الأحرار يشككون في جدوى تخصيص 62 مليار درهم ضمن أول مشروع مالية للحكومة

أميمة حدري

شكك فريق التجمع الوطني للأحرار بمجلس النواب في طبيعة المجهود الاجتماعي الذي تعكسه الاعتمادات المالية المعلنة ضمن مشروع قانون المالية لسنة 2027، متسائلا عما إذا كان تخصيص 62 مليار درهم يعكس مجهودا اجتماعيا جديدا أم مجرد تجميع لالتزامات سابقة ومتفاوتة الطبيعة، وذلك في سياق انتقاده للفجوة بين الوعود التي رفعتها الحكومة الحالية والاختيارات الميزانياتية التي تضمنها أول مشروع مالية لها.

واعتبر الفريق، خلال اجتماع لجنة المالية والتنمية الاقتصادية بمجلس النواب، اليوم الأربعاء، أن خطاب الحكومة بشأن القطيعة مع المرحلة السابقة لا ينسجم مع استمرارها في تنزيل عدد من الإصلاحات والأوراش التي ساهمت الحكومة السابقة في إطلاقها أو تنفيذ مراحل أساسية منها، معتبرا أن هذا التناقض يثير تساؤلات بشأن مصداقية خطاب التغيير وحدود الإضافة التي تعتزم الحكومة الحالية تقديمها.

وأوضح ياسين عكاشة، رئيس الفريق النيابي للتجمع الوطني للأحرار، أن الحكومة تواصل تنزيل أوراش الحماية الاجتماعية، وإصلاح الضريبة على الدخل، وتحسين الأجور، وتفعيل ميثاق الاستثمار، إلى جانب إصلاح منظومتي الصحة والتعليم، بما في ذلك مدارس الريادة، وهي أوراش قال إنها عرفت مساهمة الحكومة السابقة في إنجاز مراحل أساسية منها.

وشدد عكاشة على أن النقاش بشأن مشروع قانون المالية ينبغي أن ينصب على مدى قدرة الاختيارات الحكومية على تحسين مستوى عيش المواطنين، وتوسيع فرص الشغل، والرفع من الدخل، وضمان الاستفادة من الخدمات العمومية، بدلا من الاكتفاء بأحكام عامة وشعارات سياسية لا تقدم، بحسب تعبيره، أجوبة عملية عن التحديات الاقتصادية والاجتماعية المطروحة.

وفي هذا السياق، سجل الفريق أن الاعتمادات التي قدمتها الحكومة ضمن مشروع قانون المالية لسنة 2027، والتي تبلغ 62 مليار درهم، تشمل 25 مليار درهم مخصصة للتنمية الترابية، و5.5 مليارات درهم لمراجعة الضريبة على الدخل، إلى جانب اعتمادات أخرى مرتبطة بتحسين المعاشات وتمويل قطاعي الصحة والتعليم.

وتساءل عكاشة عن طبيعة هذا المجهود المالي، وما إذا كان يمثل تحولا جديدا في السياسة الاجتماعية أم تجميعا لالتزامات تختلف من حيث طبيعتها وأهدافها، معتبرا أن تقييم المشروع لا ينبغي أن يقتصر على حجم الاعتمادات المرصودة، بل يتعين أن يشمل مدى انسجامها مع الوعود المعلنة والنتائج المنتظرة منها.

وانتقد الفريق ما وصفه بالفجوة بين سقف الوعود التي قدمتها الحكومة للمغاربة وحجم المكاسب التي يقترحها مشروع المالية خلال السنة الأولى من ولايتها، مشيرا إلى أن استعادة القدرة الشرائية وتحسين الدخل وتوسيع فرص التشغيل شكلت عناوين أساسية في البرنامج الحكومي، بينما تكشف الترجمة المالية لهذه الالتزامات، وفق قراءته، عن ترحيل جانب مهم منها إلى أفق سنة 2031.

واعتبر عكاشة أن تأجيل تحقيق عدد من الأهداف الاجتماعية إلى نهاية الولاية الحكومية يطرح إشكالا بشأن مدى الوفاء بالالتزامات التي قدمت خلال الحملة الانتخابية، متسائلا عن القيمة المضافة التي يحملها المشروع الحالي في ضوء ما أعلنته الحكومة من توجهات ترمي إلى إحداث تحول في مقاربة الدولة الاجتماعية.

كما انتقد الفريق خطاب الحكومة بشأن الانتقال من دولة اجتماعية تركز على توزيع المساعدات إلى دولة منتجة تقوم على الاستثمار والمبادرة وخلق الثروة، معتبرا أن استحضار مفاهيم إيديولوجية قديمة قد يخلق تقابلا مصطنعا بين متطلبات العدالة الاجتماعية ودور المقاولة والاستثمار في تحقيق التنمية.

وقال عكاشة إن المغرب ليس في حاجة إلى استعادة معارك إيديولوجية من زمن “الكولخوزات” و”السوفخوزات”، ولا إلى افتعال مواجهة بين الدولة والمقاولة، بل إلى بناء علاقة متوازنة تجعل الاستثمار في خدمة التنمية والإنسان، وتضمن الدولة من خلالها العدالة الاجتماعية وتكافؤ الفرص.

ورفض المسؤول النيابي ما اعتبره مزايدة سياسية على التجارب الحكومية السابقة، مؤكدا أن الاختلاف في التوجهات لا ينبغي أن يتحول إلى تنكر للإصلاحات التي أطلقتها الحكومات المتعاقبة، أو إلى بديل عن تقديم مشروع واضح للمستقبل. مشددا على أن القطيعة السياسية لا تثبت بالتصريحات والشعارات، وإنما بالاختيارات المعتمدة والنتائج المحققة على أرض الواقع.

وفي انتقاداته لمشروع قانون المالية، اعتبر فريق التجمع الوطني للأحرار أن صدقية التغيير الذي تتحدث عنه الحكومة تظل مرتبطة بمدى وضوح أولوياتها، وانسجام توزيع الاعتمادات مع التزاماتها، وقدرتها على تقديم أجوبة ملموسة عن الإشكالات الاقتصادية والاجتماعية، محذرا من أن استمرار الفجوة بين الخطاب والممارسة قد يجعل الشعارات المعلنة أقرب إلى الخطاب السياسي منها إلى مشروع إصلاحي متكامل.

وأكد عكاشة أن وجود فريقه في المعارضة لا يعني معارضة الإصلاحات الوطنية، كما أن مشاركته السابقة في التدبير الحكومي لا تلزمه بمساندة اختيارات الحكومة الحالية، موضحا أن موقف الفريق يقوم على ممارسة حقه الدستوري في النقد والتعديل والمساءلة، بعيدا عن الرفض المسبق أو منح الحكومة موافقة غير مشروطة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى