مشروع قانون المالية لسنة 2027: تغيير المسار بين الطموح الاجتماعي ورهان التنفيذ

بقلم: ذ. المعاشي محمد*

في كلمته أمام مجلسي البرلمان بمناسبة تقديم مشروع قانون المالية لسنة 2027، عرض السيد فوزي لقجع، وزير الاقتصاد والمالية والنجاعة العمومية، تصور الحكومة للمرحلة الجديدة وأولويات مشروعها المالي. وأكد أن مشروع سنة 2027 يشكل الحلقة الأولى في تنزيل البرنامج الحكومي الذي يمتد على خمس سنوات.

وفي هذا السياق، رد الوزير على انتقادات تتحدث عن تراجع الحكومة عن التزاماتها الانتخابية، معتبرا أن الحكم على ذلك سابق لأوانه ما دام المشروع لم يكن قد عُرض بعد. وهي نقطة تستدعي، في المقابل، أن تقترن الوعود بجدولة واضحة ومؤشرات قابلة للتتبع، حتى يتسنى تقييم مستوى الوفاء بها سنة بعد أخرى.

إعادة التوازن بين الاقتصاد والمجتمع

الفكرة المركزية في الكلمة هي إعادة التوازن بين البعدين الاقتصادي والاجتماعي. فقد اعتبر الوزير أن الفصل بينهما أضعف أثر السياسات الاجتماعية، في الوقت الذي سمح فيه، بحسب تشخيصه، بتوسع منطق السوق والاحتكار والريع والوساطة. ومن هنا، ربط بناء الدولة الاجتماعية بسياسة اقتصادية تشجع الاستثمار المنتج والمبادرة الخاصة، وتحمي في الوقت نفسه القدرة الشرائية وحق المواطن في العيش الكريم.

وتناول الخطاب الظرفية الدولية وما تعرفه من توترات جيوسياسية واضطراب في سلاسل الإمداد ومخاطر مرتبطة بالطاقة والغذاء والمناخ والتحول الرقمي. أما على المستوى الوطني، فقد استندت فرضيات المشروع إلى نمو متوقع في حدود 4.7% سنة 2026، مدعومًا بانتعاش النشاط الفلاحي، وإلى نمو في حدود 3.7% سنة 2027. كما تستهدف الحكومة حصر عجز الميزانية في 3% من الناتج الداخلي الخام، وضبط المديونية في حدود 66.9%، مع رفع الاستثمار العمومي إلى 400 مليار درهم برسم سنة 2027.

تدابير للقدرة الشرائية والحماية الاجتماعية

خصص العرض حيزا مهما لتحسين القدرة الشرائية، ففي مجال الضريبة على الدخل، أعلن الوزير مراجعة تدريجية تمتد من 2027 إلى 2031، تشمل رفع الشطر الأول المعفى من 40 ألفا إلى 60 ألف درهم سنويا، وتقليص عدد الشرائح الضريبية من خمس إلى ثلاث، وخفض السعر الهامشي من 37% إلى 30%.

ووفق الأرقام التي عرضها، ستصبح الأجور الشهرية الصافية التي تقل عن 10 آلاف درهم معفاة من الضريبة على الدخل، لترتفع نسبة الفئات المعفاة إلى 87%. كما سيبلغ المكسب الشهري نحو 500 درهم سنة 2027 بالنسبة إلى غالبية الأجراء المعنيين، على أن يتعزز تدريجيًا خلال السنوات الموالية.

وفي ملف التقاعد، أعلن رفع الحد الأدنى للمعاش تدريجيا إلى 3,000 درهم شهريا، على أن يصل إلى 1,700 درهم ابتداءً من سنة 2027، لفائدة نحو 500 ألف متقاعد ومتقاعدة، من بينهم أكثر من 150 ألف أرملة. كما أعلن رفع نسبة المعاش المخول للأرامل من 50% إلى 100% ابتداءً من السنة نفسها، وهو إجراء يُرتقب أن يشمل قرابة 431 ألف أرملة.

وأشار الوزير إلى تخصيص ما يفوق 10 مليارات درهم لإجرائي رفع الحد الأدنى للمعاش ومراجعة نسبة معاش الأرامل، مع مواكبتهما بإطلاق ورش إصلاح أنظمة التقاعد في إطار الحوار مع الشركاء الاجتماعيين والاقتصاديين. كما أعلن تحمل الدولة لمبلغ فواتير الكهرباء التي لا تتجاوز 100 درهم شهريا، لفائدة نحو ستة ملايين زبون، بكلفة سنوية مقدرة بـ2.8 مليار درهم.

أما الدعم الاجتماعي المباشر، فتحدث العرض عن رفع حده الأدنى تدريجيًا من 500 إلى 1,000 درهم عند نهاية الولاية الحكومية، مع زيادة قدرها 100 درهم خلال سنة 2027، واعتمادات تقدر بثلاثة مليارات درهم. كما أعلن التوجه تدريجيًا نحو اعتماد الدخل الفعلي للأسر بدل المؤشر الاجتماعي والاقتصادي وحده لتحديد الاستفادة، إلى جانب تنزيل التعويض عن فقدان الشغل وتوسيع التقاعد ليشمل العاملين غير الأجراء، والعمل على الحفاظ على التوازنات المالية لأنظمة التأمين الإجباري عن المرض.

الصحة والتعليم والسكن

في قطاع الصحة، أعلن الوزير رفع الميزانية إلى 45.4 مليار درهم، بزيادة تقارب ثلاثة مليارات درهم، وتخصيص 8,000 منصب مالي. وتشمل الأولويات مواكبة المجموعات الصحية الترابية، وإطلاق المركز الاستشفائي الجامعي الجديد بالدار البيضاء، وتسريع إنجاز وتجهيز مؤسسات صحية ببني ملال وكلميم والرشيدية، وتأهيل 1,600 مؤسسة للرعاية الصحية الأولية و90 مستشفى، إلى جانب رقمنة المنظومة الصحية.

وفي التعليم والتكوين، أشار إلى رفع الميزانية إلى 121.3 مليار درهم، بزيادة 5.3 مليارات درهم، وتخصيص 17,874 منصبا ماليا. وتشمل الأهداف تعميم التعليم الأولي، ومحاربة الهدر المدرسي، وتحسين التحكم في التعلمات الأساسية، وتوسيع العرض الجامعي بإحداث 49 مؤسسة، ودعم البحث والابتكار، وافتتاح ثلاث مدن للمهن والكفاءات بجهات كلميم واد نون وفاس مكناس ودرعة تافيلالت.

وفي مجال السكن، أعلن تخصيص 10.4 مليارات درهم للاستثمار سنة 2027، مع مواصلة الدعم المباشر للسكن، الذي بلغ عدد المستفيدين منه 128 ألفًا عند نهاية شتنبر 2026، إلى جانب مواصلة محاربة السكن غير اللائق وإطلاق برنامج مدمج للسكن القروي.

الشباب والتنمية الترابية

أفرد العرض برنامجا وطنيا مدمجا للشباب يمتد من 2027 إلى 2031، ورُصد له نحو ستة مليارات درهم في مشروع مالية 2027. ويستهدف تكوين 100 ألف شاب سنويا وفق حاجيات المقاولات، وتمكين عدد مماثل من تجربة مهنية أولى، ورفع الطاقة الاستيعابية للتكوين بالتدرج إلى ما بين 150 ألفًا و200 ألف مستفيد سنويًا، ومواكبة 12 ألف مقاولة سنويا. كما يتضمن دعم التنقل المهني وتوفير مساكن للكراء بأسعار مناسبة لفائدة الشباب.

وعلى المستوى الترابي، أعلن الوزير تخصيص 25 مليار درهم سنة 2027 للجيل الجديد من برامج التنمية الترابية المندمجة، مع إحداث آليات للتتبع والشفافية ومنصة رقمية تتيح الاطلاع على برمجة المشاريع وتقدم إنجازها. كما أكد رفع التحويلات المالية للجهات إلى ما لا يقل عن 12 مليار درهم ابتداء من سنة 2027، ومواصلة برنامج تنمية المراكز القروية الناشئة، الذي تشمل مرحلته الثانية 24 مركزًا بكلفة إجمالية تبلغ 1.68 مليار درهم.

الاستثمار والسيادة والإصلاح المؤسساتي

ربط الوزير تمويل الالتزامات الاجتماعية بتقوية الاقتصاد المنتج، ومواكبة المقاولات الصغيرة جدًا والصغرى والمتوسطة، وتيسير ولوجها إلى التمويل والضمان والعقار والصفقات العمومية، وتعزيز مساهمتها في الإنتاج المحلي والتعويض عن الواردات.

وتناول العرض كذلك تعزيز السيادة المائية، عبر مواصلة بناء السدود وتسريع مشاريع تحلية المياه والربط بين الأحواض، باستثمارات مقدرة بـ67 مليار درهم، إلى جانب تطوير الطاقات المتجددة والبنية التحتية للغاز والهيدروجين الأخضر، وتعزيز قدرات تخزين المنتجات البترولية.

وفي مجال الأمن الغذائي، تحدث عن ضمان وفرة المواد الأساسية، وتقنين الصادرات، والتصدي للممارسات الاحتكارية، وتوجيه الاستثمار نحو السلاسل الاستراتيجية وإعادة تشكيل القطيع الوطني. أما السيادة الرقمية، فتشمل تعزيز الأمن السيبراني، وإعداد إطار وطني للذكاء الاصطناعي الآمن والمسؤول، وتنمية الكفاءات الرقمية ودعم المقاولات الناشئة المبتكرة.

كما تطرق العرض إلى مواصلة تحديث منظومة العدالة ورقمنة المساطر والخدمات، وإعادة هيكلة المحفظة العمومية لتحسين أداء المؤسسات والمقاولات العمومية، وتحديث الإدارة وتبسيط مساطرها، وتعزيز اللامركزية والجهوية المتقدمة، وربط الموارد العمومية بالنتائج. وأشار أيضًا إلى برامج موجهة للأسرة ومغاربة العالم والأشخاص المسنين والأشخاص في وضعية إعاقة، بهدف تعزيز إدماجهم ومشاركتهم في الحياة الاجتماعية.

من الالتزام إلى الأثر

قدّر الوزير الأثر الإجمالي لتنزيل الأولويات الاجتماعية بنحو 62 مليار درهم خلال السنة الأولى، مؤكدًا أن مشروع مالية 2027 يجمع بين الوفاء بالالتزامات وبناء الهوامش المالية اللازمة لاستمرارها. غير أن الحكم على هذا المشروع لن يتوقف عند حجم الاعتمادات أو عدد الإجراءات المعلنة، بل عند أثرها الفعلي في دخل الأسر، وجودة الخدمات العمومية، وفرص الشغل، وتقليص الفوارق بين الجهات.

إن «تغيير المسار» الذي تحدث عنه الوزير يضع الحكومة أمام امتحان التنفيذ: وضوح في شروط الاستفادة، واحترام للآجال، وشفافية في تتبع البرامج، ومساءلة عن النتائج. فالأرقام ترسم طموحا، لكن أثرها في حياة المواطن هو المعيار الذي سيحدد ما إذا كان هذا الطموح قد تحول إلى تغيير ملموس.

ذ. المعاشي محمد

*كاتب وباحث وخبير في تشريع الشغل والعلاقات المهنية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى