الاستقبال الملكي لرئيسة الحكومة بين الدلالات و الاشارات

بقلم: محمد شقير
يعتبر استقبال الملك محمد السادس لفاطمة الزهراء المنصوري، يوم الأربعاء 14 أكتوبر 2026، بصفتها رئيسة الحكومة المكلّفة بتشكيل الحكومة الجديدة، بعد استقبال التعيين الملكي في 29 شتنبر 2026، محطة لافتة في مسار تشكيل الحكومات بالمغرب. ليتم التساؤل حول ما إذا كان هذا الاستقبال الملكي لرئيس حكومة بصدد تشكيل حكومته سابقة بروتوكولية لم تحدث من قبل، أم أنه يكتسي دلالة سياسية خاصة بسبب توقيته ومضمونه؟
-قراءة في دلالة الاستقبال الملكي لرئيسة الحكومة المعينة
نص بلاغ الديوان الملكي الصادر في 14 أكتوبر 2026 على ما يلي :” استقبل صاحب الجلالة الملك محمد السادس، نصره الله، يوم الأربعاء 14 أكتوبر 2026، بالقصر الملكي بالرباط، السيدة فاطمة الزهراء المنصوري، رئيسة الحكومة المكلفة بتشكيل الحكومة الجديدة. وخلال هذا الاستقبال، أَطْلعت السيدة رئيسة الحكومة، صاحب الجلالة الملك محمد السادس، أعزه الله، على مُختلَف المراحل التي قطعها مسار تشكيل الحكومة. وبهذه المناسبة، أعرب جلالة الملك، حفظه الله، للسيدة رئيسة الحكومة المكلفة عن متمنياته لها بالتوفيق والنجاح في مهمتها، مؤكدا جلالته على ما تتطلبه المرحلة المقبلة من تعبئة شاملة، وأداء حكومي جاد ومسؤول، استحضارا لحجم الرهانات والتحديات والانتظارات، وفي مختلف المستويات. ويندرج هذا الاستقبال الملكي في إطار الصلاحيات الدستورية الموكولة لجلالته، وحرصه المولوي على ضمان حسن سير المؤسسات “
وبالتالي ، فهناك ثلاث قراءات أساسية تسمح بها صياغة البلاغ وسياقه السياسي.
*المستوى التوجيهي: من خلال التأكيد على ضرورة تشكيل حكومة منسجمة وقادرة على الاستجابة للانتظارات الاجتماعية والاقتصادية.
* المستوى السياسي: احتمال أن يكون وراء التشديد على الجدية والمسؤولية تنبيه إلى أن المرحلة المقبلة لا تحتمل إطالة المشاورات أو تقديم الحسابات الحزبية الضيقة على متطلبات العمل الحكومي.غير أن المستوى الثاني يظل تأويلاً سياسياً، ولا يمكن الجزم بأنه يعكس عدم رضا ملكياً عن سير المفاوضات.
-القراءة الثالثة تتعلق بربط الاستقبال بتركيبة الأغلبية الحكومية والصعوبات التي قد تعترض توزيع الحقائب بين مكونات أغلبية حكومية تضم أربعة أحزاب وهي حزب الأصالة والمعاصرة المتصدر للانتخابات ، والاستقلال، والاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، والتقدم والاشتراكية. حيث أشار البلاغ المتعلق بها إلى التوافق حول تشكيل أغلبية منسجمة، ذات تقارب فكري وسياسي ورؤية إصلاحية مشتركة. فالإعلان عن الأغلبية لا يعني أن كل العقبات قد زالت، حيث أن الاتفاق السياسي الأولي لا ينهي بالضرورة التفاوض حول توزيع الحقائب الوزارية واختيار الأسماء والاتفاق على أولويات البرنامج الحكومي.فالانتقال من الاتفاق على الأغلبية إلى تشكيل الحكومة فعلياً قد يطرح تحديات تتعلق بتوازنات الأحزاب، وحجم تمثيل كل حزب، وطبيعة الحقائب السيادية والاقتصادية راء هذا الاستقبال الملكي فهو يشكل سابقة والاجتماعية، ومدى قدرة القيادة الحكومية على ضمان الانسجام.
لكن كيفما كانت الأسباب ، فهذا الاستقبال الملكي بشكل سابقة في تشكيل الحكومات
-الاستقبال الملكي كسابقة في تشكيل الحكومات
تُظهر المقارنة مع التجارب الحكومية السابقة اختلافاً في طبيعة اللقاءات المعلنة:
– ففي حكومة عبد الإله بنكيران: ارتبط الاستقبال الملكي المعلن بتعيينه رئيساً للحكومة وتكليفه بتشكيلها.
-وفي حكومة سعد الدين العثماني: ارتبط الاستقبال بالتعيين الملكي عقب تعثر مشاورات تشكيل الحكومة في عهد بنكيران.
-وفي حكومة عزيز أخنوش: استقبله الملك يوم 10 شتنبر 2021 وعيّنه رئيساً للحكومة، وكلّفه بتشكيلها.
أما بالنسبة لحكومة فاطمة الزهراء المنصوري، فقد تميز المسار بإعلان استقبال ملكي ثانٍ، يوم 14 أكتوبر، خُصّص للاطلاع على تقدم المشاورات بعد تكليفها بالتشكيل. وعليه، فإن الجديد الواضح في الحالة الحالية هو الإعلان عن استقبال ملكي مخصص لتتبع تقدم عملية تشكيل الحكومة، منفصل عن استقبال التعيين والتكليف. من هنا يمكن قراءة هذا الاستقبال من خلال ثلاثة مستويات مترابطة:
أولاً: الانتقال من التعيين إلى تتبع التشكيل.
فالاستقبال الأول في 29 شتنبر ارتبط بممارسة الملك اختصاصه الدستوري في تعيين رئيسة الحكومة وتكليفها بتشكيلها، بينما جاء استقبال 14 أكتوبر للاطلاع على تقدم المشاورات. ويتيح هذا التمييز قراءة الاستقبال الملكي الثاني باعتباره إشارة مؤسساتية إلى أهمية الوصول إلى حكومة قادرة على الاضطلاع بمهامها.
ثانياً: توجيه رسالة بشأن انتظارات المرحلة المقبلة.
لم يقتصر بلاغ الديوان الملكي على الإشارة إلى مشاورات تشكيل الحكومة، بل تضمن التأكيد على التعبئة الشاملة والأداء الحكومي الجاد والمسؤول. ويمكن فهم ذلك باعتباره تشديداً على مسؤولية الحكومة المقبلة في مواجهة التحديات والانتظارات، دون أن يعني بالضرورة وجود خلاف بشأن تشكيلها أو تعثر في المشاورات.
ثالثاً: البعد الرمزي لتولي امرأة رئاسة الحكومة.
إن استقبال فاطمة الزهراء المنصوري بهذه الصفة يندرج أيضاً ضمن سياق سياسي غير مسبوق من حيث تولي امرأة رئاسة الحكومة المغربية. لكن لا ينبغي اختزال دلالة هذا الاستقبال في البعد النسائي وحده؛ فهو مرتبط كذلك بمسار تشكيل الحكومة وبالعلاقة المؤسساتية بين الملك ورئيسة الحكومة المكلّفة. فالاستقبال يذكّر بأن تشكيل الحكومة ليس مجرد تفاوض حزبي حول الحقائب الوزارية، بل عملية مؤسساتية ينبغي أن تنتهي إلى تشكيل حكومة قادرة على تحمل المسؤولية.
إن الاستقبال الملكي لفاطمة الزهراء المنصوري قد يُقرأ بوصفه إشارة مؤسساتية إلى ضرورة تسريع تشكيل الحكومة، خصوصاً مع اقتراب الأجل القانوني لإيداع مشروع قانون المالية لسنة 2027. وتزداد وجاهة هذه القراءة لأن الاستقبال جاء بعد الإعلان عن الأغلبية الحكومية، بينما بقي الانتقال إلى تشكيل الفريق الحكومي وتعيين أعضائه بحاجة إلى استكمال.
رابعا. ضغط الأجندة المالية على المشاورات السياسية
حددت المادة 48 من القانون التنظيمي لقانون المالية تاريخ 20 أكتوبر موعداً أقصى لإيداع مشروع قانون المالية للسنة المقبلة لدى مجلس النواب. ويعني ذلك أن الحكومة المكلفة بالتشكيل كانت تواجه، في 14 أكتوبر، مهلة قصيرة للغاية لاستكمال المسار الحكومي والمالي. وتكمن الصعوبة في أن تشكيل الحكومة لا ينتهي بمجرد الاتفاق على الأغلبية، بل يتطلب استكمال توزيع الحقائب، واقتراح أسماء الوزراء، والتعيين الملكي، ثم المرور بالمراحل الدستورية اللازمة لإعداد مشروع قانون المالية واعتماده وإيداعه. وقد أشارت تقارير صحفية مغربية في 14 أكتوبر إلى احتمال تجاوز أجل 20 أكتوبر، بسبب ضيق الجدول الزمني واستمرار بعض الخلافات بشأن توزيع المسؤوليات الوزارية.
وبالتالي ، يمكن التكهن بأن الاستقبال الملكي بطن رسالة لتجاوز أي خلافات حزبية داخل الحكومة. وبهذا الصدديمكن طرح هذا الاحتمال من خلال ثلاث قرائن:
– توقيت الاستقبال: جاء بعد الإعلان عن اتفاق أحزاب الأصالة والمعاصرة والاستقلال والاتحاد الاشتراكي والتقدم والاشتراكية على تشكيل الأغلبية، أي بعد تجاوز مرحلة التفاوض بشأن التحالف والانتقال إلى مرحلة توزيع المسؤوليات.
– مضمون البلاغ: الذي أكد على «التعبئة الشاملة» و«الأداء الحكومي الجاد والمسؤول» حيث يضع تشكيل الحكومة في سياق أوسع من التوافقات الحزبية، هو سياق الاستجابة للرهانات والتحديات والانتظارات.
– الاستعجال المالي: فاقتراب موعد إيداع مشروع قانون المالية يجعل استمرار المشاورات دون حسم مكلفاً من الناحية المؤسساتية والعملية، حتى لو أمكن معالجة التأخر وفق المساطر القانونية.
وعلى الرغم من أن هذه القرائن لا تثبت أن الاستقبال الملكي كان إنذاراً مباشراً للأحزاب أو أن الملك عبّر عن عدم رضاه عن رئيسة الحكومة المكلفة، إلا أن هذا الاستقبال الملكي الثاني لرئيسة الحكومة قبل تشكيل الحكزمة قد يؤدي وظيفة التذكير بأهمية استكمال تشكيل الحكومة في وقت يسمح لها بالاضطلاع بمسؤولياتها الدستورية والمالية.
وعموما ، يمكن وصف استقبال الملك لرئيسة الحكومة في 14 أكتوبر 2026 بأنه تطور لافت في مسار تشكيل الحكومة، يتمثل في تخصيص لقاء ملكي معلن لمتابعة تقدم التشكيل بعد التعيين. مما يطرح تساؤلا عريضا حول : هل نحن أمام مجرد متابعة مؤسساتية لمسار تشكيل الحكومة، أم أمام تأكيد على أن تشكيل الأغلبية الحكومية أصبح بدوره موضوعاً لإشارات ملكية متتابعة، في ظل تزايد انتظارات المواطنين من الحكومة الجديدة؟
يمكن القول أن البلاغ الصادر عشية يوم الاثنين 12 أكتوبر 2026 قد أكد على ما كان يتداول بشأن تحالف رباعي يضم حزبا فتيا وأحزاب تنتمي إلى الحركة الوطنية نشأة والكتلة الديمقراطية سياسيا مما يثير الكثير من التساؤلات حول استمرارية ونجاعة هذه التجربة الحكومية التي تترأسها رئيسة حكومة لأول مرة في تاريخ المملكة وفي ظل متغيرات دولية وإقليمية عميقة وانتظارات شعبية ملحة
1-مضامين ودلالات بلاغ تشكيل الأغلبية الحكومية
تضمن بلاغ الإعلان عن تشكيل الأغلبية الحكومية بقيادة فاطمة الزهراء المنصوري، الصادر بالرباط يوم 12 أكتوبر 2026، مجموعة من الرسائل السياسية والبرامجية المهمة. ويمكن تلخيص أبرز ما جاء فيه على النحو التالي:
1.1 تحديد الأحزاب الأربعة المكونة للأغلبية التي تتكون الأغلبية الحكومية من: حزب الأصالة والمعاصرة، و حزب الاستقلال ، و حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية ، و حزب التقدم والاشتراكية. مما يعني ذلكتشكيل تحالف رباعي بقيادة حزب الأصالة والمعاصرة، في حين لم يشمل حزب التجمع الوطني للأحرار، الذي قاد الحكومة السابقة.
2-1. التأكيد على التقارب الفكري والسياسي
شدد البلاغ على أن مكونات الأغلبية تتميز بالتقارب الفكري والسياسي، وتتقاسم رؤية إصلاحية مشتركة، بهدف تشكيل حكومة منسجمة وقوية. وهذه إشارة إلى أن التحالف لا يُقدَّم باعتباره مجرد جمع للأغلبية العددية، بل باعتباره اتفاقاً على توجه سياسي وإصلاحي مشترك.
3-1. الاستجابة للتحديات الداخلية والإكراهات الخارجية
ربط البلاغ تشكيل الأغلبية بضرورة مواجهة التحديات الداخلية المتشعبة والإكراهات الخارجية المتعددة، والاستجابة الفعلية لانتظارات المواطنات والمواطنين. بالإضافة إلى تحديد الأولويات الاجتماعية والاقتصادية حيث أبرز البلاغ مجموعة من الأولويات، تتمثل في توفير شروط العيش الكريم، و تقوية الحريات والحقوق، و تحقيق العدالة الاجتماعية والإنصاف المجالي ، و تعزيز الازدهار الاقتصادي، و توطيد البناء الديمقراطي والحكامة الجيدة، و تقوية القدرات الإنتاجية للاقتصاد الوطني.
4-1. الالتزام بتشكيل حكومة قائمة على الكفاءة والنزاهة حيث أكدت الأحزاب الأربعة أنها ستقترح أسماء وزيرات ووزراء تتوفر فيهم الكفاءة والحس السياسي والنزاهة والاستقامة، ضمن حكومة قادرة على تنفيذ البرنامج الحكومي الذي سيُعد في أقرب الآجال.
وهكذا يمكن استخلاص ثلاث رسائل أساسية من صياغة هذا البلاغ تتمثل في:
– الاستمرارية المؤسساتية: حيث يستند البلاغ إلى تعيين الملك محمد السادس لفاطمة الزهراء المنصوري وفق الفصل 47 من الدستور، ويربط تشكيل الأغلبية بنتائج الانتخابات التشريعية لـ23 شتنبر 2026.
– التوافق الحزبي: حيث يقدم التحالف باعتباره أغلبية ذات رؤية إصلاحية مشتركة، رغم اختلاف الخلفيات التاريخية والإيديولوجية للأحزاب الأربعة.
– التعاقد مع المواطنين: حيث يربط نص البلاغ مشروعية الأداء الحكومي المقبل بقدرته على تحسين شروط العيش، وتعزيز الحقوق، وتحقيق العدالة الاجتماعية والمجالية، وتنمية الاقتصاد.
وبالتالي ، فالبلاغ ليس مجرد إعلان عن تحالف من أربعة أحزاب، بل هو أيضاً إعلان عن تصور للمرحلة السياسية المقبلة، تقوم على الانسجام الحكومي والإصلاح الاجتماعي والاقتصادي والحكامة الجيدة. وستظل ترجمة هذه المبادئ إلى برنامج حكومي والتزامات قابلة للتقييم هي الاختبار الفعلي لمدى تماسك الأغلبية الجديدة.
2-مكونات الكتلة الديمقراطية وإضفاء الشرعية على الحكومة
إن اختيار فاطمة الزهراء المنصوري تشكيل أغلبيتها الحكومية من حزب الأصالة والمعاصرة، إلى جانب أحزاب الاستقلال والاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية والتقدم والاشتراكية، يكتسي دلالات سياسية تتجاوز مجرد جمع المقاعد البرلمانية. فهذه الصيغة تعيد إلى الواجهة ثلاثة أحزاب ارتبطت تاريخياً بتجربة الكتلة الديمقراطية.مما قد يضفي شرعية سياسية خاصة على حزب وسم منذ تأسيسه بخطيئة الولادة واعتبر حتى من طرف أحد زعماء حزب شريك في الحكومة بالوافد الجديد
1.2 استعادة الذاكرة السياسية للكتلة الديمقراطية
تأسست الكتلة الديمقراطية سنة 1992، وضمت في صيغتها التاريخية أحزاب الاستقلال والاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية والتقدم والاشتراكية، إلى جانب منظمة العمل لديمقراطي الشعبي في مرحلة التأسيس.وقد ارتبطت هذه التجربة بالسعي إلى التنسيق بين قوى سياسية مختلفة المرجعيات، وبالمطالبة بالإصلاح الدستوري والسياسي، ثم المشاركة في تدبير المرحلة الانتقالية التي قادت إلى حكومة التناوب التوافقي سنة 1998 برئاسة عبد الرحمن اليوسفي.وعليه، فإن مشاركة الأحزاب الثلاثة في أغلبية واحدة سنة 2026 تستحضر هذه الذاكرة السياسية، لكنها لا تعني بالضرورة العودة إلى أهداف الكتلة الأصلية أو إلى الظروف التي أدت إلى تأسيسها.فإعادة تجميع مكونات سياسية ذات تاريخ مشترك داخل صيغة حكومية جديدة، لكن بقيادة حزب الأصالة والمعاصرة هذه المرة، لا بقيادة أحد أحزاب الكتلة التاريخية تضفي على الحزب شرعية جديدة قد تنتشله من خطيئة النشأة. فمن المعروف أن حزب الاصالة والمعاصرة قد في 7 غشت 2008، انطلاقاً من «حركة لكل الديمقراطيين»، وباندماج خمسة أحزاب سياسية أعلنت حل نفسها للانضمام إلى التنظيم الجديد: الحزب الوطني الديمقراطي، الذي كان يقوده عبد الله القادري، و حزب العهد، و حزب البيئة والتنمية، و حزب رابطة الحريات، و حزب مبادرة المواطنة والتنمية. حيث لم يكن حزب الأصالة والمعاصرة مجرد تغيير في اسم أحد الأحزاب القائمة، بل جاء نتيجة تجميع تنظيمات سياسية صغيرة وفعاليات من مشارب مختلفة داخل إطار حزبي جديد، ارتبط بمبادرة فؤاد عالي الهمة، الذي سبق أن شغل منصب الوزير المنتدب في الداخلية، وبـ«حركة لكل الديمقراطيين» التي تأسست في بداية سنة 2008.
2-2 التحالف وآليات منح الأصالة والمعاصرة شرعية إضافية
إن تشكيل الأغلبية الحكومية المعلن عنه في 12 أكتوبر 2026، والتي جمعت حزب الأصالة والمعاصرة المتصدر للانتخابات والمترئس للحكومة بالأحزاب الثلاثة المذكورة. قد يمنح الحزب اعترافاً سياسياً أوسع، من خلال الاستفادة من الرصيد التاريخي لأحزاب الكتلة. فحزب الاستقلال والاتحاد الاشتراكي والتقدم والاشتراكية ترتبط أسماؤها بمحطات من تاريخ الحركة الوطنية واليسار المغربي، وبالتجربة التي أفضت إلى حكومة التناوب سنة 1998. ومن ثم، فإن التحالف معها يسمح للأصالة والمعاصرة بالاستفادة من هذا الرصيد الرمزي، وإن لم يكن ذلك يعني انتقال التاريخ النضالي لهذه الأحزاب إليه تلقائياً.
كما أن الانتقال من مجرد المشاركة في الحكومات إلى قيادة حكومة تضم قوى سياسية ذات مرجعيات تاريخية مختلفة يوسع دائرة الاعتراف بالحزب داخل المنظومة الحزبية بالمغرب التي بنيت في جلها على أمجاد الحركة الوطنية والنضال الديمقراطي. حيث سيصبح طرفاً تقبل أحزاب أخرى العمل معه في إطار أغلبية مشتركة، بدلاً من أن يظل موضوعاً للجدل المرتبط بظروف تأسيسه. كما قد يساعد هذا التحالف على تقديم الحزب باعتباره قوة سياسية قادرة على الجمع بين الحداثة التي يعلن الدفاع عنها، والمرجعية الوطنية المحافظة التي يمثلها حزب الاستقلال، والتقاليد الاجتماعية والديمقراطية المرتبطة بالاتحاد الاشتراكي والتقدم والاشتراكية. لكن هذا الجمع يظل رهيناً بوجود برنامج حكومي مشترك، لا بمجرد اجتماع هذه الأحزاب في الحكومة.
رابعاً: إعادة توزيع المسؤولية السياسية.
يتيح التحالف للأصالة والمعاصرة تقديم نفسه باعتباره قائداً لمرحلة جديدة، مع أن مشاركته في الحكومة السابقة إلى جانب التجمع الوطني للأحرار والاستقلال تجعله معنياً أيضاً بتقييم حصيلة تلك التجربة. وقد أشار الباحث مصطفى السحيمي إلى هذه المفارقة في تحليله للأغلبية الجديدة.
3-2. انتقال مركز المبادرة من أحزاب الكتلة إلى حزب الأصالة والمعاصرة
تكمن إحدى أبرز الدلالات في اختلاف موقع هذه الأحزاب داخل التحالف الحالي عن موقعها التاريخي. ففي تجربة الكتلة الديمقراطية، ارتبط التنسيق بين مكوناتها بمطالب الإصلاح السياسي والدستوري، وبمحاولة تعزيز موقعها في مواجهة خصومها السياسيين.
أما في التحالف الجديد، فيتولى حزب الأصالة والمعاصرة قيادة الأغلبية الحكومية، فيما تنضم إليه الأحزاب الثلاثة لتشكيل أغلبية برلمانية. إذ لم تعد الأحزاب التاريخية للكتلة مجتمعة هي مركز المبادرة داخل هذا التحالف، بل أصبح حزب الأصالة والمعاصرة نقطة الارتكاز في تشكيل الأغلبية، بعدما انتقلت الأحزاب الثلاثة من تجربة تاريخية مشتركة إلى شراكة حكومية تقوم على موازين القوى والاتفاقات الراهنة.ولا يعني ذلك اختفاء وزنها السياسي أو التاريخي، بل يعني أن موقعها الحالي يتحدد من خلال نتائج الانتخابات وشروط المشاركة في الحكومة.كما يمكن قراءة هذه الأغلبية باعتبارها محاولة للجمع بين أحزاب تنتمي إلى تجارب سياسية مختلفة. فحزب الأصالة والمعاصرة نشأ في سياق سياسي مختلف عن السياق الذي تشكلت فيه الكتلة الديمقراطية في بداية التسعينيات. أما الاستقلال والاتحاد الاشتراكي والتقدم والاشتراكية، فتربطها تجارب تاريخية في المعارضة والتنسيق السياسي، رغم اختلاف مرجعياتها وتباين مواقفها عبر المراحل.ومن هنا، قد يعكس هذا التحالف انتقالاً من منطق الاصطفاف القائم أساساً على الهوية التاريخية للأحزاب إلى منطق بناء الأغلبية على أساس التفاوض والبرامج المشتركة.
للإجابة عن هذا السؤال، سيكون من الضروري فحص البرنامج الحكومي، وطبيعة توزيع المسؤوليات، ومواقف الأحزاب من الإصلاحات الكبرى، ومدى قدرتها على الحفاظ على التنسيق خارج حدود المصالح الحكومية المباشرة.
3-تحديات الحفاظ على انسجام مكونات حكومة فاطمة الزهراء المنصوري
يشكل الحفاظ على انسجام مكونات الحكومة أحد الاختبارات الأساسية أمام فاطمة الزهراء المنصوري، لأن تشكيل أغلبية برلمانية لا يعني بالضرورة قيام انسجام سياسي وبرنامجي بين الأحزاب المشاركة فيها. فالأغلبية قد تتفق على توزيع المسؤوليات الحكومية، لكنها قد تختلف عند الانتقال إلى اتخاذ القرارات وتحديد الأولويات وتدبير الموارد العمومية.ومن هذا المنطلق، ينبغي التمييز بين الانسجام العددي للأغلبية، والانسجام السياسي بين الأحزاب، والانسجام العملي داخل الجهاز الحكومي. فقد تتوفر هذه الحكومة على أغلبية برلمانية مريحة، ومع ذلك تواجه خلافات حول البرامج أو الصلاحيات أو تدبير الملفات الاجتماعية والاقتصادية.
1-3 تدبير التعددية الحزبية داخل الأغلبية
تتمثل الصعوبة الأولى في التوفيق بين المرجعيات السياسية والبرامج الانتخابية للأحزاب المشكلة للأغلبية. فلكل حزب قاعدته الانتخابية، وحساباته التنظيمية، وأولوياته التي يريد ترجمتها إلى سياسات عمومية. وبالتالي يمكن أن تظهر الخلافات بين مكونات هذه الأغلبية الحكومية في الاختلاف بشأن الأولويات الاقتصادية والاجتماعية، وتوزيع الموارد، وطرق تمويل الالتزامات الحكومية، أو سعي كل حزب إلى إبراز مساهمته في الإنجازات الحكومية أمام الرأي العام، أو حرص القيادات الحزبية على الحفاظ على استقلالية أحزابها وعدم الذوبان داخل الحزب الذي يقود الحكومة. من هنا ، فإن التحدي الذي سيواجه هذه الحكومة لا يتمثل في إلغاء الاختلافات بين مكونات الأغلبية، بل في بناء قواعد تسمح بتدبيرها دون أن تتحول إلى صراعات تعطل العمل الحكومي.
2-3 توزيع الحقائب الوزارية وتجنب التنافس حول المواقع
يعد توزيع الحقائب الوزارية من أكثر المراحل حساسية في تشكيل الحكومات الائتلافية. فكل حزب يسعى إلى الحصول على قطاعات تمنحه القدرة على تنفيذ برنامجه، وتُظهر مساهمته في تدبير الشأن العام. وهكذا ففي حالة الأغلبية المعلنة يوم 12 أكتوبر 2026، التي تضم أحزاب الأصالة والمعاصرة والاستقلال والاتحاد الاشتراكي والتقدم والاشتراكية، قد يطرح هذا التعدد تحدياً يتعلق بالتوفيق بين الوزن الانتخابي لكل حزب ومطالبه السياسية والتنظيمية. حيث تكمن المخاطر في ثلاثة احتمالات:
أولا- أن تتحول الحقائب الوزارية إلى وسيلة لإرضاء القيادات الحزبية، بدل أن يكون معيار الاختيار هو الكفاءة والقدرة على الإنجاز.
ثانيا. أن يؤدي عدم رضا أحد الأحزاب عن حصته إلى إضعاف التزامه بالقرارات الحكومية.
ثالثا. أن تتحول بعض القطاعات الوزارية إلى مجالات نفوذ حزبي منفصل، بما يضعف التنسيق بين الوزارات.
لذلك، فإن الانسجام الحكومي يبدأ منذ مفاوضات تشكيل الحكومة، ولا ينتظر انطلاق العمل الوزاري.
3-3 التوفيق بين المسؤولية الحزبية والتضامن الحكومي
من الصعوبات البنيوية في الحكومات الائتلافية أن الوزير ينتمي إلى حزب سياسي، لكنه يتحمل في الوقت نفسه مسؤولية تنفيذ برنامج حكومي مشترك.وقد ينشأ التوتر عندما تتعارض اعتبارات الحزب مع متطلبات القرار الحكومي؛ فقد يفضل حزب معين موقفاً يحافظ على شعبيته الانتخابية، بينما يتطلب القرار الحكومي اعتماد إجراء قد يكون غير شعبي على المدى القصير.ويؤطر الفصل 93 من الدستور المغربي هذه العلاقة، إذ يربط مسؤولية كل وزير عن قطاعه بمبدأ التضامن الحكومي، ويجعل تنفيذ السياسة الحكومية مسؤولية مشتركة في إطار الاختصاصات المحددة.
ومن هنا، فإن التحدي أمام رئيسة الحكومة هو إيجاد توازن بين أمرين: احترام استقلالية الأحزاب في مواقفها وتنظيماتها، و ضمان ألا تتحول هذه الاستقلالية إلى مواقف متعارضة داخل الحكومة بشأن السياسات التي سبق الاتفاق عليها.
4-3: تدبير الخلافات بشأن الملفات الاجتماعية والاقتصادية
قد يظهر الانسجام الحقيقي للأغلبية عندما تنتقل من الاتفاقات السياسية العامة إلى القرارات ذات الكلفة المالية والاجتماعية. فمثلاً، قد تتفق الأحزاب على ضرورة تحسين القدرة الشرائية، لكنها تختلف حول الوسائل: هل تُعطى الأولوية للدعم الاجتماعي المباشر، أم لخلق فرص العمل، أم للتحفيزات الاقتصادية والاستثمارية؟ وينطبق الأمر نفسه على إصلاح التعليم والصحة، وتدبير المالية العمومية، والسياسات الجبائية، والاستثمارات المرتبطة بكأس العالم 2030.وتزداد حساسية هذه الملفات لأن لكل حزب حوافزه الانتخابية والاجتماعية الخاصة. وإذا لم تتوفر آلية واضحة لتحديد الأولويات وتسوية الخلافات، فقد تتباطأ القرارات أو تتضارب الرسائل الصادرة عن الوزراء. كما يشمل ذلك أيضاً العلاقة مع البرلمان: فالأغلبية مطالبة بتوفير الدعم التشريعي للحكومة، بينما تظل مراقبة العمل الحكومي والمساءلة عن النتائج من وظائف المؤسسة البرلمانية.
5-3 موقع فاطمة الزهراء المنصوري في إدارة التوازنات
لا يقتصر دور رئيسة الحكومة على تنسيق العمل الإداري بين الوزراء، بل يشمل أيضاً تدبير العلاقات السياسية بين الأحزاب الأربعة. حيث يطرح ذلك ثلاثة رهانات:
– التحكيم السياسي: من خلال التدخل لتسوية الخلافات قبل انتقالها إلى المجال الإعلامي أو تحوّلها إلى أزمة داخل الأغلبية.
– تحديد الأولويات: من خلال جعل البرنامج الحكومي المشترك مرجعاً للقرارات، بدلاً من ترك كل حزب يحدد أولوياته بصورة منفردة.
– توحيد الخطاب الحكومي: من خلال منع صدور مواقف متناقضة من الوزراء بشأن الملفات المشتركة.
غير أنه لا ينبغي اختزال نجاح هذا التدبير في قدرة رئيسة الحكومة على فرض الانضباط داخل الحكومة؛ فالانسجام المستدام يحتاج أيضاً إلى قواعد مؤسساتية للتنسيق، وإلى توافق سياسي حقيقي بين مكونات الأغلبية.يمكن للحكومة الجديدة اعتماد مجموعة من الآليات العملية: كميثاق للأغلبية يحدد الالتزامات المشتركة وقواعد تدبير الخلاف ، وبرنامج حكومي محدد الأولويات لتحويل التوافق السياسي إلى أهداف قابلة للقياس، واجتماعات دورية لقيادات الأحزاب لتسوية الخلافات السياسية قبل تفاقمها. بالإضافة إلى لجان للتنسيق بين القطاعات الوزارية قصد تفادي تضارب القرارات وتداخل الاختصاصات إلى جانب آلية لتتبع تنفيذ الالتزامات وتقييم الإنجاز وتحديد المسؤوليات وتحديد قواعد واضحة للتواصل الحكومي تجنب تحويل الخلافات الداخلية إلى رسائل متناقضة للرأي العام.وتكتسب هذه الآليات أهميتها من كون الحكومة مطالبة، دستورياً، بتنفيذ برنامجها تحت سلطة رئيس الحكومة، فيما يتولى مجلس الحكومة التداول في السياسات العامة والقطاعية ومشاريع القوانين وغيرها من الملفات المحددة في الفصل 92.
وعموما ، فإن التحدي الأساسي أمام حكومة فاطمة الزهراء المنصوري ليس مجرد الحفاظ على تماسك أربعة أحزاب داخل أغلبية برلمانية، بل تحويل التوافق الذي سمح بتشكيل الأغلبية إلى قدرة فعلية على اتخاذ القرار وتنفيذه، مع الحفاظ على التعددية السياسية داخلها.إذ أن السؤال المطروح هو هل تستطيع فاطمة الزهراء المنصوري كأول رئيسح للحكومة بالمملكة الانتقال من تدبير التوازنات الحزبية التي أفرزتها مفاوضات تشكيل الحكومة إلى بناء قيادة حكومية موحدة، أم أن اختلاف المرجعيات والحسابات الانتخابية قد يجعل الانسجام رهيناً باستمرار التوافق بين القيادات؟ ويظل الجواب عن ذلك مرتبطاً بما ستكشف عنه الممارسة الحكومية المتمثلة في طريقة توزيع المسؤوليات، وطبيعة البرنامج المشترك، وكيفية تدبير الخلافات، ومدى التزام الأحزاب بالتضامن الحكومي عندما تصبح القرارات الفعلية أكثر كلفة من الاتفاقات السياسية.





