية سبق أن حسمت الجانب القانوني من هذا النقاش في قرارها الصادر سنة 2021، عندما أكدت أن توزيع المقاعد عملية تأتي بعد التصويت وفرز الأصوات وإحصائها، وأن طريقة احتساب القاسم الانتخابي تدخل ضمن السلطة التقديرية للمشرّع. كما اعتبرت أن الدستور لا يفرض طريقة حساب محددة بعينها، شريطة احترام حرية ونزاهة وشفافية الانتخابات.

وتزداد الصورة وضوحاً عند الحديث عن العتبة الانتخابية. فالعتبة تعني عملياً أن اللائحة التي لا تصل إلى نسبة محددة من الأصوات لا تشارك في توزيع المقاعد. ولذلك، فإن رفع العتبة قد يقلل عدد القوى الممثلة، لكنه يعني أيضاً أن جزءاً من الأصوات لن ينعكس على توزيع المقاعد.

من هنا يظهر خلاف آخر: هل البرلمان الأقوى هو البرلمان الذي تتوزع مقاعده بين عدد محدود من الأحزاب، أم الذي يعكس بشكل أوسع تعدد الاختيارات التي عبّر عنها الناخبون؟

فالـتعددية لا تعني بالضرورة التشتت، مثلما أن تقليص عدد الأحزاب داخل المؤسسة المنتخبة لا يؤدي تلقائياً إلى جعلها أكثر فعالية. والمحكمة الدستورية نفسها ربطت النظام الانتخابي بتكريس التعددية الحزبية ودعم التناوب الديمقراطي .

في النهاية، يظل النقاش الحقيقي مرتبطا بمدى قدرة النظام الانتخابي على تحويل أصوات الناخبين إلى تمثيل سياسي يعكس الاختيارات المعبر عنها، ويحافظ في الوقت نفسه على فعالية المؤسسة المنتخبة. فطريقة احتساب المقاعد ليست تفصيلاً تقنياً معزولاً، بل عنصر أساسي في رسم الخريطة السياسية التي تخرج من صناديق الاقتراع.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى