انتخابات 23 شتنبر 2026 وتحولات المشهد السياسي بالمغرب

بقلم: محمد شقير 

 تكمن  خصوصية نتائج انتخابات 23 شتنبر 2026  ليس في ترتيب الأحزاب المتنافسة فقط  ، وإنما في كونها أحدثت إعادة تركيب للمشهد السياسي المغربي على أكثر من مستوى: حزبي، قيادي، حكومي، رمزي وانتخابي. إذ يمكن تلخيص خصوصية هذه الانتخابات  في تحولات سياسية  كبرى تتمثل في  التعيين الملكي للمنسقة العامة للحزب المتصدر للانتخابات كأول رئيسة حكومة في التاريخ السياسي للمملكة ، وتغيير الترتيب  السياسي  للحزب الأول دون تغيير قواعد النظام السياسي مع عودة قوية لحزب العدالة والتنمية  كحزب معارض، وإعادة تشكيل الخريطة السياسية في ظل مشاركة انتخابية ضعيفة.

  1. التعيين الملكي لأول رئيسة حكومة في تاريخ المغرب

تتحول بعض الانتخابات في المغرب إلى انتخابات فاصلة أو مؤسسة؛ لأنها لا تغير فقط موازين القوى داخل البرلمان، وإنما تعيد تعريف موقع القوى السياسية داخل النظام السياسي والحكومي. حيث تعتبر بعض الانتخابات محطات أساسية في تطور المشهد  السياسي بالمملكة . فهي  لا تقتصر أهميتها على توزيع المقاعد البرلمانية، وإنما تتحول إلى محطات لإعادة تشكيل المشهد السياسي نفسه. ويمكن اعتبار انتخابات 1997 وانتخابات 2011 مثالين بارزين في هذا السياق : فانتخابات 1997 كانت لها دلالة سياسية تتجاوز نتائجها العددية، لأنها ساهمت في إعادة ترتيب العلاقة بين المعارضة والسلطة. حيث تصدر حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية المشهد الانتخابي، وهو الحزب الذي كان لسنوات في صف المعارضة. وقد فتح هذا التصدر الطريق أمام التناوب التوافقي سنة 1998، بتعيين عبد الرحمن اليوسفي الكاتب الأول لهذا الحزب  وزيراً أول. وبالتالي لم تكن الانتخابات مجرد انتقال في عدد المقاعد، وإنما كانت مدخلاً إلى تحول في طبيعة ممارسة السلطة حيث انتقلت المعارضة الاتحادية من موقع المعارضة إلى موقع قيادة الحكومة. أما انتخابات  2011 فقد أدت إلى تصدر حزب العدالة والتنمية الانتخابات، بعد أن كان لسنوات حزباً معارضاً، وإن كانت معارضته مختلفة في طبيعتها عن المعارضة الاتحادية. حيث تكمن أهمية  هذه الانتخابات  في كونها أدت إلى انتقال حزب ذي مرجعية إسلامية إلى قيادة الحكومة لأول مرة، مع تعيين عبد الإله بنكيران رئيساً للحكومة. وفي نفس السياق ، يمكن اعتبار انتخابات 23 شتنبر 2026 المنسقة العامة لحزب الاصالة والمعاصرة  فاطمة الزهراء المنصوري رئيسة للحكومة، لتكون أول امرأة تتولى هذا المنصب في المغرب. مما يعطي انتخابات 23 شتنبر بعداً رمزياً وتاريخياً يتجاوز الحسابات العددية للمقاعد، لأنه يضيف تحولاً في تمثيل المرأة في أعلى موقع حكومي في تاريخ المغرب السياسي. فتعيين فاطمة الزهراء المنصوري رئيسة للحكومة هو أول وصول لامرأة إلى هذا المنصب في المغرب، وبالتالي فإن الانتخابات أفضت إلى تحول في صورة القيادة التنفيذية للدولة، وليس فقط إلى تغيير الحزب الأول في البرلمان.

2. إعاد2- إعادة ترتيب مكونات المشهد السياسي

       كان أبرز تحول نجم عن هذه الانتخابات التشريعية هو صعود حزب الأصالة والمعاصرة إلى المرتبة الأولى بـ97 مقعداً، مقابل 66 لحزب التجمع الوطني للأحرار و65 لحزب لاستقلال. وهذه النتيجة تعني أن الحزب الذي كان جزءاً من الأغلبية السابقة أصبح هو القوة البرلمانية الأولى. وبالتالي، فنحن أمام تغيير داخل معسكر الأغلبية أكثر مما نحن أمام تغيير جذري في طبيعة النظام السياسي. فالانتقال هو من قيادة حكومية للتجمع إلى إمكانية قيادة حكومية للأصالة والمعاصرة. فقد أضعفت نتائج استحقاقات 2026 حزب التجمع الوطني للأحرار انتخابياً، ولم يعد الحزب الأول كما كان بعد انتخابات 2021. والأهم أن الخلافات التي طبعت علاقته بالأصالة والمعاصرة خلال الولاية السابقة تحولت من تنافس داخل الحكومة إلى تنافس على قيادة الحكومة المقبلة. فانتخابات 23 شتنبر لم تحدث “تناوباً” جديداً،  فقط بل إنها دشنت مرحلة جديدة من إعادة تركيب المشهد السياسي المغربي.  فإذا كانت  انتخابات 2021 قد دشنت مرحلة اتسمت  بصعود التجمع الوطني للأحرار إلى المرتبة الأولى وتشكيله الحكومة، ونهاية مرحلة طويلة من قيادة العدالة والتنمية للحكومة منذ 2011، وتشكيل أغلبية حكومية قوية نسبياً ضمت التجمع الوطني للأحرار والأصالة والمعاصرة والاستقلال، فانتخابات 2026 قلبت هذا الترتيب من خلال تصدر حزب الأصالة والمعاصرة، وتراجع حزب التجمع الوطني للأحرار وحزب الاستقلال، واستعادة حزب العدالة والتنمية جزءاً من حضوره. لذلك فالمسألة ليست «استبدال أخنوش بالمنصوري» فقط ، والحديث عن تداول حكومي عادي، بل نحن أمام إعادة توزيع لمواقع الأحزاب الكبرى داخل المشهد السياسي. إلى جانب ذلك حصول حزب العدالة والتنمية على 54 مقعداً، مقابل 13 فقط سنة 2021 يعتبر مفاجأة سياسية . وهنا تكمن خصوصية انتخابات 2026 التي  لم تؤد إلى اختفاء الإسلاميين من الخريطة السياسية، وإنما أظهرت إمكانية إعادة بناء القوة الانتخابية لحزب خسر بصورة شبه كارثية في 2021. فعودة عبد الإله بنكيران إلى قيادة الحزب أعطته شيئاً افتقده بعد انتخابات 2021 تتمثل في القدرة على تحويل الحزب من تنظيم مهزوم إلى قضية سياسية قابلة للتعبئة. فبنكيران يمتلك حضوراً شخصياً وإعلامياً يفوق في كثير من الأحيان الحضور المؤسساتي للحزب نفسه. فخطابه المباشر، وعفويته، و قدرته على مهاجمة الخصوم، واستدعاؤه لمرحلة حكومته السابقة كلها ساعدت على إعادة تنشيط القاعدة الانتخابية لهذا الحزب. كما أن جزءاً من الأصوات  الانتخابية التي حصل عليها حزب العدالة والتنمية يمكن قراءته باعتباره تصويتاً عقابياً ضد الأغلبية الحكومية السابقة، وليس بالضرورة عودة كاملة إلى المشروع الإيديولوجي للحزب. حيث استفاد الحزب من كونه في المعارضة  بعدما أصبح بإمكانه أن يقدم نفسه باعتباره صوتاً احتجاجياً ومعارضاً من دون أن يتحمل مسؤولية الوضع الحكومي الراهن. إذ ترتبط عودة الحزب بجزء من التصويت الاحتجاجي على أداء الحكومة، خصوصاً لدى شرائح من الطبقة الوسطى. وإن لا ينبغي تفسير هذه الحصيلة كلها بنزوع احتجاجي .فالحزب كان قد حصل في انتخابات  2016 على 125 مقعداً، ثم انهار إلى 13 في انتخابات 2021. وهذا يعني أن وراءه، رغم الانهيار، ذاكرة انتخابية وتنظيمية وقاعدة من الناخبين القادرين على العودة إلى التصويت له والتي تتركز بالخصوص بالدوائر الحضرية. وفي انتخابات اتسمت بمشاركة منخفضة، يمكن للقاعدة الأكثر تنظيماً والأكثر ارتباطاً بالحزب أن تكون لها قيمة انتخابية مضاعفة. فالمشاركة بلغت نحو 38%، وبالتالي فالامر لا يحتاج بالضرورة إلى عودة كل الناخبين السابقين للحزب حتى يرتفع عدد مقاعده بصورة كبيرة. غير أن ارتفاع  عدد مقاعد الحزب من 13 إلى 54 مقعداً  وإن شكل تقدما سياسيا واضحا  ، لكنه لا يعني استعادة الحزب لموقع 2016 حين حصل على 125 مقعداً. كما أن أصواته المحلية، رغم تضاعفها بأكثر من الضعف مقارنة بـ2021، لا تزال بعيدة عن الوزن الذي كان له قبل انهيار 2021. وبالتالي  فهذه النتائج قد عكست عودة حزب العدالة والتنمية إلى المنافسة، وليس عودته إلى الهيمنة. وهذا ما قد يجعل الولاية الجديدة مختلفة عن ولاية 2021–2026: فبعد أن كانت الحكومة السابقة تتمتع بأغلبية واسعة نسبياً مقابل معارضة ضعيفة، أصبح لدينا الآن حكومة يقودها حزب الأصالة والمعاصرة ومعارضة يقودها حزب العدالة والتنمية، مع وجود  حزبي الأحرار والاستقلال في موقع يسمح لهما بلعب أدوار أكثر مرونة. وهذا قد يعيد شيئاً من التنافس السياسي الذي غاب نسبياً خلال المرحلة السابقة.

3. نسبة العزوف المرتفعة و بناء الشرعية الانتخابية

تختلف انتخابات 2026 جذرياً عن انتخابات 1997 و2011.ففي انتخابات  1997 كان هناك اندماج قوي بين نتيجة الانتخابات ومسار التناوب.وفي  انتخابات2011 كان هناك ارتباط واضح بين الانتخابات والحراك السياسي والدستوري الذي أعقب 20 فبراير.أما في انتخابات 23 شتنبر 2026 فإن التحول المؤسساتي الكبير حدث في ظل مشاركة انتخابية محدودة. فهذه الانتخابات التشريعية أحدثت تحولاً مهماً في بنية السلطة الحكومية، لكنها لم تنجح بالقدر نفسه في حل مشكلة المشاركة السياسية. فإذا  كان المشهد السياسي  قد تغير، لكن علاقة المواطن بالانتخابات لم تتغير بالضرورة بالاتجاه نفسه. فالنتائج أعطت الأحزاب شرعية انتخابية ومؤسساتية، لكن انخفاض المشاركة يطرح سؤالاً آخر حول الشرعية الاجتماعية والسياسية لهذه الخريطة. فالمشاركة لم تتجاوز 38.02%، مقابل 50.86% سنة 2021 و42.27% سنة 2016. لذلك لا ينبغي قراءة تقدم الأصالة والمعاصرة أو عودة العدالة والتنمية بمعزل عن حقيقة أن أغلبية المسجلين لم تشارك في الاقتراع. بمعنى آخر، هناك مفارقة بين إعادة تشكيل الخريطة الحزبية من داخل صناديق الاقتراع، واستمرار أزمة الثقة والمشاركة من خارجها. وهذا يجعل هذه الانتخابات ناجحة في إنتاج مؤسسات جديدة، لكنها لا تحسم بالضرورة مشكلة العزوف الانتخابي . حيث يمكن ترتيب  أسباب  هذا العزوف في شعور شريحة عريضة من المواطنين بأن الأحزاب لم تعد تمثل مصالحهم بصورة مقنعة. بالإضافة إلى  ضعف جاذبية العرض الحزبي. فوجود عدد كبير من الأحزاب لا يعني بالضرورة وجود خيارات سياسية مقنعة.فالناخب قد يجد اختلافاً في أسماء الأحزاب وبرامجها، لكنه لا يرى اختلافاً كبيراً في: الوعود الانتخابية؛ والخطاب حول التشغيل و تحسين القدرة الشرائية و تجويد قطاعي الصحة والتعليم؛ و محاربة الفساد. بل إن رفع سقف الوعود، مثل التعهد بمئات الآلاف أو مليون فرصة عمل، يمكن أن يزيد المشكلة إذا لم يثق الناخب في إمكانية تنفيذها. مما أدى إلى ظهور فجوة بين المطالب الاجتماعية والسياسة الحزبية. فالمطالب التي عبر عنها الشباب كانت مرتبطة أساساً بـالصحة و التعليم و التشغيل و العدالة الاجتماعية و جودة الخدمات، بينما جزء من الخطاب الانتخابي ظل يدور حول المقاعد و التحالفات و التزكيات والتلاسنات السياسية والشخصية. وبالتالي نشأت فجوة بين «ما يريد المواطن من السياسة» و«ما تعرضه الأحزاب باعتباره سياسة».وهذه الفجوة قد تدفع المواطن إلى الاستنتاج بأن الانتخابات لا تعالج مشكلاته الأساسية. لذا فبعض الناخبين ربما اختاروا عدم التصويت لأنهم لا يرون حزباً يمثلهم، أو لأنهم يريدون التعبير عن عدم الرضا بالانسحاب من العملية الانتخابية نفسها. ولهذا يمكن اعتبار العزوف نوعاً من «التصويت السلبي» أو «الامتناع الاحتجاجي»،

وعموما ، يمكن اعتبار انتخابات 23 شتنبر 2026 بأنها انتخابات إعادة تركيب للمشهد السياسي المغربي، وليست انتخابات قطيعة سياسية. فقد غيرت موازين القوى بين الأحزاب، وأعادت الاعتبار لبعض القوى التي تراجعت، وفتحت الباب أمام قيادة نسائية للحكومة، لكنها لم تغير طبيعة النظام السياسي و لم تحسم في  مشكلة العزوف والثقة في المؤسسات. لذا ، فالسؤال الأهم في المرحلة المقبلة لن يكون فقط «من ربح الانتخابات؟»، بل «هل تستطيع الخريطة السياسية الجديدة تحويل هذا التغيير الانتخابي إلى إعادة بناء للثقة بين المواطن والأحزاب والمؤسسات؟».كما أن وصول فاطمة الزهراء المنصوري إلى رئاسة الحكومة يضيف عنصراً لم يكن موجوداً في التحولات السابقة: فهناك تغيير نوعي ورمزي في قيادة الحكومة . وبالتالي يمكن أن تصبح مرحلة ما بعد 2026 مرتبطة ليس فقط بسؤال: أي حزب يحكم؟ وإنما أيضاً بسؤال: أي نموذج للقيادة السياسية والتنفيذية سيقدم نفسه للمغاربة؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى