من نزاعات شركات التمويل إلى عقود الأبناك التشاركية: هل يدفع الزبون المغربي ثمن أزمة الثقة؟

منير عطوشي
تطرح النزاعات التي تنشأ بين الزبناء وبعض شركات التمويل، أسئلة جوهرية حول مدى حماية المستهلك داخل منظومة التمويل المغربية، وحدود المسؤولية القانونية للمؤسسات المتدخلة في منح التمويلات وتدبيرها. ولا تقف الإشكالية عند حدود الخلافات المرتبطة بالأقساط أو الالتزامات المالية، بل تمتد إلى قدرة الزبون على فهم الشروط التعاقدية، وتقييم التكلفة الحقيقية للتمويل، ومعرفة حقوقه قبل التوقيع وبعده.
وتزداد أهمية هذا النقاش مع توسع نشاط الأبناك التشاركية وتسويق منتجاتها باعتبارها بديلاً تمويلياً قائماً على صيغ تعاقدية مختلفة عن القروض التقليدية.
فالأزمات التي تمس ثقة المواطنين في بعض مؤسسات التمويل قد تدفعهم إلى البحث عن خيارات أخرى، وهو ما يطرح تساؤلاً مشروعاً حول مدى استثمار هذا التحول في استقطاب الزبناء، ومدى التزام المؤسسات البديلة بتقديم شروط واضحة ومفهومة تكفل حماية مصالحهم.
وتكمن المفارقة في أن انتقال الزبون من مؤسسة تمويل إلى أخرى لا يعني بالضرورة انتهاء مشكلته، إذا كان الخلل الأساسي مرتبطاً بضعف فهم العقود، أو غموض الرسوم والتكاليف، أو عدم إدراك الآثار المالية المترتبة عن الالتزامات الموقعة.
فالتمويل التشاركي، رغم اختلاف آلياته القانونية والشرعية، لا يعفي المؤسسة من واجب الشفافية، ولا يمنحها حصانة من المساءلة بشأن الشروط التي تفرضها على المتعاملين معها.
ومن هنا، يصبح من الضروري إخضاع العقود المبرمة بين الزبناء والأبناك التشاركية لفحص دقيق، خصوصاًً ما يتعلق بالتكلفة الإجمالية للتمويل، وهامش الربح، ومصاريف الملفات والخدمات المرتبطة بها، وشروط التأخر في الأداء، وآليات فسخ العقد وتسوية النزاعات.
كما تبرز أهمية التدقيق في دور المؤسسات الوسيطة التي تتدخل في إعداد الملفات أو تسويق التمويلات أو تدبير بعض الإجراءات، ومدى وضوح مسؤولياتها وحدود صلاحياتها في العلاقة مع الزبون والبنك.
ولا يتعلق الأمر بإصدار حكم مسبق على جميع المؤسسات أو اعتبار كل شرط مالي مجحفاً، وإنما بطرح سؤال جوهري: هل تتناسب الحماية القانونية والرقابية المتاحة للزبون مع تعقيد المنتجات التمويلية وتعدد الأطراف المتدخلة فيها؟ وهل يستطيع المواطن العادي، قبل التوقيع، أن يحدد بوضوح مجموع ما سيلتزم بأدائه، والآثار المترتبة عن أي تعثر، والجهة التي يمكنه الرجوع إليها عند وقوع خلاف؟
إن مسؤولية حماية الزبون لا تقع على عاتق مؤسسة واحدة، بل تتوزع، بحسب طبيعة كل ملف، بين مؤسسات التمويل والأبناك والوسطاء والجهات الرقابية. ويظل بنك المغرب مطالباً، ضمن اختصاصاته، بضمان احترام القواعد المنظمة للقطاع، فيما تكتسي آليات الوساطة البنكية وحماية المستهلك أهمية خاصة في معالجة الشكايات والحد من اختلال التوازن بين المؤسسة المالية والزبون.
إن الرهان الحقيقي لا يكمن في استبدال مؤسسة تمويل بأخرى، ولا في المفاضلة بين التسميات التجارية أو الصيغ التعاقدية، بل في بناء منظومة تجعل وضوح الالتزامات واحترام الحقوق معياراً أساسياً لتقييم جميع الفاعلين. فالمواطن الذي يلجأ إلى التمويل لتلبية حاجة سكنية أو شخصية لا ينبغي أن يجد نفسه أمام التزامات لا يفهم أبعادها إلا بعد التوقيع، كما لا يجوز أن تتحول أزمة الثقة في جهة معينة إلى فرصة لاستقطاب الزبناء دون ضمانات فعلية تحميهم من الشروط التعسفية.
ويبقى السؤال المطروح حاليا هل توفر منظومة التمويل المغربية حماية متكافئة للزبناء أمام مختلف المؤسسات، أم أن تعدد العروض والوسطاء يجعل المواطن يتحمل وحده كلفة التعقيد التعاقدي، بينما تظل مساءلة الجهات المسؤولة رهينة بطول المساطر وصعوبة إثبات الاختلالات؟





