حين تتحول القروض البنكية إلى وقود للغلاء.. كيف يساهم الاستهلاك بالدَّين في إنهاك القدرة الشرائية للمغاربة؟

بشرى عطوشي
لا يرتبط غلاء الأسعار في المغرب فقط بارتفاع تكاليف الإنتاج أو تقلبات الأسواق الدولية أو تعدد الوسطاء، بل يتأثر أيضاً بطريقة تمويل الاستهلاك وحجم الطلب الذي يضخه المواطنون في السوق. ومن بين العوامل التي تستحق النقاش، التوسع في القروض البنكية الموجهة للاستهلاك، وما يمكن أن ينتج عنه من زيادة في الطلب على السلع والخدمات بوتيرة قد تتجاوز قدرة العرض على الاستجابة.
فعندما يلجأ المواطن إلى الاقتراض لشراء سيارة أو أثاث أو أجهزة إلكترونية أو غيرها من المنتجات، فإنه يضيف إلى قدرته الشرائية الحالية أموالاً لم تكن متاحة له لولا القرض. وإذا تكرر هذا السلوك على نطاق واسع، فقد ترتفع مبيعات التجار والشركات بسرعة، حتى إن لم يرتفع الإنتاج أو حجم السلع المعروضة بالسرعة نفسها. وهنا تبدأ العلاقة بين القروض والطلب والأسعار في الظهور.
من القرض البنكي إلى ارتفاع الأسعار
تقوم القاعدة الاقتصادية البسيطة على أن ارتفاع الطلب مقابل عرض محدود قد يدفع الأسعار إلى الصعود. فعندما يجد التاجر أن عدداً كبيراً من المستهلكين مستعدون للشراء، وأن السلع المتوفرة لا تكفي لتلبية جميع الطلبات بالوتيرة المطلوبة، فقد يجد مجالاً لرفع الأسعار، خصوصاً عندما تكون المنافسة محدودة أو يصعب زيادة الإنتاج والاستيراد بسرعة.
وتتضح الصورة أكثر في القطاعات التي لا يمكنها توسيع العرض في وقت قصير، مثل العقار وبعض الخدمات والمنتجات التي تتطلب آجالاً طويلة للإنتاج أو التوريد. فإذا ارتفع الطلب الممول بالقروض، دون زيادة مقابلة في المعروض، فإن الأسعار قد ترتفع، وقد يجد المواطن نفسه مضطراً إلى الاقتراض بمبالغ أكبر لمواجهة الأسعار الجديدة، فيدخل السوق في حلقة متواصلة من الاستدانة وارتفاع تكاليف المعيشة.
المواطن المقترض يشتري اليوم.. وقد يدفع الجميع الثمن غداً
المشكلة لا تتوقف عند الشخص الذي يحصل على القرض، بل قد تمتد آثارها إلى المواطنين الذين لا يقترضون. فالمستهلك الذي يشتري بتمويل بنكي يستطيع، مؤقتاً، المنافسة على السلع والخدمات بقدرة شرائية تفوق دخله المتاح فعلياً. وفي المقابل، يجد المواطن الذي يعتمد حصراً على راتبه أو دخله المحدود نفسه أمام أسعار قد ترتفع دون أن تتحسن قدرته على الشراء.
وهكذا، قد يتحول الائتمان الاستهلاكي، عندما يتوسع بوتيرة تفوق نمو الإنتاج والعرض، إلى عامل يزيد الضغط على القدرة الشرائية للفئات غير المستفيدة من التمويل. فالمقترض يسدد أقساطه وفوائد تمويله أو تكاليفه، بينما يتحمل غير المقترض أيضاً أثر ارتفاع الأسعار إذا انعكس الضغط على السوق في صورة تضخم.
لكن من الضروري التمييز بين القروض التي تمول الاستهلاك والقروض التي تمول الإنتاج والاستثمار؛ فالأولى قد تزيد الطلب بسرعة، بينما تستطيع الثانية، إذا وُجهت إلى مشاريع منتجة، أن ترفع العرض وتخلق فرص الشغل وتساعد على تخفيف الضغوط التضخمية مستقبلاً.
هل المواطن مسؤول عن التضخم؟
لا يمكن تحميل المواطن وحده مسؤولية الغلاء، ولا اعتبار كل قرض بنكي سبباً مباشراً في التضخم. فالأسعار في المغرب تتأثر كذلك بتكاليف الطاقة والنقل والمواد الأولية، والظروف المناخية، وأسعار الاستيراد، والمنافسة، وهوامش الربح، والسياسات النقدية والمالية. كما أن الاقتراض قد يكون ضرورة لتغطية حاجات أساسية، وليس بالضرورة تعبيراً عن الاستهلاك المفرط.
غير أن الاستهلاك القائم على الاستدانة، حين يتحول إلى سلوك واسع ومستمر، يمكن أن يزيد الطلب الإجمالي، ويغذي الضغوط على الأسعار إذا لم يواكبه نمو كافٍ في الإنتاج والعرض. وتزداد خطورة الوضع عندما يتجه جزء كبير من الاقتراض إلى شراء السلع المستوردة أو العقارات القائمة، دون أن يقابله توسع إنتاجي محلي يعزز قدرة السوق على تلبية الطلب.
ومن هنا تبرز مسؤولية الأبناك والجهات الرقابية والسياسات الاقتصادية في تتبع تطور القروض الاستهلاكية، وتقييم آثارها، وضمان عدم تحول التوسع الائتماني إلى مصدر إضافي لاختلال التوازن بين العرض والطلب. كما تبرز أهمية تشجيع الاستثمار المنتج، وتعزيز المنافسة، ومحاربة الممارسات الاحتكارية، حتى لا تتحول زيادة الطلب إلى فرصة لرفع الأسعار على حساب المستهلك.
إن الرهان الحقيقي لا يكمن في منع المواطن من الاقتراض، بل في تحقيق التوازن بين قدرته على الاستهلاك وقدرة الاقتصاد على الإنتاج. فالسوق التي تتوسع فيها القوة الشرائية الممولة بالدَّين أسرع من نمو السلع والخدمات قد تعرف ارتفاعاً في الأسعار، بينما يظل المواطن محدود الدخل الحلقة الأضعف، لأنه لا يستفيد من تمويل إضافي، ولا يملك هامشاً كافياً لمواجهة موجات الغلاء.
والسؤال الذي يستحق أن تطرحه السياسات الاقتصادية في المغرب هو: هل يتوسع الائتمان البنكي بما يخدم الإنتاج وخلق الثروة، أم أن جزءاً منه يغذي استهلاكاً آنياً يزيد الضغط على الأسعار ويترك كلفة الاختلالات على عاتق الأسر الأكثر هشاشة؟





