نجعلها خماسية وطنية لاستعادة المبادرة… نحو مغرب يسير بسرعة واحدة

✍️ ذ. المعاشي محمد
تدخل بلادنا، بعد الانتخابات التشريعية ليوم 23 شتنبر 2026، مرحلة سياسية ومؤسساتية جديدة، ومن أبرز محطاتها تعيين السيدة فاطمة الزهراء المنصوري، يوم 29 شتنبر، رئيسة للحكومة وتكليفها بتشكيل الحكومة الجديدة، بمقتضى الفصل 47 من الدستور. وهي بذلك أول امرأة تتولى رئاسة الحكومة في تاريخ المغرب.
غير أن أهمية اللحظة، في تقديري، لا ينبغي أن تتوقف عند كون امرأة تتولى لأول مرة قيادة الحكومة، نظرا على ما يحمله ذلك من دلالة تاريخية ورمزية.
فالسؤال الأهم هو: ماذا يمكن أن نصنع جميعا من السنوات الخمس المقبلة؟ وهل يمكن أن نجعل من الولاية التشريعية والحكومية الجديدة فرصة لاستعادة المبادرة؛ مبادرة الدولة والمجتمع، ومبادرة الإدارة والمؤسسات، ومبادرة الأحزاب والنقابات والمجتمع المدني، والأهم من ذلك استعادة الثقة في قيمة العمل والمسؤولية والأخلاق وخدمة الصالح العام؟
قد نختلف في تسمية المرحلة: مرحلة إصلاح، أو استدراك، أو تصحيح، أو حتى إنقاذ بالمعنى الإيجابي للكلمة. لكن الأهم ألا تكون السنوات الخمس المقبلة مجرد ولاية أخرى تمر بما لها وما عليها، ثم نلتقي عند نهايتها لنطرح الأسئلة نفسها.
فالسنوات الخمس للولاية التشريعية ليست زمن الحكومة وحدها.
هي أيضا زمن البرلمان، أغلبية ومعارضة.
وزمن الأحزاب السياسية، سواء كانت في الحكومة أو خارجها.
وزمن النقابات، بما عليها من مسؤولية في الدفاع عن الأجراء والإسهام في بناء التوازن والسلم الاجتماعي.
وزمن المجتمع المدني، الذي لا ينبغي أن يكتفي بمتابعة السياسات العمومية من الخارج.
وزمن الإدارة، لأنها الواجهة التي يلتقي عندها المواطن يوميا بالدولة.
بل هي زمننا جميعا كمواطنين.
ومن هذه الزاوية، يمكن أن يحمل وصول امرأة لأول مرة إلى رئاسة الحكومة رمزية تستحق التوقف عندها.
فالمرأة في الوجدان المغربي ترتبط بالعطاء والصبر وتحمل المسؤولية والمحافظة على تماسك الأسرة، كما تحتل الأم في ثقافتنا الدينية والاجتماعية مكانة بالغة الاعتبار.
لكن المقصود هنا ليس اختزال المرأة في الأمومة، ولا اعتبار الأخلاق صفة حصرية للنساء؛ فالمسؤولية السياسية، في النهاية، تقاس بالعمل والنتائج وربط المسؤولية بالمحاسبة.
إنما يمكن أن نستثمر رمزية هذا الحدث لكي نعيد طرح سؤال افتقدناه كثيرا في النقاش العام والذي هو:
أين مكان الأخلاق في السياسة؟ وأين مكان القيم في الإدارة؟ وأين مكان المصلحة العامة عندما تتعارض مع المصالح الشخصية والحزبية والفئوية؟
فإذا أردنا فعلا أن تكون السنوات الخمس المقبلة مختلفة، فلا يكفي تغيير الأشخاص، ولا تشكيل أغلبية جديدة، ولا توزيع الحقائب الوزارية.
نحتاج أيضا إلى شيء ربما يكون أصعب، وهو أن نتنازل جميعا عن جزء من «الأنا«.
أن تتجاوز الأحزاب بعض حساباتها الخاصة عندما تقتضي المصلحة الوطنية ذلك.
وأن تتجاوز الأغلبية منطق الدفاع عن كل شيء لمجرد أنه صادر عن الحكومة.
وأن تتجاوز المعارضة منطق رفض كل شيء لمجرد أنها في المعارضة.
وأن تعزز النقابات وظيفتها التأطيرية والاجتماعية، إلى جانب دفاعها المشروع عن المطالب.
وأن ينتقل المجتمع المدني من موقع المتفرج أو المحتج فقط إلى قوة للاقتراح والمواكبة والمساءلة.
وأن تتذكر الإدارة أن المواطن ليس ملفا أو رقما، وإنما إنسان يقصدها من أجل خدمة هي، في الأصل، حق من حقوقه.
لماذا يبدو هذا الاستدراك ضروريا؟
لأن بعض المؤشرات نفسها تدعونا إلى التفكير.
ففي الانتخابات التشريعية الأخيرة بلغ معدل المشاركة على المستوى الوطني 38,02 في المائة. والرقم، في حد ذاته، يحتاج إلى قراءة هادئة لأسباب المشاركة وعدم المشاركة، بعيدا عن التفسيرات الجاهزة، لكنه يظل معطى يستحق أن تتوقف عنده الأحزاب والمؤسسات ومختلف الفاعلين في الحياة العامة.
وقبل ذلك بعام، كان خطاب العرش لسنة 2025 قد وضع أمامنا تشخيصا بالغ الدلالة.
فبعد الإشارة إلى ما حققه المغرب من تقدم، ومنه تراجع الفقر متعدد الأبعاد على الصعيد الوطني من 11,9 في المائة سنة 2014 إلى 6,8 في المائة سنة 2024، توقف الخطاب عند استمرار مظاهر الفقر والهشاشة في بعض المناطق، ولاسيما في العالم القروي، بسبب النقص في البنيات التحتية والمرافق الأساسية.
ثم جاءت العبارة التي ينبغي، في تقديري، ألا تمر دون أن نستخلص منها ما تستحقه من دروس:
»فلا مكان اليوم ولا غدا، لمغرب يسير بسرعتين«.
هذه العبارة تختزل الكثير، فما معنى المغرب الذي يسير بسرعتين؟
إنه، كما يبين سياق الخطاب، مغرب حققت فيه مناطق وفئات تقدما ملموسا، بينما تظل مناطق وفئات أخرى تواجه الخصاص والهشاشة وصعوبة الولوج إلى بعض الخدمات الأساسية.
ولهذا لم يتوقف الخطاب عند التشخيص، وإنما أكد أن الوقت قد حان لإحداث »نقلة حقيقية «في التأهيل الشامل للمجالات الترابية وتدارك الفوارق الاجتماعية والمجالية.
وهنا بالضبط يمكن أن نجد أحد العناوين الكبرى للسنوات الخمس المقبلة:
كيف نجعل المغرب يسير بسرعة واحدة؟
ليس المقصود أن تتساوى أوضاع جميع المواطنين والجهات بشكل كامل، فهذا أمر يصعب تحقيقه في أي مجتمع، وإنما أن نقلص الفوارق إلى الحد الذي لا يصبح معه مكان ولادة المواطن، أو وضعه الاجتماعي، أو المجال الترابي الذي يعيش فيه، عاملا يحدد مسبقا فرصه في الحياة.
فالمواطن، أينما كان، ينبغي أن يجد حدا منصفا من فرص التعليم الجيد، والعلاج اللائق، والشغل، والبنيات الأساسية، والخدمات العمومية التي تحفظ كرامته.
وبهذا المعنى، فإن تجاوز «المغرب بسرعتين» لا يعني توحيد أوضاع الجميع، وإنما تقليص الفوارق الاجتماعية والمجالية، وضمان قدر أكبر من تكافؤ الفرص والإنصاف في الولوج إلى الحقوق والخدمات، حتى لا يصبح الانتماء إلى منطقة معينة أو وسط اجتماعي معين سببا في التهميش أو الإقصاء من ثمار التنمية.
إنها مسؤولية الحكومة الجديدة، بالتأكيد.
لكنها ليست مسؤوليتها وحدها.
فالبرلمان مسؤول عن التشريع ومراقبة عمل الحكومة وتقييم السياسات العمومية، وهي وظائف يحددها الفصل 70 من الدستور.
والأحزاب مسؤولة عن تكوين النخب وتأطير المواطنين وإعادة الاعتبار للعمل السياسي.
والنقابات مسؤولة عن تأطير عالم الشغل والمساهمة في التوازن الاجتماعي.
والمجتمع المدني مسؤول، من موقعه، عن القرب من المواطن والاقتراح والتنبيه والمواكبة.
والإدارة مسؤولة عن ترجمة السياسات والقوانين إلى خدمات ملموسة يشعر بها المواطن في حياته اليومية.
وهنا قد نجد المعنى الأعمق للحظة الحالية.
فتعيين أول امرأة على رأس الحكومة حدث تاريخي في حد ذاته، ولكنه سيكتسب معنى أكبر إذا تحول، إلى جانب ما يمثله دستوريا وسياسيا، إلى مناسبة جماعية لإعادة الاعتبار إلى قيم المسؤولية والتواضع والإنصات وخدمة الآخر.
لا باعتبارها صفات نسائية أو رجالية، وإنما باعتبارها قيما يحتاج إليها تدبير الشأن العام.
فالبلاد لا تحتاج في السنوات الخمس المقبلة إلى حكومة تحقق النتائج وحدها، بل تحتاج أيضا إلى برلمان يقوم بأدواره، وأحزاب تجدد نفسها، وأغلبية تتحمل مسؤوليتها، ومعارضة تمارس أدوارها الرقابية والاقتراحية، ونقابات فاعلة، ومجتمع مدني يقظ، وإدارة قريبة من المواطن، ومواطن يؤمن بأن مشاركته يمكن أن تحدث فرقا.
ربما تكون هذه هي الوقفة التي نحتاج إليها:
خمس سنوات نستعيد فيها المبادرة.
مبادرة الدولة في مواجهة الفوارق.
ومبادرة المجتمع في الدفاع عن قيمه.
ومبادرة السياسة في استعادة الثقة.
ومبادرة الإدارة في استعادة معنى الخدمة العمومية.
ومبادرة الأخلاق لكي تعود جزءا من مفهوم المسؤولية، لا مجرد كلام يقال عند المناسبات.
فالمغرب الذي لا يريد أن يسير بسرعتين يحتاج، قبل كل شيء، إلى أن يتحرك مختلف فاعليه في الاتجاه نفسه، كل من موقعه واختصاصه، مع اختلافهم المشروع في البرامج والتصورات.
لقد انتهت الانتخابات، وبدأت مرحلة جديدة.لكن الامتحان الحقيقي لن يكون في الأسماء وحدها، ولا في هندسة الأغلبية، ولا في توزيع الحقائب، بل فيما سنصنعه جميعا خلال السنوات الخمس المقبلة.
فلنجعلها خماسية وطنية نستعيد فيها المبادرة والثقة والقيم؛ خماسية تتسع للحكومة والبرلمان، للأغلبية والمعارضة، للأحزاب والنقابات، للمجتمع المدني والإدارة والمواطنين.
ولنتقدم، كل من موقعه، خطوة إلى الأمام، متنازلين قليلا عن «الأنا» حتى يتسع مجال «نحن»، ومتعاونين على تقليص الفوارق، واستعادة معنى المسؤولية وخدمة الصالح العام.
عندها لن يبقى «المغرب بسرعتين» مجرد تشخيص نردده من مرحلة إلى أخرى، بل سيصبح تحديا مشتركا نواجهه بإرادة وعمل متواصلين، نحو مغرب يسير بسرعة واحدة، يجد فيه كل مواطن نصيبه العادل من الفرص والكرامة وثمار التنمية.
وما ذلك، بعد توفيق الله، على المغاربة بعزيز.





