في خضم المعلومة المغلوطة..تشكيل الأغلبية عملية طويلة ومحفوفة بالتوتر

بشرى عطوشي
جلست رئيسة الحكومة المكلفة ورئيس الحكومة المنتهية ولايته جنباً إلى جنب في الصف نفسه، للاستماع إلى الخطاب الملكي بمناسبة افتتاح الولاية التشريعية الجديدة. وبينما بدا سلفها مرتاحاً ومطمئناً، كانت خليفته مشدودة الأعصاب، تضغط عليها عوامل الوقت المتعلقة بتشكيل الأغلبية وتأليف الحكومة.
وفي خطابه، دعا الملك محمد السادس إلى تسريع وتيرة الإصلاحات وضمان أن تحقق السياسات العمومية نتائج ملموسة، لا سيما في مجالات التنمية الترابية والعدالة الاجتماعية والحد من التفاوتات. كما شدد على مسؤولية البرلمانيين والمنتخبين، داعياً إياهم إلى تغليب المصلحة العامة على الحسابات الحزبية والاستجابة بفعالية أكبر لتطلعات المواطنين. وفيما يتعلق بملف الهجرة، دعا إلى اعتماد مقاربة متجددة ترتكز على التنمية المشتركة والتعاون، مؤكداً في الوقت ذاته أن شراكة المغرب مع جيرانه يجب أن تقوم على الاحترام المتبادل، وألا تخضع لأي ضغوط أو محاولات ابتزاز.
ولا شك أن التوجيهات الملكية قد زادت من حجم الضغوط الملقاة على عاتق رئيسة الحكومة الجديدة، التي تحاول -بكل ما أوتيت من جهد- تدبير واستيعاب تعقيدات ومتاعب المشاورات السياسية. ومما أضفى مزيداً من “الإثارة” على الأيام الطويلة التي تعيشها الشخصية العشرين التي تتولى رئاسة الحكومة المغربية، تداولُ الناس -خلال الأيام القليلة الماضية- لقطات شاشة متطابقة عبر الهواتف؛ وهي قوائم تضم نحو ثلاثين اسماً، أُسندت لبعضهم حقائب وزارية بقلم رقمي، في خطوة لا تكلف أصحابها شيئاً. لا أحد يوقع هذه القوائم، لكن الجميع يعلق عليها.
إن تشكيل الأغلبية عملية طويلة ومحفوفة بالتوتر، ويزيد غياب المعلومات الرسمية من حدة هذا الوضع؛ فحين تتفاوض الأحزاب خلف أبواب مغلقة، تجد الشائعات طريقها لتملأ الفراغ وتسيطر على المشهد.
يتم ملء الصمت بأسماء وأرقام وتحالفات تنشأ وتتفكك من ساعة لأخرى. تسعى بعض هيئات التحرير -للأسف- وراء الشائعات، وتعمل شبكات التواصل الاجتماعي على تضخيمها، لينتهي بنا المطاف بمناقشة حكومة لا وجود لها على أرض الواقع.
وما ينبغي أن يستوقفنا هو مصدر بعض هذه الأنباء؛ فتسريب اسم ما ليس دائماً مجرد زلة لسان أو إفشاءً غير مقصود، بل قد يكون أحياناً خطوة متعمدة وموجهة. إذ قد يقوم زعيم حزب -يرغب في التأثير على القرارات النهائية- بتداول اسمه أو اسم أحد المقربين منه لخلق انطباع بأن الأمر تحصيل حاصل.
وفي المقابل، قد يسعى آخر لتسريب إسم منافس له مقروناً بحقيبة وزارية تفوق قدراته، أملاً في “حرقه” سياسياً. إنها أساليب قديمة لكنها فعالة، لأن التكرار يضفي ثقلاً ومصداقية على أمور لم تكن تملك أياً منهما في الأصل.
والضرر هنا حقيقي، ويقع على عاتق أشخاص لم يسعوا لذلك؛ فالمسؤول الكفء -المرشح لتولي حقيبة تقنية- قد يجد اسمه متداولاً مئات المرات في غضون أسبوع واحد.
وعند صدور القرار النهائي، يُنظر إليه باعتباره شخصية “أكثر من اللازم” في دائرة الضوء، فيُستبعد؛ لا لقصور في كفاءته، بل بسبب الضجيج الإعلامي الذي أحاط به.
لقد دفع مرشحون محتملون كثرٌ هذا الثمن في تشكيلات حكومية سابقة، حيث صُوِّر استبعادهم من القائمة على أنه عقوبة، بينما لم يكن في الواقع سوى نتيجة لتلك الضجة المفتعلة.
ولا بد أيضاً من التذكير بآلية اتخاذ القرار؛ إذ تقترح رئيسة الحكومة المكلفة تشكيلة وزارية، وتخضع مقترحاتها بعد ذلك للدراسة والتدقيق على مستوى الديوان الملكي.
ولا يوجد أي مبرر يجعل هذه المسار المؤسساتي يرضخ لإملاءات بشأن اختيار الوزراء تفرضها الأطراف الأكثر صخباً ومطالبة. إن أي قائمة يجري تداولها لا تُلزم رئيسة الحكومة المكلفة ولا القصر الملكي بشيء، بل إنها تمس فقط بمصداقية الجهات التي قامت بنشرها.
ومع ذلك، يظل من الممكن -بطبيعة الحال- تحليل هذه المعطيات. لا شك أن موازين القوى بين الأحزاب واقع ملموس، وأن بعض الشخصيات تكون أكثر ملاءمة لوزارات بعينها، ومن حق أي كاتب رأي أن يحدد من يراه الأنسب لتولي حقيبة وزارية ما؛ فهذا يندرج في إطار التحليل والتعليق.
غير أن عرض فرضية ما على أنها حقيقة ثابتة أمر مختلف تماماً، وهنا تكمن النقطة التي تُستغل فيها الصحافة دون أن تدرك ذلك دائماً.
ثمة قاعدة بسيطة يمكن أن تفيد الجميع: قبل تداول اسمٍ ما، ينبغي التساؤل عمن له مصلحة في ذلك. فإذا كانت الإجابة واضحة، فإن المصدر يثير شكوكاً جدية؛ أما إذا لم تكن كذلك، فقد تكون المعلومة صحيحة، وحينها يتعين التحقق منها قبل نشرها.
غداً، سينتخب النواب رئيس مجلس النواب، ويُطرح اسمٌ معين بيقين تام لتولي هذا المنصب الذي يُعد ثالث أرفع منصب في الدولة. أما تشكيل الحكومة فسيتم خلال أيام قليلة؛ وحتى ذلك الحين، ستستمر القوائم في التداول، وسيواصل من يروجونها الأمل في أن يُنظر إليهم باعتبارهم مصادر للمعلومات.





