السعيد لـ”إعلام تيفي”: الخطاب الملكي يضع الحكومة والبرلمان والنخب أمام اختبار التنفيذ وربط المسؤولية بالنتائج

مديحة المهادنة

أكد أمين السعيد، أستاذ القانون الدستوري والعلوم السياسية بجامعة سيدي محمد بن عبد الله بفاس، أن الخطاب الملكي بمناسبة افتتاح الولاية التشريعية الثانية عشرة يحمل رسائل سياسية ومؤسساتية واضحة، تضع الحكومة المقبلة والبرلمان ومختلف الفاعلين العموميين أمام مسؤولية تحويل التوجهات الاستراتيجية الكبرى إلى سياسات واقعية ونتائج ملموسة، مشدداً على أن المرحلة تستدعي الارتقاء بأداء المؤسسات وتجديد أساليب التدبير، بما يضمن الاستجابة لانتظارات المواطنين وتعزيز الثقة في العمل السياسي والمؤسساتي.

وأوضح السعيد، في تصريح لـ”إعلام تيفي“، أن الخطاب الملكي، الذي يأتي في سياق دستوري يؤطره الفصل 65 من دستور 2011، يكتسي أهمية خاصة لتزامنه مع انطلاق ولاية تشريعية جديدة أعقبت انتخابات 23 شتنبر 2026، وما يرافقها من إعادة ترتيب للأولويات الحكومية والبرلمانية، معتبراً أن هذه المحطة تمثل فرصة لإرساء دينامية مؤسساتية قادرة على مواكبة التحولات الاقتصادية والاجتماعية التي يشهدها المغرب.

وأبرز أستاذ القانون الدستوري أن الخطاب يندرج ضمن استمرارية التوجهات الاستراتيجية التي حددها الملك محمد السادس في خطاب العرش، مع انتقال التركيز نحو مسؤولية المؤسسات في تنفيذها، موضحاً أن الرهان لم يعد مقتصراً على تحديد الأهداف الكبرى، وإنما أصبح مرتبطاً بمدى قدرة الحكومة والبرلمان والإدارة على ترجمتها إلى برامج محددة الأهداف والموارد والآجال، تخضع للتتبع والتقييم والمساءلة.

 السعيد توقف عند الأولويات الاستراتيجية التي تضمنها الخطاب، خصوصا الأمن المائي والطاقي والغذائي، والتصنيع، والاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي، معتبراً أن هذه التوجهات تعكس استيعاباً للتحولات الجيوسياسية والاقتصادية الدولية، وما تفرضه من تعزيز للقدرات الوطنية وتقوية الاستقلالية الاستراتيجية للمملكة. وأشار إلى أن نجاح هذه الأوراش يظل رهيناً بفعالية التنسيق المؤسساتي وتعبئة الموارد والكفاءات الضرورية، والانتقال من التخطيط إلى التنفيذ وفق مؤشرات دقيقة لقياس النتائج.

واعتبر المتحدث أن من أبرز الرسائل التي حملها الخطاب الملكي ضرورة تجاوز الاختلالات التي تعيق التنزيل الفعلي للجهوية المتقدمة واللاتمركز الإداري، خاصة ما يتعلق بتأخر نقل الاختصاصات والموارد البشرية والمالية من المركز إلى الجهات والأقاليم. وأوضح أن تحقيق تنمية ترابية متوازنة يستوجب تمكين المؤسسات الجهوية من الوسائل الضرورية لممارسة اختصاصاتها، وتوضيح المسؤوليات، وإرساء آليات فعالة للتنسيق بين الإدارة المركزية والمصالح اللاممركزة والجماعات الترابية، بما يتيح اتخاذ القرارات وتنفيذ المشاريع وفق الحاجيات الفعلية لكل مجال ترابي.

وفي الشق الاجتماعي، شدد السعيد على الأهمية التي أولاها الخطاب الملكي لقضايا الشباب، من خلال الدعوة إلى وضعهم في صدارة السياسات العمومية، وتعزيز تكافؤ الفرص وتحسين جودة التعليم والتكوين وتيسير الإدماج الاقتصادي. واعتبر أن استعادة ثقة الأجيال الجديدة في المؤسسات تمر عبر توفير فرص حقيقية للارتقاء الاجتماعي، وربط منظومة التكوين بمتطلبات سوق الشغل، ومعالجة الفوارق الاجتماعية والمجالية التي تحد من استفادة الشباب من ثمار التنمية.

وعلى المستوى الاقتصادي، أبرز السعيد أن دعوة القطاع الخاص إلى الاضطلاع بدور استراتيجي في التحول التنموي تعكس توجهاً نحو تعزيز الاستثمار المنتج والابتكار والتصدير وخلق فرص الشغل، مؤكداً أن تحقيق هذه الأهداف يقتضي تحسين مناخ الأعمال وتكريس المنافسة وتوفير الشروط الملائمة للمبادرة الاقتصادية. وأضاف أن القيمة الحقيقية للاستثمارات لا تتحدد بحجمها المالي فحسب، وإنما بقدرتها على رفع الإنتاجية وتوسيع القاعدة الصناعية الوطنية وإحداث فرص شغل مستدامة، بما يضمن انعكاس النمو الاقتصادي على الأوضاع الاجتماعية والمعيشية للمواطنين.

وفي قراءته للأبعاد السياسية والمؤسساتية للخطاب، اعتبر أستاذ القانون الدستوري أن الحكومة المقبلة ستكون مطالبة بصياغة برنامج يستوعب الأولويات الملكية ويترجمها إلى التزامات قابلة للتنفيذ والتقييم، فيما تقع على البرلمان مسؤولية مواكبة هذه التوجهات من خلال التشريع ومراقبة العمل الحكومي وتقييم السياسات العمومية. كما أبرز أهمية الدور الذي تضطلع به المعارضة في تقديم البدائل وممارسة رقابة مؤسساتية تستند إلى المعطيات والحجج والاقتراحات العملية.

وربط السعيد نجاح الولاية التشريعية الجديدة بجودة النخب السياسية والإدارية والاقتصادية، مؤكداً أن حجم الأوراش المطروحة يستدعي كفاءات قادرة على التخطيط والتدبير والتنسيق واتخاذ القرار. واعتبر أن الأحزاب السياسية مطالبة بتطوير أدائها التأطيري والبرنامجي، فيما يتعين على المنتخبين الوفاء بالتزاماتهم تجاه المواطنين، انطلاقاً من اعتبار التفويض الانتخابي مسؤولية سياسية وأخلاقية لا تنفصل عن المحاسبة على النتائج.

وفي ما يتعلق بالعلاقات الخارجية، توقف السعيد عند الرسائل الملكية المرتبطة بملف الهجرة والعلاقات المغربية الإسبانية، معتبراً أنها تعكس توجهاً نحو تطوير نموذج التعاون القائم بما يراعي المصالح الوطنية ويحترم السيادة ويؤسس لشراكة أكثر توازناً. وأوضح أن التحولات المرتبطة بالهجرة والأمن والاستقرار الإقليمي تفرض اعتماد مقاربة استراتيجية تتجاوز التدبير الظرفي للأزمات، وتقوم على المصالح المشتركة والتنمية المتبادلة والاحترام المتبادل بين الشركاء.

وخلص أمين السعيد إلى أن الخطاب الملكي يضع مختلف المؤسسات والنخب أمام اختبار حقيقي للكفاءة والقدرة على الإنجاز، في مرحلة تتطلب تجاوز محدودية التنسيق وبطء التنفيذ، والانتقال إلى تدبير عمومي يقوم على تحديد المسؤوليات وتعبئة الموارد والتقييم المستمر للسياسات. وأكد أن نجاح الولاية التشريعية الجديدة سيقاس بمدى قدرة الفاعلين على تحويل التوجهات الملكية إلى إصلاحات ونتائج تنعكس على حياة المواطنين، وتساهم في تعزيز العدالة الاجتماعية والمجالية، وترسيخ الثقة في المؤسسات، وتحقيق تنمية شاملة ومستدامة.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى