الخطاب الملكي بين الحضور السياسي والاعتزاز الملكي

بقلم: محمد شقير
ترأس الملك محمد السادس عشية يوم الجمعة 9 أكتوبر 2026 افتتاح الدورة الأولى من السنة التشريعية الأولى للولاية التشريعية الثانية عشرة، و ألقى خطاباً أمام أعضاء مجلسي البرلمان، طبقاً للفصل 65 من الدستور. حيث لا تكمن خصوصية هذا الافتتاح في أنه يأتي بعد انتخابات 23 شتنبر 2026، أي في أعقاب تجديد مجلس النواب، بل تميز هذا الافتتاح بتداخل البعدين البروتوكولي والخطابي؛ فمن جهة، جسدت المراسيم الملكية استمرارية المؤسسة الملكية ومكانتها المركزية في المشهد المؤسساتي، ومن جهة أخرى، أعاد الخطاب الملكي تأكيد الاعتزاز بالانتماء الوطني وبالمكتسبات التاريخية والتنموية للمغرب.
أولا- الحضور الأمني والعسكري في افتتاح الدورة البرلمانية
في سياق افتتاح الدورة الأولى من السنة التشريعية الأولى من الولاية التشريعية 12، والولاية الرابعة في عهد الملك محمد السادس ،يمكن قراءة الحضور الأمني والعسكري المصاحب لهذه المناسبة من زاوية الرمزية الملكية، وهيبة الدولة، والعلاقة بين المؤسسة الملكية والمؤسسات الدستورية.
1. الحضور العسكري و تجسيد رمزية الدولة واستمراريتها
إن حضور الحرس الملكي في مراسم الافتتاح لا يُقرأ فقط باعتباره إجراءً بروتوكولياً، بل يدخل ضمن تقاليد تمثيل الدولة في المناسبات الرسمية الكبرى. حيث تبرز دلالاته في ثلاثة مستويات:
– الرمزية الملكية، فالحرس الملكي يعتبر جزءا من الطقوس الرسمية المصاحبة للأنشطة الملكية، بما يعكس الطابع التاريخي للدولة بالمغرب. غير أنه في هذه السنة التشريعية ، فقد تميز بحضور نسوي وازن داخل تشكيلات الحرس الملكي خلال مراسيم افتتاح الدورة الخريفية للبرلمان الشيء الذي قد يكتسب دلالة تتجاوز المؤسسة التشريعية .
فهذا الحضور النسوي في استعراضات الحرس الملكي خلال افتتاح الدورة الخريفية للبرلمان يمكن قراءته ضمن سياق أوسع يتسم بتنامي التمثيلية النسائية داخل المؤسسات السياسية المغربية، من خلال ارتفاع عدد النائبات بمجلس النواب ليبلغ 107 نائبات من أصل 395 عضواً، أي نحو 27.1% من مجموع أعضاء المجلس بعدما لم يتعد 96 نائبة في الولاية التشريعية السابقة حيث أن 32.22% من النائبات الفائزات عبر اللوائح الجهوية تقل أعمارهن عن 35 سنة.
كما يعكس ذلك أيضا تعيين امرأة على رأس الحكومة لأول مرة في تاريخ المملكة. ويتيح تزامن هذه المظاهر طرح فرضية انتقال الحضور النسوي من المجال التمثيلي والتدبيري إلى المجال الرمزي السيادي، بما يعكس صورة دولة تسعى إلى الجمع بين استمرارية تقاليدها الملكية ومظاهر تحديث مؤسساتها.
– تكريس هيبة الدولة واستمراريتها، فاقتران تحية العلم والنشيد الوطني باستعراض الحرس الملكي يجمع بين رموز السيادة الوطنية ومظاهر التشريف العسكري ، بما يربط المراسم المعاصرة بالتراكم التاريخي للمؤسسات الوطنية.
2- العلاقة بين الحضور العسكري والبرلمان:
فالبرلمان يمثل المؤسسة التشريعية المنبثقة عن الانتخابات، بينما يترأس الملك افتتاح السنة التشريعية ويوجه خطاباً إلى أعضاء مجلسي البرلمان، وفق الفصل 65 من الدستور. ومن ثم، يمكن فهم المشهد باعتباره تجسيداً لتداخل ثلاثة أبعاد مؤسساتية: الدولة في بعدها السيادي والرمزي، و المؤسسة الملكية في دورها الدستوري، و البرلمان في وظيفته التشريعية والتمثيلية.
ولا يعني ذلك أن الحضور العسكري يطغى على الوظيفة الدستورية للبرلمان، بل إن دلالته تتحدد ضمن المراسيم التي تؤطر افتتاح العمل التشريعي.
3 الحضور الأمني و حماية المؤسسة وضمان انتظام المراسم
لم يقتصر الحضور الأمني على انتشار عناصر الأمن والشرطة في محيط البرلمان والطرق المؤدية إليه، لحماية الشخصيات الرسمية، وتنظيم حركة المرور، وضمان سلامة الحاضرين ، بل سجل حضور شخصيات أمنية سامية تمثلت في المدير العام للامن الوطني و الإدارة العامة لمراقبة التراب الوطني السيدعبد اللطيف حموشي الذي كان حاضراً في الصفوف الأمامية خلال افتتاح البرلمان يوم 9 أكتوبر 2026. وبالتالي يمكن قراءة هذا الحضور من خلال ثلاثة مستويات:
– إبراز المكانة المؤسساتية للأمن، فوجود المسؤول الأول عن الأمن الوطني في موقع متقدم قد يعكس أهمية المؤسسة الأمنية ضمن منظومة الدولة، إلى جانب المؤسسات المدنية والعسكرية.
– التمييز بين الشرعية السياسية والوظيفة الأمنية: فالبرلمان يضم ممثلين منتخبين، بينما يحضر المدير العام للأمن الوطني بصفته مسؤولاً مؤسساتياً. واجتماع الطرفين في مناسبة دستورية واحدة يجسد تكامل وظائف الدولة.
– رمزية المرحلة الجديدة: ففي افتتاح أول دورة تشريعية بعد انتخابات 23 شتنبر 2026، يمكن أن يقرأ حضور المسؤول الأمني في الصفوف الأمامية ضمن صورة أوسع لاستمرارية مؤسسات الدولة مع تجدد النخب البرلمانية والحكومية.
ثانيا : دلالة الاعتزاز الملكي في الخطاب الملكي
يمكن تحليل دلالة الاعتزاز الملكي في الخطاب الملكي بمناسبة افتتاح الدورة الخريفية للبرلمان بعد انتخابات 23 شتنبر 2026 من خلال التمييز بين الاعتزاز بوصفه تعبيراً عن تقييم إيجابي لمسار معين، وبين الرسائل السياسية والمؤسساتية التي يمكن أن يحملها هذا التعبير في سياق ما بعد الانتخابات التشريعية .
فالاعتزاز الملكي، متى ارتبط بإنجازات وطنية أو بمجهودات مؤسسات الدولة والمواطنين، لا يقتصر على البعد الوجداني أو الاحتفالي، بل يمكن أن يؤدي وظائف رمزية وسياسية متعددة، تتعلق بتثمين المنجز الوطني، وتأكيد الاستمرارية، وتحديد الأولويات المقبلة.
1- الاعتزاز بالهوية الوطنية والشرعية التاريخية
استحضر الملك محمد السادس في خطابه يوم 9 أكتوبر 2026 قوله: «إن أغلى إحساس عندي في حياتي، هو اعتزازي بمغربيتي»، وهي عبارة سبق أن وردت في خطاب سنة 2014، مع التأكيد على أن هذا الشعور يزداد قوة ورسوخاً. ويحمل استحضار هذه العبارة دلالات متعددة:
– دلالة الاستمرارية من خلال استحضار الهوية الدينية في إطار إمارة المؤمنين، إلى جانب تعدد المكونات الحضارية، يقدم الانتماء المغربي باعتباره إطاراً جامعاً للتنوع.
2- الاعتزاز بالمنجزات وتثبيت الثقة في المسار الوطني
يربط الخطاب الملكي الاعتزاز بالوطن بما تحقق من مكاسب سياسية ودبلوماسية، وإنجازات تنموية واقتصادية واجتماعية. وهنا ينتقل الاعتزاز من مستوى الهوية والرمزية إلى مستوى تقييم مسار الدولة ومشروعاتها.
وتكمن أهمية ذلك في أن الاعتزاز بالمنجزات لا يُطرح باعتباره اكتفاءً بما تحقق، بل باعتباره أساساً لمواصلة الإصلاح. فالخطاب يجمع بين تثمين المكتسبات والإقرار الضمني بأن المرحلة المقبلة تتطلب عملاً إضافياً، خصوصاً في مجالات التنمية والعدالة الاجتماعية والمجالية.
3- الاعتزاز بوصفه رسالة إلى الطبقة السياسية بعد انتخابات 23 شتنبر
فقد جاء الاعتزاز الوطني في افتتاح ولاية تشريعية جديدة، عقب الانتخابات، وفي لحظة انتقال من التنافس الحزبي إلى ممارسة المسؤولية الحكومية والبرلمانية. لذلك يمكن قراءة هذا الخطاب في ثلاثة مستويات:
– الانتقال من التنافس إلى المسؤولية حيث تكمن الرسالة الملكية الأساسية في أن الانتماء الوطني لا ينبغي أن يظل مجرد شعار انتخابي، بل يجب أن يتحول إلى عمل مؤسساتي يخدم المواطنين، بعيداً عن الاكتفاء بالانتصار الحزبي أو الحسابات الانتخابية.
– ربط الشرعية الانتخابية بالوفاء للمواطنين، فحصول البرلماني على أصوات الناخبين يمنحه تفويضاً تمثيلياً، لكنه لا يعفيه من الالتزام تجاههم. ويتعزز هذا المعنى في تأكيد الخطاب أن الانتداب البرلماني التزام سياسي وتعاقد أخلاقي مع المواطنين.
– جعل الإنجاز معياراً للممارسة السياسية حيث يمكن فهم الاعتزاز الملكي بالمنجز الوطني باعتباره دعوة إلى أن تستمد المؤسسات السياسية مصداقيتها من قدرتها على تحسين حياة المواطنين، وليس فقط من نتائج الانتخابات أو من عدد المقاعد المحصل عليها.
– هل يحمل الاعتزاز الملكي رسالة بشأن العزوف الانتخابي؟ حيث ينبغي هنا التمييز بين ما ورد صراحة في الخطاب وما يمكن استنتاجه تحليلياً. فالاعتزاز بالوطن لا يعني بالضرورة تجاهل الإشكالات التي كشفت عنها المشاركة الانتخابية.
ويمكن أن يشكل مدخلاً للتفكير في العلاقة بين الانتماء الوطني والثقة في المؤسسات السياسية.فإذا كان الاعتزاز بالوطن يحول الانتماء إلى مسؤولية، فإن السؤال الذي يطرح نفسه هو: كيف يمكن تحويل هذا الانتماء إلى مشاركة سياسية ومؤسساتية فعلية؟ومن هذه الزاوية، يمكن استخلاص ثلاثة أسئلة موجهة إلى الأحزاب والبرلمان:
– هل تنجح الأحزاب في جعل المشاركة الانتخابية وسيلة للتأثير في السياسات العمومية؟
– هل تستطيع المؤسسات تحويل الاعتزاز الوطني إلى ثقة في العمل السياسي؟
– هل ينعكس هذا الاعتزاز على تحسين الخدمات العمومية والاستجابة لمطالب الشباب والفئات المتضررة من غلاء المعيشة؟
وبالتالي ، فلا يبدو الاعتزاز الملكي في هذا الخطاب مجرد تعبير عن الفخر بتاريخ المغرب وهويته، بل يرتبط أيضاً بتصور للمسؤولية الوطنية، قوامه تحويل الانتماء إلى التزام، والثقة إلى واجب، والمنجزات إلى حافز لمواصلة الإصلاح. وفي سياق ما بعد انتخابات 23 شتنبر 2026، تكتسب هذه الرسالة أهمية خاصة لأنها تنقل مركز الاهتمام من سؤال من فاز انتخابياً إلى سؤال ما الذي ستقدمه المؤسسات السياسية للمواطنين خلال الولاية الجديدة.
وعموما ، فافتتاح الملك للدورة البرلمانية لا يقتصر على كونه مناسبة مرتبطة بانطلاق العمل التشريعي، بل يمثل أيضاً مشهدًا مؤسساتياً ورمزياً تتقاطع فيه شرعية الملكية مع المؤسسات المنتخبة ومختلف مكونات الدولة. إذ تكتسب مراسيم افتتاح البرلمان أهمية خاصة لأنها تجمع في فضاء واحد الملك، وممثلي الأمة، وأعضاء الحكومة، ومسؤولي المؤسسات الدستورية، وشخصيات مدنية وعسكرية وأمنية.ومن ثم، فإن هذه المناسبة التشريعية السنوية تؤدي ثلاث وظائف متداخلة:
– وظيفة دستورية: من خلال الإعلان عن انطلاق الدورة البرلمانية وتوجيه الخطاب الملكي إلى أعضاء البرلمان.
– وظيفة سياسية: من خلال عرض التوجهات الكبرى للدولة أمام ممثلي المؤسسات المنتخبة ومختلف الفاعلين السياسيين.
– وظيفة رمزية: من خلال إبراز استمرارية الدولة ووحدة مؤسساتها، رغم اختلاف وظائفها ومواقعها في النظام السياسي.
وبهذا المعنى، لا يمثل الافتتاح مجرد إجراء تشريعي، بل يشكل أيضاً لحظة لإعادة تقديم صورة النظام السياسي المغربي ومكوناته. إذ يمكن اعتبار حضور الملك في افتتاح البرلمان تجسيداً لموقع المؤسسة الملكية في قلب النظام السياسي المغربي، باعتبارها مؤسسة تتجاوز وظيفتها العلاقة الإجرائية بالبرلمان، لتشمل أدواراً دستورية وتحكيمية وتوجيهية.
كما أن اجتماع ممثلي السلطات والمؤسسات في حضور الملك يعكس مركزية المؤسسة الملكية في تنظيم المشهد المؤسساتي للدولة. فافتتاح الملك للدورة التشريعية لا يمكن اختزاله في كونه مناسبة إجرائية لانطلاق العمل البرلماني، بل يشكل مشهداً سياسياً ورمزياً تتقاطع فيه مختلف مكونات الدولة، من المؤسسة الملكية والمؤسسات المنتخبة إلى الجهازين الحكومي والأمني والعسكري.
ويبرز هذا الاجتماع مركزية المؤسسة الملكية في بنية النظام السياسي المغربي، باعتبارها رمزاً لوحدة الأمة وضامناً لاستمرارية الدولة وحكماً أسمى بين مؤسساتها. غير أن هذه المركزية لا تعني دستورياً اندماج السلطات في يد واحدة، بل ينبغي فهمها في إطار ملكية دستورية ينص دستورها على فصل السلط وتوازنها وتعاونها، مع إقرار صلاحيات خاصة للملك.
ومن ثم، فإن دلالة الافتتاح تتجاوز الوظيفة التشريعية لتكشف عن الكيفية التي يقدم بها النظام السياسي المغربي نفسه بوصفه منظومة مؤسساتية تتعدد داخلها الوظائف، مع احتفاظ المؤسسة الملكية بموقع محوري في تنظيمها وتأطيرها.





