من لا هوية لدعايته يستعير تاريخ غيره.. وزارة الدفاع الجزائرية تستنجد بمعالم مراكش لتسويق إنجازاتها

مديحة المهادنة

سقطة إعلامية محرجة تكشف تناقض الخطاب الدعائي الرسمي مع حقيقة الصورة، استعانت وزارة الدفاع الوطني الجزائرية بمشاهد من قلب مدينة مراكش المغربية للترويج لما تصفه بإنجازات الجزائر ودورها في القارة الإفريقية، في واقعة تطرح تساؤلات جدية بشأن مصداقية المحتوى الصادر عن مؤسسة عسكرية يفترض أن تكون الدقة والانضباط من أبسط قواعد تواصلها الرسمي.

الشريط، الذي نشرته الوزارة عبر حسابها الرسمي بمنصة “إكس”، يوم الخميس 22 أكتوبر 2026، لم يجد حرجاً في استحضار ساحة جامع الفنا وصومعة الكتبية، وهما من أشهر المعالم التاريخية المغربية، ضمن مادة ترويجية تتحدث عن إسهامات الجزائر في تنمية إفريقيا والدفاع عن شعوبها. وهنا تكمن المفارقة الصارخة: خطاب يستعرض إنجازات وطنية، وصورة تستمد قيمتها من رصيد حضاري ينتمي إلى دولة أخرى.

وليس الأمر مجرد اختلاف في التقدير الفني أو اختيار عابر للقطات، بل خلل مهني فادح يمس جوهر المصداقية المؤسساتية. فحين تعجز مادة رسمية عن تقديم صور منسجمة مع الإنجازات التي تدّعي إبرازها، يصبح السؤال مشروعاً حول حقيقة الرسالة التي يراد تسويقها، وحول المعايير التي تعتمدها الجهات المشرفة على إنتاج هذا النوع من المحتويات.

والأكثر إثارة للاستغراب أن المعالم المستعملة ليست مواقع مجهولة الهوية أو قابلة للالتباس، بل رموز مغربية راسخة في التاريخ والذاكرة الجماعية، تحظى باعتراف دولي موثق. فساحة جامع الفنا، بما تختزنه من تراث شفهي وفني، مدرجة ضمن التراث الثقافي غير المادي للإنسانية لدى اليونسكو، فيما تقف صومعة الكتبية شاهداً معمارياً على عمق الحضارة المغربية وعراقة مدينة مراكش.

هذه الواقعة تستوجب إدانة واضحة للاستهتار بالدقة التاريخية والجغرافية في المواد الترويجية الرسمية، خصوصا عندما يتعلق الأمر بمؤسسة يفترض أن تتحمل مسؤولية ما تنشره أمام الرأي العام. فالاستعانة بمعالم دولة أخرى لتدعيم خطاب يتباهى بالإنجازات الوطنية لا يمكن التعامل معها بوصفها تفصيلاً ثانوياً، ولا يكفي تفسيرها باحتمال وقوع خطأ في المونتاج دون توضيح رسمي يحدد المسؤوليات ويصحح الالتباس.

وإذا كانت النوايا التي تقف وراء إدراج هذه المشاهد لا يمكن الجزم بها دون معطيات إضافية، فإن النتيجة واضحة: شريط أُنتج لتلميع صورة الجزائر انتهى بإثارة الشكوك حول مهنية الخطاب الذي يحمله، بعدما تحولت المشاهد المغربية إلى أبرز ما استوقف المتابعين. فالدعاية مهما بلغت قوتها لا تستطيع صناعة تاريخ بديل، والمونتاج مهما أتقن إخفاء التفاصيل لن يغير هوية المعالم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى