الكرة الذهبية تعري واقع حرية الصحافة في الجزائر.. سبع سنوات سجنا لصحفي تتحول إلى إحراج دولي للسلطات أمام ملايين المشاهدين

مديحة المهادنة
سبع سنوات سجنا كانت كافية لنقل اسم الجزائر من أروقة محاكم تيزي وزو إلى منصة الكرة الذهبية في لندن، بعدما فرضت قضية الصحفي الفرنسي كريستوف غليز نفسها على إحدى أبرز التظاهرات الرياضية العالمية، لتتحول لحظة الاحتفاء بنجوم كرة القدم إلى إدانة حقوقية لواقع الحريات الصحفية في البلاد، وسط تصاعد المطالب الدولية بالإفراج عنه.
وأمام ملايين المشاهدين، شهدت النسخة السبعون من حفل الكرة الذهبية، مساء الاثنين 26 أكتوبر 2026، بمسرح “لندن بالاديوم”، لحظة بالغة الإحراج للسلطات الجزائرية، حين خصص المنظمون فقرة للتضامن مع الصحفي المعتقل، عُرضت خلالها صورته على الشاشة العملاقة، بينما أعلن مقدما الحفل، النجم الفرنسي السابق تييري هنري والإعلامية كيت سكوت، دعمهما لجهود المطالبة بإطلاق سراحه، بعد عام وثلاثة أشهر و27 يوماً من وجوده خلف القضبان.
المبادرة التي تبنتها مجلة “فرانس فوتبول” والاتحاد الأوروبي لكرة القدم لم تقتصر على إظهار التعاطف مع صحفي يقضي عقوبة سجنية، بل منحت قضيته حضورا إعلاميا استثنائيا، وأعادت طرح ملف الملاحقات القضائية المرتبطة بالعمل الصحفي في الجزائر أمام جمهور دولي، في توقيت تتزايد فيه الانتقادات الحقوقية الموجهة إلى السلطات بسبب القيود المفروضة على وسائل الإعلام المستقلة.
وتعود وقائع القضية إلى 28 ماي 2024، عندما أوقفت السلطات الجزائرية كريستوف غليز بمدينة تيزي وزو، أثناء اشتغاله على تحقيق صحفي يتعلق بنادي شبيبة القبائل، قبل إخضاعه للمراقبة القضائية ومنعه من مغادرة البلاد لمدة تجاوزت عاما. وفي 29 يونيو 2025، أصدرت المحكمة حكما بسجنه سبع سنوات نافذة، على خلفية اتهامات تتعلق بتمجيد الإرهاب وحيازة منشورات لأغراض دعائية مضرة بالمصلحة الوطنية، وهو الحكم الذي أيدته محكمة الاستئناف في 3 دجنبر من السنة نفسها.
وتستند المتابعة القضائية إلى اتصالات أجراها الصحفي مع شخصيات مرتبطة بحركة تقرير مصير منطقة القبائل “الماك”، التي تصنفها السلطات الجزائرية تنظيما إرهابيا منذ سنة 2021. وبينما تعتبر السلطات القضائية الجزائرية هذه الاتصالات جزءا من الوقائع المؤسسة للاتهامات، يتمسك دفاع غليز بالطابع المهني للقاءات والاتصالات التي أجراها، مؤكداً أن التواصل مع المصادر يدخل ضمن مقتضيات البحث الصحفي، ولا يشكل في حد ذاته دليلا على الانخراط في أنشطتها أو تبني مواقفها.
وتكشف هذه القضية عن إشكالية قانونية وحقوقية شديدة الحساسية، تتعلق بتوظيف التشريعات الخاصة بمكافحة الإرهاب في ملفات ترتبط بجمع المعلومات وممارسة العمل الإعلامي. فإخضاع الصحفي للمساءلة الجنائية استنادا إلى طبيعة مصادره، دون إثبات أفعال تتجاوز حدود النشاط المهني، يهدد أحد المرتكزات الأساسية للصحافة الاستقصائية، ويجعل الوصول إلى المعلومات في الملفات السياسية والأمنية محفوفاً بمخاطر الملاحقة والسجن.
وتزداد حدة الانتقادات الموجهة إلى السلطات الجزائرية بالنظر إلى وضع البلاد في التصنيف العالمي لحرية الصحافة، الصادر عن منظمة “مراسلون بلا حدود” لسنة 2026، بعدما تراجعت إلى المرتبة 145 من أصل 180 دولة، مقابل المرتبة 126 خلال سنة 2025، بخسارة 19 مركزاً في عام واحد. وتعكس هذه الأرقام تدهور موقع الجزائر في مؤشر دولي يرصد أوضاع الإعلام، في ظل استمرار الملاحقات القضائية للصحفيين والضغوط التي تواجهها المؤسسات الإعلامية المستقلة.
ولم تفلح الإجراءات القضائية في إنهاء الجدل المحيط بملف غليز، بل ساهم استمرار احتجازه في توسيع دائرة التضامن معه، حتى باتت قضيته حاضرة في المحافل الرياضية الدولية. كما انتقلت تداعيات الملف إلى المستوى الدبلوماسي، بعدما أعربت الخارجية الفرنسية عن أسفها الشديد لتأييد الحكم الصادر بحقه، مطالبة بالإفراج عنه، ومؤكدة تمسكها بحرية الصحافة.
وفي امتداد لهذا الضغط الدولي، أعلنت منظمة “مراسلون بلا حدود” تنظيم مباراة تضامنية بالعاصمة الفرنسية باريس يوم 11 نونبر المقبل، تزامنا مع بلوغ مدة سجنه 500 يوم، بمشاركة شخصيات رياضية وإعلامية، من بينها الدوليان الفرنسيان السابقان روبير بيريس وفيكاش دوراسو. وأكدت المنظمة أن التعبئة ستتواصل للمطالبة بإنهاء احتجازه وعودته إلى أسرته وممارسة مهنته.
وتتجاوز تداعيات هذا الملف مصير صحفي واحد، لتضع السلطات الجزائرية أمام انتقادات دولية تمس طريقة تدبيرها للحقوق والحريات، خصوصا أن استمرار سجن غليز لم يعد مجرد قضية قضائية داخلية، بعدما اكتسب أبعاداً إعلامية ودبلوماسية متصاعدة، وأصبح حاضرا في تظاهرات دولية تستقطب ملايين المتابعين.
وقد حمل المشهد الذي احتضنته لندن دلالة واضحة بشأن الكلفة الدولية للقرارات القضائية المثيرة للانتقادات الحقوقية. ففي الوقت الذي كانت فيه المؤسسات الرياضية تحتفي بأبرز نجوم العالم، وجدت السلطات الجزائرية نفسها موضوع مطالبة علنية بالإفراج عن صحفي، في مناسبة لا علاقة لها أصلاً بالخلافات السياسية أو القضايا القضائية.
والأشد وقعا أن صورة كريستوف غليز على شاشة الكرة الذهبية اختزلت ما لم تتمكن البيانات الرسمية والإجراءات القضائية من حسمه على مستوى الرأي العام الدولي؛ إذ بات الحكم بالسجن سبع سنوات عنوانا لانتقادات تتجاوز حدود الجزائر، ودليلاً تستحضره المنظمات الحقوقية في تقييمها لواقع حرية الصحافة. وهكذا، انتقلت قضية بدأت بتحقيق رياضي عن شبيبة القبائل إلى قلب أكبر احتفال فردي بكرة القدم، لتجد السلطات الجزائرية نفسها أمام ملف يواصل ملاحقتها إعلامياً وحقوقياً، رغم مرور أكثر من عام على إيداع صاحبه السجن.





