جخا لـ”إعلام تيفي”: تفعيل الجهوية المتقدمة يقتضي تجاوز إكراهات التنزيل

أميمة حدري
تتجاوز مضامين الخطاب الملكي بمناسبة افتتاح السنة التشريعية الجديدة حدود التوجيهات الظرفية، لتطرح جملة من الرهانات الاستراتيجية المرتبطة بالتنمية المجالية، والسيادة الاقتصادية، وإدماج الشباب، وتعزيز مكانة المغرب على الصعيد الدولي، في سياق يستدعي تنسيق السياسات العمومية وتسريع وتيرة تنزيل الإصلاحات.
وفي هذا الإطار، تبرز قراءات سياسية تعتبر أن الخطاب الملكي حدد معالم المرحلة المقبلة، واضعا الحكومة والبرلمان أمام مسؤولية ترجمة التوجهات المعلنة إلى برامج عملية تستجيب للأولويات الوطنية.
وفي هذا السياق، اعتبر رضوان جخا، المحلل السياسي، في تصريح لـ”إعلام تيفي“، أن الخطاب الملكي اتسم بالشمولية وبلغة الثقة والأمل في المستقبل، مبرزا أنه تناول خمسة أبعاد كبرى تندرج ضمن رؤية استراتيجية بعيدة المدى، تستدعي من الحكومة والمؤسسة التشريعية العمل على تنزيلها عبر سياسات عمومية مندمجة، تقوم على الالتقائية والحكامة الجيدة.
وأوضح جخا أن البعد الأول يرتبط بتأكيد عمق الدولة المغربية وعراقة مؤسساتها، وما تتميز به المملكة من استقرار وتعدد في الروافد الثقافية والحضارية، في إطار دولة الأمة التي يقودها الملك محمد السادس بصفته أمير المؤمنين.
ويرى المحلل السياسي أن استحضار هذه الخصوصيات يندرج ضمن إبراز مقومات الاستمرارية والاستقرار التي تشكل أحد مرتكزات النموذج المغربي.
أما البعد الثاني، فيتعلق، بحسب المتحدث، بطموح المغرب الصاعد وما يفرضه من ضرورة وضع استراتيجيات كبرى في مجالات الأمن الغذائي، والإقلاع الصناعي، والاقتصاد الأزرق، والانتقال الرقمي، والسيادة الطاقية، فضلا عن تأمين المخزون الاستراتيجي من المواد الأساسية.
واعتبر جخا أن هذه التوجهات تعكس الحاجة إلى تعزيز قدرة الاقتصاد الوطني على مواجهة التقلبات الخارجية، وضمان استمرارية توفير المواد الأساسية، بما يستدعي انخراطا فعليا للحكومة والبرلمان في بلورة التدابير الكفيلة بتحقيق هذه الأهداف.
وفي ما يتعلق بالبعد الثالث، أبرز المحلل السياسي أن التنمية الجهوية والمجالية احتلت مكانة بارزة ضمن مضامين الخطاب الملكي، في امتداد للعناية التي أولاها الملك محمد السادس لهذا الورش خلال محطات سابقة، من بينها الرسائل الملكية الموجهة إلى المناظرات الوطنية للجهوية.
واعتبر أن تجديد التأكيد على دور الجهات في تحقيق التنمية يوجه رسالة واضحة بشأن ضرورة تجاوز الاختلالات التي تعترض تفعيل الجهوية المتقدمة، وتسريع تنزيل الميثاق الوطني للاتمركز الإداري.
وشدد جخا على أن تفعيل هذا الميثاق يشكل، وفق قراءته، مدخلا لإرساء علاقة أكثر نجاعة بين الدولة والجهات، من خلال توضيح الاختصاصات وتوفير الآليات الإدارية والتشريعية اللازمة لممارسة الصلاحيات المخولة للمجالس الجهوية.
كما لفت إلى أهمية مواكبة الاختصاصات المنقولة بموارد مالية كافية، بما يتيح للجهات تنفيذ برامجها التنموية وتحقيق أثر ملموس على المستوى المحلي، معتبرا أن تجاوز الإكراهات المرتبطة بالتنزيل يظل شرطا أساسيا للانتقال من التصور المؤسساتي إلى النتائج الميدانية.
وأضاف المتحدث أن البعد الرابع يتصل بوضع الشباب في صدارة السياسات العمومية المقبلة، من خلال التركيز على التعليم والتأهيل والإدماج الاجتماعي والاقتصادي، وهي مجالات يرى أنها تتطلب استراتيجية مندمجة تستحضر انتظارات الشباب بمختلف جهات المملكة. مؤكدا أن نجاح هذه المقاربة يقتضي اعتماد آليات للتشاور والإنصات، وإشراك الشباب في بلورة البرامج التي تستهدفهم، بما يضمن استحضار تنوع حاجياتهم وتطلعاتهم.
وفي هذا الإطار، أشار جخا إلى أهمية استكمال تفعيل المؤسسات الدستورية المعنية بقضايا الشباب والعمل الجمعوي، وفي مقدمتها المجلس الاستشاري للشباب والعمل الجمعوي، معتبرا أن تعزيز مشاركة الشباب في الحياة العامة يقتضي توفير قنوات مؤسساتية تتيح لهم التعبير عن آرائهم والمساهمة في صياغة السياسات التي تهم مستقبلهم.
وعلى مستوى السياسة الخارجية، توقف المحلل السياسي عند البعد الخامس المرتبط بالدبلوماسية المغربية والعلاقات مع إسبانيا، معتبرا أن الخطاب الملكي جمع بين التأكيد على أهمية الشراكة الاستراتيجية مع الجارة الشمالية والتمسك بمقاربة تقوم على الحزم في الدفاع عن المصالح الوطنية.
وأوضح أن المغرب، وفق هذه القراءة، يحرص على الحفاظ على علاقاته الاستراتيجية مع إسبانيا وتعزيز التعاون الثنائي، لكنه يرفض في المقابل توظيف العلاقات بين البلدين في الحسابات السياسية الداخلية أو التعامل مع المصالح المغربية باعتبارها موضوعا للمزايدات السياسية.
وأضاف جخا أن البعد الجغرافي يظل معطى ثابتا يفرض تدبير القضايا المشتركة من خلال الحوار والتنسيق والاتفاق على خارطة طريق واضحة، مع ضرورة تحمل كل طرف مسؤولياته بشأن القرارات التي تصدر عن مؤسساته.
كما أشار إلى أن العلاقات الدولية للمملكة تحتاج إلى رؤية استراتيجية واضحة المعالم، قادرة على تأطير الشراكات وتحديد الأولويات وفق المصالح الوطنية والتحولات الإقليمية والدولية.
وخلص المحلل السياسي إلى أن الخطاب الملكي جدد التأكيد على أولوية العدالة المجالية والاهتمام بالمناطق الجبلية، في إطار طموح تحقيق تنمية أكثر توازنا بين مختلف المجالات الترابية.
واعتبر أن بلوغ هذا الهدف يقتضي تسريع تنفيذ البرنامج الملكي للتنمية الترابية المندمجة، إلى جانب ضمان الالتقائية بين السياسات العمومية، وتعزيز الحكامة وآليات التقييم والتقويم، بما يسمح بتصحيح الاختلالات وتحسين نجاعة التدخلات العمومية.





