دعم المحروقات بالمغرب.. من يستفيد من المال العام ولماذا لا يُعمَّم نفعه على المغاربة؟

بشرى عطوشي
تقرير _بين دعم مهنيي النقل والاستثمار في الأمن الطاقي، يبرز سؤال الأولويات الحكومية: لماذا تتحمل الميزانية العمومية تكاليف متكررة، بينما تبقى إمكانية توجيه جزء من هذه الموارد نحو حلول يستفيد منها المجتمع بأكمله موضوعاً يستحق نقاشاً جدياً؟
يثير الدعم العمومي الموجه إلى مهنيي النقل الطرقي بالمغرب تساؤلات تتجاوز حدود مساعدة قطاع يتأثر بتقلبات أسعار المحروقات، لتصل إلى جوهر العدالة في توزيع الموارد العمومية. فبينما تتدخل الدولة لتخفيف الأعباء عن فئات مهنية محددة، يواجه المواطن المغربي ارتفاع تكاليف المعيشة والتنقل والمواد الاستهلاكية، متسائلاً عن نصيبه من السياسات المالية التي يُفترض أن تحمي قدرته الشرائية.
لا يتعلق الأمر برفض دعم مهنيي النقل أو التقليل من الصعوبات التي يواجهونها، بل بطرح سؤال اقتصادي مشروع: هل تحقق المبالغ المرصودة أفضل منفعة ممكنة للمجتمع؟ وهل توجد ضمانات تضمن انتقال أثر الدعم إلى المواطن، سواء من خلال استقرار تعريفة النقل أو الحد من ارتفاع تكاليف نقل السلع؟
تكفي محاكاة مالية بسيطة لإظهار حجم الموارد التي يستحق توجيهها نحو نقاش عمومي. فإذا افترضنا منح ألف درهم شهرياً لكل سيارة من أصل 77,200 سيارة أجرة، فإن التكلفة ستبلغ 77.2 مليون درهم شهرياً، أي 926.4 مليون درهم سنوياً. وهذا المبلغ افتراضي، ناتج عن عملية حسابية، وليس تقديراً للكلفة الفعلية لبرنامج دعم حكومي قائم.
لكن ماذا لو وُجّهت موارد بهذا الحجم، كلياً أو جزئياً، إلى استثمارات استراتيجية أو برامج اجتماعية ذات أثر أوسع؟ وهل يكفي دعم قطاع مهني بعينه لمواجهة ارتفاع أسعار المحروقات، أم أن المرحلة تستدعي التفكير في حلول تعالج جانباً من أسباب الهشاشة الطاقية والاقتصادية؟
لاسامير.. من الدعم المتكرر إلى الاستثمار الاستراتيجي
يظل ملف مصفاة سامير بالمحمدية أحد أبرز الملفات التي تستحق الدراسة ضمن النقاش حول الأمن الطاقي المغربي. فمنذ توقف نشاط التكرير سنة 2015، ظل مستقبل هذه المنشأة الصناعية مطروحاً في سياق البحث عن سبل تعزيز القدرات الوطنية في التكرير والتخزين ومواجهة تقلبات الأسواق الدولية.
إن توجيه جزء من الموارد العمومية نحو دراسة جدوى إعادة تشغيل المصفاة أو تطوير قدرات التخزين الاستراتيجي قد يفتح المجال أمام استثمار ذي امتداد صناعي واقتصادي، بدلاً من الاقتصار على تدابير ظرفية تتكرر كلما ارتفعت أسعار الوقود.
غير أن هذا الخيار لا يعني أن المبلغ المفترض كافٍ لإعادة تشغيل المصفاة، ولا أن استئناف التكرير سيؤدي تلقائياً إلى خفض أسعار البنزين والغازوال. فالأمر يحتاج إلى دراسة تقنية ومالية وقانونية تشمل كلفة التأهيل والالتزامات القائمة وتنافسية الإنتاج، فضلاً عن تأثير الضرائب وتكاليف التوزيع والأسعار العالمية.
ومع ذلك، فإن استمرار النقاش حول مستقبل هذه المنشأة يطرح سؤالاً أوسع: إلى أي حد استطاعت السياسات الطاقية تحويل الموارد المتاحة إلى حلول مستدامة تقلل من التعرض للصدمات الخارجية؟
صندوق المقاصة.. دعم يتجاوز حدود الفئات المهنية
يقدم صندوق المقاصة نموذجاً آخر لتوجيه الأموال العمومية نحو حماية القدرة الشرائية، من خلال دعم مواد أساسية تشمل غاز البوتان والسكر والدقيق الوطني من القمح اللين.
وتكمن أهمية هذا المسار في اتساع دائرة المستفيدين المحتملين منه مقارنة بالدعم المهني المباشر، وإن كانت الاستفادة الفعلية تختلف بحسب أنماط الاستهلاك ومستويات الدخل. لذلك، فإن زيادة الاعتمادات الموجهة إليه أو تحسين طرق توزيع الدعم تستحق التقييم وفق نتائجها الاجتماعية، ومدى وصولها إلى الأسر الأكثر احتياجاً.
كما يمكن دراسة توجيه جزء من الموارد إلى دعم النقل العمومي الجماعي، أو إلى برامج اجتماعية موجهة للأسر المتضررة من الغلاء، أو إلى استثمارات في كفاءة الطاقة والتخزين. ولا يتعلق الأمر باختيار بديل واحد بالضرورة، بل بتقييم الخيارات وفق تكلفتها ومردوديتها وعدد المستفيدين منها واستدامة آثارها.
من المستفيد فعلياً؟ سؤال لا تجيب عنه الأرقام وحدها
إن تحديد المستفيدين من الدعم يتطلب التمييز بين مالك سيارة الأجرة والسائق الذي يشتغل عليها، وبين تخفيف تكاليف التشغيل وتحقيق منفعة ملموسة للمستهلك. فليس كل دعم يصل إلى قطاع مهني يتحول تلقائياً إلى تخفيض في الأسعار أو تحسين في الخدمة.
ومن هنا، تبرز الحاجة إلى نشر بيانات دقيقة حول قيمة الدعم حسب الفئات، ومعايير الاستفادة، والنتائج المحققة، ومدى انعكاس هذه التدابير على تعريفة النقل وتكاليف نقل السلع.





