الأغلبية المستقبلية.. ما مدى واقعية سيناريو “الأصالة والمعاصرة” و”الكتلة”؟

بشرى عطوشي 

خبر_ برز سيناريو تشكيل أغلبية حكومية تجمع حزب الأصالة والمعاصرة (PAM) والمكونات التاريخية الثلاثة لـ “الكتلة” (حزب الاستقلال، والاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، وحزب التقدم والاشتراكية)، خلال المشاورات الرامية لتشكيل الحكومة المقبلة.

وتمتلك هذه الأحزاب الثلاثة مجتمعة 110 مقاعد برلمانية، مقابل 97 مقعداً لحزب الأصالة والمعاصرة. غير أن الحسابات الرقمية وحدها لا تكفي لإحياء تكتل سياسي؛ فبعد مرور أكثر من ثلاثة عقود على تأسيس “الكتلة الديمقراطية”، ما الذي تبقى من ثقافة التحالف تلك؟ وما الذي يمكن أن تقدمه لأغلبية يقودها -هذه المرة- حزبٌ من خارج تاريخها السياسي؟

هل يمكن لـ “الكتلة” أن تعود إلى الواجهة الحكومية؟ كان هذا السؤال ليبدو نظرياً إلى حد كبير قبل بضعة أسابيع فقط، لكنه لم يعد كذلك منذ أن أفرزت مشاورات تشكيل الحكومة المقبلة فرضية قيام أغلبية تجمع حزب الأصالة والمعاصرة بأحزاب الاستقلال والاتحاد الاشتراكي والتقدم والاشتراكية. ومع ذلك، لم يتم الحسم في أي شيء بشكل رسمي بعد.

ففي يوم السبت الماضي، فوّض المجلس الوطني لحزب الأصالة والمعاصرة فاطمة الزهراء المنصوري مواصلة المفاوضات، دون الإعلان عن تشكيلة الأغلبية المرتقبة أو استبعاد أي حزب بشكل قاطع.

غير أن خيار تجميع الأحزاب التاريخية الثلاثة لـ “الكتلة” حول حزب الأصالة والمعاصرة بات مطروحاً من قبل عدة مصادر مطلعة على سير المفاوضات.

ومجرد طرح هذا السيناريو يعيد تسليط الضوء على كيان سياسي كان يُعتقد أنه بات جزءاً من تاريخ التحولات السياسية الكبرى في المغرب؛ إذ تظل هناك ذاكرة مشتركة تتجاوز مجرد التسميات الحزبية، فقد شكلت أحزاب الاستقلال والاتحاد الاشتراكي والتقدم والاشتراكية لفترة طويلة جوهر “الكتلة الديمقراطية”.

وبالطبع، فإن اجتماعها مجدداً في أغلبية واحدة لا يعني بالضرورة إعادة تشكيل ذلك التحالف التاريخي بصيغته السابقة.

غير أن هذا الافتراض يطرح سؤالاً أكثر أهمية بكثير: هل لا تزال هذه التشكيلات الثلاثة تمتلك قاعدة سياسية وثقافة تنسيق متينة بما يكفي لتشكل ثقلاً مشتركاً في ائتلاف جديد؟ لا بد من الإقرار بأن الحسابات الرقمية تضفي فوراً طابعاً خاصاً على هذا التساؤل؛ فمع امتلاك حزب الاستقلال لـ 65 نائباً، والاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية (USFP) لـ 26 نائباً، وحزب التقدم والاشتراكية (PPS) لـ 19 نائباً، يبلغ مجموع مقاعد هذه الأحزاب الثلاثة 110 مقاعد، مقابل 97 مقعداً لحزب الأصالة والمعاصرة (PAM).

وهكذا، فإن أي ائتلاف محتمل يضم أطرافاً أربعة سيصل إلى 207 نواب، أي بزيادة تسعة مقاعد عن النصاب المطلوب لتحقيق الأغلبية المطلقة (198 مقعداً).

ومع ذلك، يظل من الضروري أن تعكس هذه المقاعد الـ 110، من الناحية السياسية، ما هو أكثر من مجرد عملية جمع حسابي بسيط.

تاريخ مشترك، ولكن في سياق جديد تماماً

غالباً ما يرتبط اسم “الكتلة” بمرحلة التناوب السياسي عام 1998، إلا أن تاريخها يعود إلى ما قبل ذلك؛ إذ تعود أول تجربة تحالف بين حزبي الاستقلال والاتحاد الوطني للقوات الشعبية (UNFP) إلى عام 1970. أما “الكتلة الديمقراطية” فقد تأسست رسمياً عام 1992 وضمت أحزاب الاستقلال، والاتحاد الاشتراكي (USFP)، والتقدم والاشتراكية (PPS)، والاتحاد الوطني للقوات الشعبية (UNFP)، ومنظمة العمل الديمقراطي الشعبي (OADP).

وتكمن خصوصية هذه الكتلة في أنها لم تكن مجرد تحالف انتخابي فحسب، بل وضعت آليات تنسيق أتاحت للأحزاب بلورة مواقف مشتركة.

وقد شكلت مرحلة التناوب عام 1998، مع تعيين عبد الرحمن اليوسفي رئيساً للحكومة، المحطة السياسية الأبرز في مسارها؛ غير أن الأغلبية آنذاك كانت تتجاوز نطاق “الكتلة” وحدها.

أما الصيغة المطروحة للنقاش اليوم، فستكون ذات طبيعة مختلفة تماماً. لن تكون “الكتلة” هي التي تشكل الأغلبية حول أحد قادتها؛ بل ستنضم مكوناتها الثلاثة الرئيسية إلى ائتلاف يقوده حزب الأصالة والمعاصرة (PAM) – وهو الحزب الذي تصدر الانتخابات التشريعية ويقع خارج تاريخ “الكتلة” ذاتها، وهذا الانقلاب في الأدوار هو ما يضفي على هذا السيناريو طابعه الفريد.

110 نواب ولكن بأي ثقل جماعي؟
في حال تشكيل ائتلاف يضم 207 مقاعد، ستمثل أحزاب الاستقلال والاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية (USFP) والتقدم والاشتراكية (PPS) مجتمعةً أكثر من نصف القاعدة البرلمانية للأغلبية.

غير أن هذا لا يعني تلقائياً تشكيلهم لكتلة داخل الكتلة؛ إذ لا يوجد ما يؤكد، في هذه المرحلة، أنهم يتفاوضون بشكل منسق، فكل حزب يجري محادثاته الخاصة مع رئيسة الحكومة.

وهنا بالتحديد يكمن الفاصل بين الرمزية والواقع السياسي؛ فإذا انضمت الأحزاب الثلاثة إلى الحكومة بشكل منفصل ودافع كل منها عن خياراته الخاصة، فإن عودة “الكتلة” ستكون مجرد صورة لثلاثة شركاء قدامى يجتمعون مجدداً حول طاولة واحدة.

أما إذا استعادت هذه الأحزاب -في المقابل- قدرتها على التشاور أو الدفاع عن مواقف مشتركة بشأن ملفات كبرى، فإن موازين القوى ستختلف.

وبالتالي، لا تقتصر المسألة على معرفة ما إذا كانت أحزاب “الكتلة” التاريخية الثلاثة ستدخل الحكومة، بل تتعلق بمعرفة ما إذا كانت “الكتلة” لا تزال قائمة فعلياً وراء هذه الأحزاب الثلاثة.

يُعد هذا مؤشراً أولياً، وإن كان لا يسمح بالجزم بوجود تحرك منسق؛ فقد فوّض حزب الاستقلال أمينه العام، نزار بركة، لقيادة المفاوضات بشأن احتمال المشاركة في الحكومة المقبلة.

وقد ربط الحزب هذه المشاركة -بشكل أساسي- بضرورة مراعاة التزاماته الانتخابية في البرنامج الحكومي المستقبلي، وهي التزامات وصفها بركة بأنها “عقد سياسي وأخلاقي” مع المواطنين.

كما أشار الأمين العام إلى وجود نقاط تلاقٍ عديدة بين برنامجي حزبي الاستقلال والأصالة والمعاصرة (PAM). ومن جانبه، أعاد الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية (USFP) النقاش إلى مساره السياسي؛ إذ يرى الحزب أن المشاركة في الحكومة ليست غاية في حد ذاتها، وأن مسألة البرنامج والمرجعيات السياسية المشتركة يجب أن تسبق مسألة توزيع المسؤوليات. وقد مُنحت قيادة الحزب تفويضاً لمواصلة المشاورات، دون الإعلان عن قرار نهائي في تلك المرحلة.

أما حزب التقدم والاشتراكية (PPS)، فقد اختار -في ختام الجولة الأولى- عدم حسم موقفه فوراً بين خياري الأغلبية والمعارضة. وكان محمد نبيل بنعبد الله قد أشار، على وجه الخصوص، إلى أن النقاشات تمحورت حول ضرورة وضع أوضاع المواطنين في صلب الأولويات، بالتوازي مع التنمية الاقتصادية. ورغم اختلاف المقاربات، تبرز نقطة مشتركة؛ إذ لا يختزل أي من الأحزاب الثلاثة عملية التفاوض في مجرد مسألة الحضور داخل السلطة التنفيذية، بل تشير جميعها -بصيغ مختلفة- إلى المضمون السياسي أو البرامجي للائتلاف الحكومي المرتقب. وبالطبع، لا يكفي هذا لإعادة إحياء تحالف “الكتلة” (Koutla)، لكنه يضفي أهمية راهنة خاصة على مسألة “القاعدة المشتركة” التي كانت تجمع هذه الأحزاب.

ما الذي تبقى من القاعدة المشتركة؟ لقد انقضت أكثر من ثلاثين عاماً منذ عام 1992، ومن ثم فإن “الكتلة” (التحالف) لعام 2026 -في حال تشكلها- لن تكون، بأي حال من الأحوال، نسخة مطابقة لتلك التي عرفتها حقبة التسعينيات. فقد سلكت أحزاب الاستقلال والاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية (USFP) والتقدم والاشتراكية (PPS) مسارات متباينة منذ ذلك الحين؛ إذ شاركت في الائتلافات الحكومية أو اصطفت في المعارضة، وجددت قياداتها وطورت برامجها، كما شهدت موازين القوى فيما بينها تغيرات جذرية. ومع ذلك، لم تندثر ذاكرتهم المشتركة تماماً، إذ استمرت محاولات التقارب، ولا سيما بين الاتحاد الاشتراكي والتقدم والاشتراكية.

غير أن استحقاق عام 2026 يضع المسألة في سياق مختلف؛ فلم يعد الأمر يتعلق بإعادة بناء تحالف معارض أو جبهة انتخابية، بل باحتمالية تعايش هذه التشكيلات الثلاثة في ممارسة السلطة. كما أن استحضار ذكريات التوافقات السابقة لا يغني عن التوصل إلى توافق فعلي في الوقت الراهن؛ فالمرجعيات التاريخية أو السياسية المشتركة لا تعني بالضرورة تبني حلول متطابقة على الأصعدة الاقتصادية أو الميزانياتية أو القطاعية.

هل سيكون الائتلاف محدود الأطراف أم معاد تشكيله؟
لقد طُرحت مسألة الانسجام بالفعل في التحليلات التي رصدتها صحيفة “Les Inspirations ECO” غداة الانتخابات، حين كانت كافة السيناريوهات والتركيبات المحتملة مطروحة. وفي هذا الصدد، حذر زكرياء أبو الذهب، أستاذ القانون العام، من تشكيل أغلبية تبدو أشبه بـ “فسيفساء” من الأحزاب؛ إذ رجّح في تحليله خيار الائتلاف المحدود (المكون من ثلاثة أو أربعة أحزاب) لضمان قدر أكبر من الانسجام والوضوح. ورغم أن طرحه لم يكن يستهدف السيناريو المطروح حالياً، إلا أنه يوفر إطاراً تحليلياً مفيداً؛ إذ إن صيغة تجمع أحزاب “الأصالة والمعاصرة” (PAM) و”الاستقلال” و”الاتحاد الاشتراكي” و”التقدم والاشتراكية” تتطابق تماماً مع نموذج الائتلاف المكون من أربعة أحزاب.

ومع ذلك، فإن محدودية عدد الأحزاب لا تضمن بالضرورة الانسجام السياسي؛ فأربعة أحزاب قد تجعل الأغلبية أقل تشتتاً، لكنها لا تمحو بالضرورة الفروق الجوهرية القائمة بينها. في هذه الحالة، تبدو المعادلة خاصة ومميزة، إذ أن ثلاثة من الشركاء المحتملين الأربعة يتقاسمون تاريخاً سياسياً مشتركاً طويلاً. ومن جانبه، دعا المحلل السياسي محمد شيكر – غداة الاقتراع – إلى قراءة النتائج في ضوء إعادة تشكيل الخريطة السياسية والتوازنات الجديدة التي قد تتمخض عنها بين الأغلبية والمعارضة.

إن اجتماع أحزاب الاستقلال والاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية والتقدم والاشتراكية ضمن أغلبية يقودها حزب الأصالة والمعاصرة – في حال تأكيده – سيضفي طابعاً خاصاً على عملية إعادة التشكيل هذه؛ إذ لن يكون الأمر مجرد عودة إلى صيغة قديمة، بل ستجد تشكيلات سياسية يربطها تاريخ مشترك نفسها ضمن هيكلية سياسية جديدة، تتمحور حول حزب لا ينتمي إلى ذلك التاريخ. وبالتالي، فإن العودة المتزامنة للمكونات التاريخية الثلاثة لـ “الكتلة” لا تعني عودة “الكتلة” بصيغتها السابقة، بل تطرح تساؤلاً حول ما يمكن أن تثمره هذه الذاكرة السياسية في ظل موازين القوى المرتقبة لعام 2026.

ما يمكن أن تقدمه “الكتلة”
تتمثل المساهمة الأولى لهذه التشكيلات الثلاث في الخبرة السياسية والمؤسساتية؛ فجميعها تمتلك رصيداً طويلاً من الممارسة البرلمانية وتولت مسؤوليات حكومية. فحزب الاستقلال يخرج مباشرة من تجربة الأغلبية السابقة، في حين أن الاتحاد الاشتراكي وحزب التقدم والاشتراكية (PPS) يمتلكون أيضاً خبرة في العمل الحكومي. لكن أهمية اجتماعهم تكمن، قبل كل شيء، في معرفة ما إذا كانت ثقافة التسوية – التي تشكلت عبر تاريخهم المشترك – لا تزال فاعلة.

لقد تأسست “الكتلة” (التحالف التاريخي) أصلاً على قدرة تشكيلات سياسية مختلفة على تنسيق مواقف معينة دون التخلي عن هوياتها الخاصة. وفي حكومة يُنتظر منها المواءمة بين برامج انتخابية متعددة، قد تشكل تجربة الحوار هذه رصيداً هاماً. ومع ذلك، فإن هذا لا يضمن التوصل إلى اتفاق بشأن السياسات المزمع تنفيذها، ولا يؤكد قدرة التشكيلات الثلاثة على العمل الجماعي مجدداً؛ وهنا تكمن جوهر المسألة.

كتلة تتمحور حول حزب الأصالة والمعاصرة وليس العكس
ربما تكون هذه هي السمة المميزة الرئيسية لهذا السيناريو. فتاريخياً، كان الهدف من “الكتلة” أن تشكل بحد ذاتها قوة سياسية يمكن بناء أغلبية حولها. أما في الفرضية المطروحة حالياً، فستنضم مكوناتها الثلاثة إلى حكومة تقودها مسؤولة من حزب الأصالة والمعاصرة. وسيكون مركز الثقل المؤسساتي محدداً بوضوح: إذ ستتولى فاطمة الزهراء المنصوري – التي عُينت رئيسة للحكومة بعد تصدر حزبها للانتخابات التشريعية – قيادة السلطة التنفيذية. غير أن التوازن السياسي للائتلاف سيكون أكثر دقة وتعقيداً.

فمن جهة، سيحظى حزب الأصالة والمعاصرة برئاسة الحكومة وبصفته القوة البرلمانية الأولى. ومن جهة أخرى، يجمع شركاؤه المحتملون الثلاثة تاريخاً مشتركاً، كما أن مجموع مقاعدهم البرلمانية يفوق ما يملكه الحزب الأول. ولا يسمح هذا الوضع بالحديث حالياً عن كتلتين متواجهتين؛ بل يعني أن الطريقة التي ستختار بها أحزاب الاستقلال والاتحاد الاشتراكي (USFP) والتقدم والاشتراكية (PPS) تنسيق مواقفها – أو عدمه – ستشكل عاملاً حاسماً في آلية عمل الأغلبية.

207 مقاعد وهامش ضيق

وأخيراً، تبرز مسألة المتانة البرلمانية؛ إذ سيجمع تحالف أحزاب الأصالة والمعاصرة، والاستقلال، والاتحاد الاشتراكي، والتقدم والاشتراكية ما مجموعه 207 نواب.

قد تتحقق الأغلبية المطلقة، ولكن بهامش ضئيل لا يتعدى تسعة مقاعد. وفي مجلس يضم 395 عضواً، فإن وضعاً كهذا يجعل تماسك الأغلبية أمراً بالغ الأهمية؛ إذ يمكن للقاعدة البرلمانية المحدودة أن تشجع على السعي نحو التوافق في مرحلة مبكرة، كما قد تجعل الخلافات أكثر بروزاً ووضوحاً عند ظهورها.

وهذا يعيدنا في النهاية إلى السؤال المطروح في البداية: فالسيناريو المتداول حالياً لن يُعيد إحياء “الكتلة” التي تشكلت عام 1992، لكنه قد يكشف عما تبقى منها  عام 2026. وإذا انضمت أحزاب الاستقلال والاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية والتقدم والاشتراكية فعلياً إلى الحكومة المقبلة، فإن مجرد وجودهم المشترك لن يكون كافياً للإعلان عن عودة “الكتلة”؛ إذ يظل السؤال الجوهري: هل يكتفون بالدخول معاً، أم أنهم لا يزالون قادرين على العمل والتحرك معاً؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى