لماذا يعجز الأداء الإلكتروني عن تقليص تداول النقد بالمغرب؟

أميمة حدري 

سجل حجم النقد المتداول بالمغرب ارتفاعا متواصلا خلال الأشهر الثمانية الأولى من سنة 2026، ليبلغ 550,3 مليار درهم عند متم غشت، مقابل 491 مليار درهم في نهاية دجنبر الماضي، بزيادة بلغت 12,1 في المائة، وفق المعطيات الواردة في التقرير السنوي لبنك المغرب والبيانات المتعلقة بتطور التداول النقدي.

ويأتي هذا الارتفاع في وقت تتواصل فيه جهود تطوير وسائل الأداء الإلكتروني وتوسيع نطاق استخدامها، بما يطرح تساؤلات حول أسباب استمرار الاعتماد على السيولة النقدية ومدى فعالية التدابير المتخذة للحد من انتشارها.

ويشكل الاقتصاد غير المهيكل أحد العوامل المرتبطة باستمرار تداول النقد، إذ قدر بنك المغرب حجمه بنحو 34 في المائة من الناتج الداخلي الإجمالي خلال الفترة الممتدة بين 2021 و2023.

ويؤثر انتشار الأنشطة غير المهيكلة في مساعي توسيع التعاملات المالية عبر القنوات البنكية، بالنظر إلى ارتباط جزء من المعاملات باعتبارات محاسباتية وجبائية، فضلا عن تفضيل بعض المهنيين الاحتفاظ بالسيولة خارج المؤسسات المالية.

وتظهر بيانات بنك المغرب أن ارتفاع عدد البطاقات البنكية لم يواكبه تحول مماثل في طبيعة استخدامها، إذ بلغت قيمة السحوبات النقدية 403 مليارات درهم سنة 2024، مقابل 63 مليار درهم للأداءات بالبطاقات، رغم ارتفاع عدد عمليات الأداء بنسبة 17 في المائة، ليصل إلى 192,5 مليون عملية.

واستمر الاتجاه نفسه خلال سنة 2025، مع ارتفاع عدد البطاقات البنكية بنسبة 7,7 في المائة، ليبلغ 23,5 مليون بطاقة.

وفي المقابل، ارتفعت نسبة البالغين المتوفرين على حساب بنكي إلى 62 في المائة، مقابل 58 في المائة سنة 2024، فيما وصل عدد حسابات الأداء إلى 16,3 مليون حساب، دون أن يؤدي هذا التطور إلى تراجع مماثل في حجم النقد المتداول.

ويظهر هذا التباين أن توسيع الولوج إلى الخدمات المالية لا يضمن بالضرورة استعمالها في المعاملات اليومية، خصوصا في ظل استمرار التعامل النقدي داخل الأسواق التقليدية والمحلات الصغيرة وعدد من الأنشطة الخدماتية.

وتتضح أهمية هذه الإشكالية من خلال تطور الطلب على السيولة خلال الفترات التي تعرف ارتفاعا في النفقات الأسرية، إذ بلغت السحوبات الصافية من شبابيك بنك المغرب نحو 27,2 مليار درهم خلال الفترة الممتدة من 13 إلى 27 ماي الماضي، بالتزامن مع عيد الأضحى، بزيادة قدرها 27 في المائة مقارنة مع الفترة نفسها من سنة 2024.

كما يطرح اكتناز الأموال خارج المؤسسات البنكية تحديا إضافيا أمام جهود تعبئة الادخار وتوجيه الموارد المالية نحو الاقتصاد المنظم.

وفي هذا الإطار، سجل النقد المتداول ارتفاعا بنسبة 20,1 في المائة سنة 2020، خلال الأزمة الصحية، فيما ربط بنك المغرب تباطؤ نمو السيولة سنة 2024، جزئيا، بعملية التسوية الطوعية للوضعية الجبائية للأشخاص الذاتيين، قبل عودة وتيرة ارتفاع الطلب على النقد خلال السنة الموالية.

وتتجاوز آثار استمرار التداول النقدي مسألة اختيار وسيلة الأداء، لتشمل الكلفة المرتبطة بإصدار الأوراق النقدية ونقلها وتأمينها وفرزها وتدبيرها.

وقدرت الكلفة الاقتصادية لتدبير النقد بنحو 0,3 في المائة من الناتج الداخلي الإجمالي سنة 2023، وفق المعطيات الواردة في التقرير، وهو ما يعزز توجه السلطات النقدية نحو تشجيع البدائل الرقمية وتوسيع استعمالها في المعاملات التجارية والخدماتية.

وفي إطار التدابير الرامية إلى تعزيز الأداء الإلكتروني، دخلت سقوف جديدة لعمولات التبادل حيز التنفيذ ابتداء من فاتح أكتوبر الجاري، بموجب القرار رقم 265/W/2026.

وشمل التعديل خفض السقف العام إلى 0,5 في المائة بالنسبة إلى البطاقات المغربية، مقابل 0,65 في المائة سابقا، وإلى 0,15 في المائة بالنسبة إلى تجارة القرب والأداءات الحكومية، مع منع تحميل عمولة القبول للزبون.

وتظهر المعطيات المتاحة أن التحدي المطروح أمام بنك المغرب لا يرتبط فقط بتطوير وسائل الأداء الإلكتروني، بل يشمل أيضا توسيع استعمالها الفعلي، وتقليص التكاليف التي تحد من اعتمادها، ومعالجة العوامل التي تدفع الأفراد والمهنيين إلى تفضيل النقد.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى