شقير يكتب: الخطاب الملكي بين السياقات والدلالات

بقلم: محمد شقير
يكتسي الخطاب الملكي بمناسبة افتتاح الدورة الخريفية للبرلمان ، والذي أتى في أعقاب الانتخابات التشريعية لـ23 شتنبر 2026، أهمية سياسية ودستورية تتجاوز الطابع المؤسساتي العادي لهذا الموعد. فهو يشكل لحظة لقراءة العلاقة بين نتائج الاقتراع، وتوجهات المؤسسة الملكية، وانتظارات المواطنين من الأغلبية البرلمانية والحكومة، في سياق يتسم بالنقاش حول المشاركة السياسية واستعادة ثقة الناخبين. حيث أن السؤال المركزي المطروح هو هل يقتصر هذا الخطاب الملكي على تحديد الأولويات الوطنية للمرحلة المقبلة، أم يمكن أن يشكل أيضًا إطارًا سياسيًا لتقييم الرسائل التي حملتها نتائج الانتخابات وإعادة ترتيب العلاقة بين المؤسسات والفاعلين الحزبيين؟
أولا سياقات الخطاب الملكي لافتتاح البرلمان في 9 أكتوبر 2026
لفهم الخطاب الملكي الذي ألقاه الملك محمد السادس أمام أعضاء البرلمان يوم الجمعة 9 أكتوبر 2026، ، ينبغي وضعه ضمن مجموعة من السياقات المتداخلة: السياسي والمؤسساتي، والاجتماعي والاقتصادي، والدبلوماسي، وسياق الثقة في الأحزاب والمؤسسات. فالخطاب جاء في بداية الولاية التشريعية الثانية عشرة، وفي لحظة انتقال من التنافس الانتخابي إلى تشكيل المؤسسات ومباشرة مسؤولياتها. فهذا الخطاب الملكي لا ينبغي قراءته فقط باعتباره افتتاحًا دستوريًا للسنة التشريعية، بل باعتباره تأطيرًا لأولويات المرحلة المقبلة وتحديدًا للرهانات التي ستواجه الحكومة والبرلمان.
السياق السياسي : تقييم نتائج انتخابات 23 شتنبر 2026
انعقد افتتاح الدورة الأولى من السنة التشريعية الأولى للولاية الثانية عشرة يوم الجمعة 9 أكتوبر 2026، أي بعد نحو أسبوعين من انتخابات 23 شتنبر، وفي ظل استمرار مشاورات تشكيل الحكومة. وبذلك جاء الخطاب الملكي في لحظة انتقال من التنافس الانتخابي إلى بناء المؤسسات وتحديد أولويات المرحلة الجديدة. وهكذا تبرز ثلاثة أبعاد لهذا السياق تتمثل في البعد الدستوري من خلال افتتاح هذه السنة التشريعية وفق الفصل 65 من الدستور، بما يؤكد انتظام عمل المؤسسات. و البعد السياسي من خلال انتقال الأحزاب من تدبير التنافس على المقاعد إلى تحمل مسؤولياتها داخل البرلمان والأغلبية والمعارضة. والبعد الاجتماعي من خلال ضرورة تحويل الوعود الانتخابية إلى سياسات تستجيب لانشغالات المواطنين، ولا سيما التشغيل والتعليم والصحة والقدرة الشرائية. ولعل هذا ما جعل الخطاب الملكي مناسبة للانتقال من منطق يتمثل في انتقال الأحزاب من التنافس إلى التدبير حيث يتعين على الفائزين تحويل الوعود الانتخابية إلى سياسات عمومية، وعلى المعارضة ممارسة الرقابة واقتراح البدائل. وكذا تقييم التمثيلية السياسية حيث لا تنتهي مسؤولية الأحزاب بإعلان النتائج؛ بل تبدأ مرحلة اختبار قدرتها على تمثيل المواطنين والاستجابة لمطالبهم. بالإضافة إلى إعادة بناء الثقة حيث تطرح المشاركة السياسية ومدى اقتناع المواطنين بجدوى التصويت سؤالًا يتجاوز توزيع المقاعد إلى العلاقة بين المجتمع والمؤسسات.ومن ثم، فإن التركيز الملكي على مسؤولية البرلمانيين تجاه المواطنين يمكن قراءته في ضوء هذا الانتقال، دون اعتباره تقييمًا صريحًا للنتائج الانتخابية أو إدانة مباشرة للأحزاب.
السياق الاقتصادي والاجتماعي: ضرورة الانتقال من الإنجازات إلى الأثر الاجتماعي
حيث يضع الخطاب الملكي الولاية التشريعية الجديدة أمام تحدي تحقيق التوازن بين النمو الاقتصادي والعدالة الاجتماعية والمجالية، مع الدعوة إلى إطلاق استراتيجيات جديدة في الأمن المائي والطاقي والغذائي، والصناعة والاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي. ويكتسي هذا السياق أهمية خاصة بالنظر إلى انشغالات المواطنين بشأن القدرة الشرائية والتشغيل وجودة الخدمات العمومية. حيث يمكن التمييز هنا بين مستويين:
– منطق الإنجاز الاقتصادي: من خلال مواصلة المشاريع الكبرى والاستثمارات وتعزيز مكانة المغرب الاقتصادية.
– منطق الأثر الاجتماعي: من خلال ضمان انعكاس هذه الإنجازات على فرص الشغل والدخل والخدمات وتقليص الفوارق.
حيث تكمن الإشكالية في أن نجاح السياسات الاقتصادية لا يُقاس بحجم الاستثمارات وحده، بل كذلك بمدى شعور المواطنين بتحسن أوضاعهم. ومن ثم، فإن الخطاب يضع العدالة الاجتماعية في صلب تقييم المرحلة التشريعية المقبلة.
3. السياق الاجتماعي والشبابي: الاحتجاجات وأزمة الثقة
يشدد الخطاب على ضرورة وضع قضايا الشباب في صدارة السياسات العمومية، من خلال التعليم والتأهيل والإدماج الاقتصادي وتكافؤ الفرص، مع ربط ذلك بتعزيز الثقة في المؤسسات. وتكتسب هذه الرسالة أهميتها في سياق النقاش حول احتجاجات الشباب وانتظاراتهم من الدولة، ولا سيما في مجالات الصحة والتعليم والشغل. حيث يمكن فهم هذا التوجه باعتباره انتقالًا من مجرد الاعتراف بأهمية الشباب إلى الدعوة إلى إدماج قضاياهم في السياسات العمومية بصورة أكثر تكاملًا.
4. السياق المؤسساتي: اختلالات الجهوية واللاتمركز الإداري
لم يقتصر الخطاب الملكي على تحديد الأهداف الاقتصادية والاجتماعية، بل شدد على ضرورة تسريع نقل الاختصاصات والموارد البشرية والمالية من المركز إلى الجهات والأقاليم، ومعالجة العراقيل التي تحد من فعالية المؤسسات الجهوية. حيث يعكس ذلك إشكالية مؤسساتية أساسية: فالدولة عادة ما تُعلن عن برامج ومشاريع تنموية، لكن تنفيذها يتعثر إذا لم تتوفر الجهات على الصلاحيات والموارد وآليات التنسيق اللازمة.ومن هنا، فإن الخطاب يربط نجاح المرحلة المقبلة بقدرة الإدارة والمؤسسات الترابية على الانتقال من تدبير مركزي للقرارات إلى تنفيذ ميداني يستجيب لحاجات كل منطقة. ولهذا البعد دلالة سياسية أيضًا، لأن المنتخبين المحليين والبرلمانيين سيواجهون مطالب المواطنين بشأن مشكلات قد تتجاوز صلاحياتهم المباشرة، ما يفرض وضوحًا أكبر في توزيع المسؤوليات بين الدولة والجهات والجماعات الترابية.
5. السياق الدولي: التحولات الجيو-اقتصادية والتنافس على الاستثمار
يشير الخطاب إلى تسارع التحولات الجيو-اقتصادية، ويدعو إلى تعزيز قدرات المغرب في مجالات استراتيجية، منها الطاقة والماء والغذاء والصناعة والاقتصاد الرقمي. وهكذا يمكن قراءة هذه الأولويات في ضوء سعي المغرب إلى تعزيز موقعه ضمن سلاسل الإنتاج والاستثمار الدولية، وتقوية قدرته على مواجهة المخاطر المرتبطة بالتبعية الخارجية واضطراب الإمدادات.وبذلك لا يقتصر الهدف على تحقيق نمو اقتصادي داخلي، بل يشمل أيضًا تعزيز موقع المغرب بوصفه شريكًا اقتصاديًا موثوقًا، مع ربط التنافسية الاقتصادية بالاستقرار الاجتماعي والمجالي.
6. السياق الدبلوماسي: الهجرة والعلاقة مع إسبانيا
فقد جاء الخطاب في ظرف يتسم بتوترات مرتبطة بملف الهجرة والتعاون المغربي الإسباني، وهو ما يفسر تخصيص جزء منه لانتقاد محدودية نموذج التعاون الحالي والدعوة إلى تصور استراتيجي جديد يقوم على التنمية المشتركة والاستقرار الإقليمي. وتتجاوز دلالة هذا السياق تدبير الحدود إلى مسألة أوسع، هي كيفية موازنة المغرب بين التزاماته الدولية، ومصالحه السيادية، ومطالب الشراكة المتكافئة.
كما أن حضور هذا الملف في خطاب افتتاح البرلمان يبرز أن السياسة الخارجية ليست منفصلة عن السياق الداخلي؛ فالهجرة ترتبط أيضًا بقضايا الشباب والتنمية والفرص الاقتصادية، وإن كانت لا تُفسَّر بهذه العوامل وحدها.
ثانيًا: مضامين الخطاب الملكي
حمل الخطاب الملكي الذي ألقاه العاهل المغربي داخل قبة البرلمان مجموعة من المضامين من بينها
1. الانتداب البرلماني مسؤولية وليس مجرد فوز انتخابي
أكد الخطاب أن الانتداب البرلماني «التزام سياسي، وتعاقد أخلاقي» يربط النواب بالمواطنين. وهذه إشارة إلى أن شرعية الفوز بالصندوق ينبغي أن تتجسد في ممارسة تمثيلية فعلية، وفي الدفاع عن مصالح الناخبين ومتابعة تنفيذ السياسات العمومية.
2. جعل الولاية الجديدة منعطفًا اقتصاديًا واجتماعيًا
دعا الملك إلى مواصلة المشاريع الكبرى، وإطلاق استراتيجيات في الأمن المائي والطاقي والغذائي، والصناعة والاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي، مع تحقيق التوازن بين النمو الاقتصادي والعدالة الاجتماعية والمجالية. فنجاح هذه الولاية لا يُقاس فقط باستقرار الأغلبية أو قدرتها على تمرير القوانين، بل أيضًا بمدى انعكاس السياسات على حياة المواطنين.
3. وضع الشباب في صلب السياسات العمومية
شدد الخطاب على التعليم والتأهيل والإدماج الاقتصادي وتكافؤ الفرص، وربط ذلك بتعزيز الثقة في المؤسسات وإمكانات الارتقاء الاجتماعي.وتكتسب هذه الرسالة أهمية في ضوء النقاش الذي رافق الانتخابات حول عزوف فئات من الشباب عن المشاركة السياسية. لكنها لا تعني، في حد ذاتها، أن الخطاب قدم تفسيرًا مباشرًا للعزوف؛ بل إنها تبرز أحد المداخل الممكنة لمعالجة أسبابه الاجتماعية والمؤسساتية.
4. التشديد على العمل الميداني والعدالة المجالية
دعا الملك إلى تسريع تفعيل اللاتمركز الإداري، ونقل الصلاحيات والموارد إلى الجهات والأقاليم، وتجاوز العراقيل التي تعطل عمل المؤسسات الجهوية. حيث يضع هذا التوجه سياسيًا، المنتخبين أمام اختبار محلي ومجالي: هل يستطيعون نقل مطالب دوائرهم إلى المؤسسات وتحويلها إلى حلول ملموسة، أم ستظل العلاقة مع الناخب محصورة في الحملات والمواعيد الانتخابية؟
ثالثا : الخطاب الملكي و قضية الهجرة
احتل ملف الهجرة غير النظامية مكانة لافتة في خطاب الملك محمد السادس بمناسبة افتتاح الدورة الأولى من السنة التشريعية الأولى للولاية التشريعية الثانية عشرة، يوم 9 أكتوبر 2026. ولم يقتصر تناول هذا الملف على استعراض نتائج التعاون المغربي في مجال تدبير الهجرة، بل انتقل إلى مساءلة نموذج التعاون القائم، وحدود الشراكة مع إسبانيا، وشروط استمرارها في إطار احترام السيادة والمصالح المتبادلة. إذ يمكن قراءة هذا الجزء من الخطاب باعتباره رسالة متعددة المستويات سواء إلى إسبانيا، أوإلى الشركاء الأوروبيين، أوإلى الأوساط السياسية والإعلامية التي توظف ملف الهجرة في النقاش الداخلي، وكذلك إلى المؤسسات المغربية المعنية بتدبير هذه القضية. فقدأقر الخطاب الملكي بأن المقاربة المغربية في تدبير الهجرة حققت نتائج ملموسة، لكنه شدد في الوقت نفسه على أن نموذج التعاون الحالي أصبح متجاوزًا، وأن الأزمات المتكررة تكشف الحاجة إلى تغييره. وتكمن أهمية هذا الانتقال في أنه يميز بين نجاعة التعاون القائم بين المملكتين من خلال الاعتراف بما حققه المغرب من نتائج في تدبير الهجرة ومكافحة الهجرة غير النظامية ،والتساؤل عما إذا كانت الآليات القانونية والأمنية والمؤسساتية القائمة قادرة على معالجة الأزمات المتكررة وتوزيع المسؤوليات بصورة متوازنة. وهكذا ، فليس من الضروري قراءة الخطاب باعتباره تراجعًا عن التعاون مع إسبانيا، بل يمكن فهمه بوصفه دعوة إلى إعادة صياغة شروطه وآلياته. فالمغرب لا يرفض الشراكة من حيث المبدأ، وإنما يطالب بنموذج يراه أكثر توازنًا وفعالية.
– الرسائل الموجهة إلى إسبانيا حيث تتضمن صياغة الخطاب ثلاث رسائل أساسية:
1. رفض اختزال الشراكة في التعاون الأمني حيث أقر الخطاب الملكي بتطور الشراكة المغربية الإسبانية في مجالات متعددة، ومنها مكافحة الهجرة غير النظامية، لكنه أشار إلى وجود عقبات قانونية وقضائية تحول، بحسب الخطاب، دون ترحيل بعض القاصرين والأشخاص الذين وصفهم بأنهم ينتحلون صفة اللجوء. حيث يمكن فهم ذلك سياسيًا، باعتباره مطالبة بإعادة النظر في توزيع المسؤوليات بين البلدين، بدل أن يظل التعاون مركزًا على مراقبة الحدود وإيقاف تدفقات الهجرة.
2. التأكيد على سيادة القرار المغربي حيث كانت العبارة الأكثر دلالة في هذا السياق هي تأكيد الملك أن الشراكة «اختيار سيادي، والتزام إرادي»، وأنها لن تكون محل ضغط أو تهديد أو ابتزاز. وتحمل هذه الصياغة دلالتين: دبلوماسيا في رفض التعامل مع التعاون في الهجرة باعتباره التزامًا مغربيًا أحادي الجانب، أو ورقة يمكن استخدامها للضغط على الرباط. و سياديًا في التأكيد الملكي على أن استمرار الشراكة وشروطها يجب أن يستندا إلى التوافق والمصالح المتبادلة.وهذا لا يعني بالضرورة التلويح بقطع التعاون مع إسبانيا، بل يضع حدودًا سياسية للطريقة التي ينبغي أن يُدار بها هذا التعاون.
3. الاعتراض على تسييس ملف الهجرة حيث انتقد الخطاب ما وصفه بالتصريحات غير المسؤولة والاستغلال السياسي والإعلامي للملف. حيث تكتسب هذه الرسالة أهميتها السياسية بكون الهجرة في إسبانيا ليست قضية حدودية فقط؛ فهي أيضًا موضوع للنقاش الحزبي والانتخابي، وتدخل في الجدل حول الأمن واللجوء والاندماج الاجتماعي.وبالتالي، يمكن قراءة الموقف المغربي باعتباره اعتراضًا على تحويل ملف تتداخل فيه المصالح الثنائية والاعتبارات الإنسانية والقانونية إلى أداة في التنافس السياسي الداخلي الإسباني.
من هنا يشكل هذا الخطاب دعوة معلنة إلى مراجعة نموذج التعاون، لا عن قطيعة دبلوماسية أو تحول نهائي في السياسة الخارجية. فقد جمع الخطاب بين الإقرار بالتطورات الإيجابية في الشراكة وبين التشديد على أوجه القصور التي يرى المغرب أنها باتت تستدعي التغيير. وهذا الجمع بين الاعتراف بالمكاسب والمطالبة بالمراجعة يسمح للرباط بالحفاظ على مبدأ التعاون، مع السعي إلى تعديل شروطه.
ومن أبرز المؤشرات على هذا التوجه إعلان تقديم وثيقة استراتيجية إلى الشركاء، بهدف إرساء توجه جديد يقوم على التنمية المشتركة والتنافسية الاقتصادية والاستقرار الإقليمي. فالخطاب الملكي لم يحصر الرؤية الجديدة في الهجرة وحدها، بل وضعها ضمن تصور أوسع للعلاقات مع الشركاء. وهذا يفتح المجال لربط تدبير الهجرة بالتنمية الاقتصادية، والتعاون الإقليمي، والاستقرار، بدل التعامل معها باعتبارها ملفًا أمنيًا منفصلًا.وهكذا، تكشف قضية الهجرة المثارة في الخطاب عن ثلاثة مستويات مترابطة:
– المستوى الحدودي، المرتبط بتدبير تدفقات الهجرة ومكافحة الشبكات الإجرامية.
– المستوى القانوني، المرتبط بإجراءات إعادة القاصرين والضمانات المقررة لطالبي اللجوء.
– المستوى الاجتماعي والسياسي، المرتبط بدوافع الهجرة، ولا سيما لدى الشباب، وبكيفية توظيف القضية في الخطاب الحزبي والإعلامي.
ولا يمكن معالجة هذه المستويات بآلية أمنية واحدة؛ إذ يتطلب التعاون المستدام تنسيقًا مؤسساتيًا، واحترامًا للقانون، ومعالجة للعوامل الاجتماعية والاقتصادية التي تدفع إلى الهجرة. وبالتالي ، فالدلالة السياسية الأعمق لهذا الجزء من الخطاب الملكي تكمن ف إعادة تعريف الشراكة من خلال الانتقال من التعاون الذي يُقاس أساسًا بنتائج ضبط الحدود إلى شراكة أوسع تشمل التنمية وتقاسم المسؤوليات. و
الحرص على تعزيز موقع المغرب التفاوضي من خلال تقديم التعاون في الهجرة باعتباره جزءًا من علاقة استراتيجية متبادلة، لا خدمة يقدمها طرف للطرف الآخر. و كذا ربط السياسة الخارجية بالاستقرار الداخلي: فالتشغيل وإدماج الشباب وتحسين فرص العيش في المغرب عوامل يمكن أن تسهم في معالجة بعض دوافع الهجرة، إلى جانب التعاون الدولي. وبالتالي ، فإن تناول الهجرة مع إسبانيا في الخطاب الملكي لا يمثل مجرد تفصيل ضمن افتتاح البرلمان، بل يطرح إشكالية أوسع تتعلق بموقع المغرب في علاقته بأوروبا وبكيفية تدبير ملفات المصالح المتبادلة.فالرسالة الأساسية هي أن المغرب يريد استمرار الشراكة، ولكن ضمن نموذج يعتبره أكثر توازنًا ويحترم سيادته ومصالحه.
رابعا : الخطاب الملكي وتقييم نتائج انتخابات 23 شتنبر 2026
تضمن الخطاب الملكي تهنئة أعضاء مجلس النواب على ثقة الناخبين، لكنه لم يُقدَّم باعتباره إعلانًا عن فوز حزب بعينه أو إدانة لحزب آخر. فبالرجوع إلى النص المنشور للخطاب الملكي ليوم 9 أكتوبر 2026، لا نجد إعلانًا مباشرًا عن نسبة العزوف، ولا تفسيرًا صريحًا لضعف المشاركة في انتخابات 23 شتنبر. غير أن بعض مضامين الخطاب تتيح قراءة سياسية مرتبطة بإشكالية الثقة والتمثيل. فعندما يصف الملك الانتداب البرلماني بأنه «التزام سياسي، وتعاقد أخلاقي» يربط النواب بالمواطنين، فإنه يضع العلاقة بين المنتخب والناخب في صلب المسؤولية البرلمانية. ويمكن قراءة ذلك في ضوء التحدي الذي تطرحه المشاركة المحدودة و كيف تتحول المقاعد المحصل عليها انتخابيًا إلى تمثيل فعلي يستجيب لتطلعات المواطنين. كما أن ربط الخطاب بين التعليم والتأهيل والإدماج الاقتصادي وبين تعزيز ثقة الشباب في المؤسسات وآفاق الترقي الاجتماعي فيه دلالة، أن العزوف لدى الشباب لا يمكن فصله عن شعور بعضهم بضعف تأثير المشاركة السياسية في أوضاعهم اليومية. في حين أن تشديد الخطاب الملكي على معالجة المشكلات المحلية وتحسين الخدمات العمومية يمكن فهمه باعتباره تأكيدًا على ضرورة ردم الفجوة بين المؤسسات وانتظارات المواطنين. كما أن التشديد على المسؤولية والعدالة الاجتماعية والثقة في المؤسسات يمكن قراءته بوصفه تحديدًا لمعايير العمل خلال الولاية الجديدة، حيث أن الخطاب الملكي لا يعفي أي طرف من المسؤولية: فالأغلبية مطالبة بالتنفيذ، والمعارضة مطالبة بالرقابة والاقتراح، والنواب جميعًا مطالبون بالوفاء بالتزاماتهم التمثيلية.
وعموما يمكن اعتبار خطاب افتتاح الدورة الخريفية لسنة 2026 خطابًا يؤطر انطلاق الولاية التشريعية الجديدة من خلال الجمع بين الطموح الاقتصادي، والعدالة الاجتماعية والمجالية، وإدماج الشباب، والمسؤولية التمثيلية. وتتمثل إحدى أهم دلالاته السياسية في نقل مركز الاهتمام من مجرد نتائج الانتخابات إلى ما ستنتجه المؤسسات من سياسات وأداء. أما السؤال الذي يظل مفتوحًا فهو: هل ستتمكن الأحزاب من تحويل الرسائل التي تضمنها الخطاب إلى ممارسة سياسية تعيد الثقة للمواطنين، أم ستظل الفجوة قائمة بين الخطاب المؤسساتي وانتظارات المجتمع؟ وهنا تبرز خصوصية مرحلة ما بعد انتخابات 23 شتنبر: فالتحدي لا يتعلق فقط بتشكيل أغلبية حكومية مستقرة، بل أيضًا بمدى قدرة النظام الحزبي والتمثيلي على جعل المشاركة السياسية ذات معنى ملموس في حياة المواطنين.





