السغروشني تتصدر غلاف “ستراتيجي” الفرنسية.. السيادة الرقمية المغربية محط إشادة دولية

مديحة المهادنة

تصدّرت العالمة المغربية أمل الفلاح السغروشني غلاف العدد الجديد من مجلة “Stratégies” الفرنسية، الصادر يوم الخميس 29 أكتوبر 2026، في حضور إعلامي دولي يعكس المكانة التي باتت تحتلها الكفاءات المغربية في النقاش العالمي حول الذكاء الاصطناعي، ويبرز ملامح رؤية وطنية طموحة تسعى إلى ترسيخ السيادة الرقمية للمملكة، والانتقال من استهلاك التكنولوجيا إلى الإسهام في إنتاجها وتطويرها.

وخصصت المجلة الفرنسية، في عددها رقم 2328 الصادر تحت عنوان “إفريقيا”، حواراً موسعاً مع السغروشني، الوزيرة السابقة المنتدبة المكلفة بالانتقال الرقمي وإصلاح الإدارة، تحت عنوان لافت: “أريد ذكاءً اصطناعياً متصلاً بالواقع المغربي”، مسلطة الضوء على تجربتها العلمية ومسارها الحكومي، وعلى التصور الذي دافعت عنه لبناء نموذج مغربي للذكاء الاصطناعي، يستمد خصوصيته من الواقع الوطني وحاجيات المواطنين وأولويات التنمية.

ويكتسي هذا الحضور دلالة خاصة، بالنظر إلى توقيته الذي يأتي عقب انتهاء مهام السغروشني الحكومية، إثر التعديل الحكومي الذي شهدته المملكة في أكتوبر الجاري، وتسليمها السلط رسمياً، يوم 19 أكتوبر 2026، إلى أحمد رحو، وزير الذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي وإصلاح الإدارة. وهو ما يمنح هذا الحوار بعداً يتجاوز تقديم رؤية مستقبلية، ليشكل مناسبة لاستعراض أبرز التوجهات والمبادرات التي طبعت تجربتها على رأس القطاع.

وفي قراءتها لحصيلة هذه التجربة، أبرزت السغروشني أن العمل الذي قادته خلال عامين ارتكز على إرساء تصور متكامل يجمع بين استراتيجية “المغرب الرقمي 2030” وخارطة الطريق الوطنية للذكاء الاصطناعي، مع الحرص على تجاوز المقاربات التقنية المعزولة نحو إدماج الرقمنة والذكاء الاصطناعي في صميم إصلاح الإدارة وتطوير الخدمات العمومية.

وقدمت، في هذا السياق، معطيات تعكس حجم التحول الذي تستهدفه المملكة، مشيرة إلى توفير نحو 600 خدمة رقمية، وتسجيل 52 مليون معاملة، بالتوازي مع تطوير أدوات لتبسيط المساطر الإدارية وتعزيز تفاعل المرتفقين مع المؤسسات العمومية. كما شددت على أهمية توظيف الذكاء الاصطناعي في تسهيل البحث داخل الوثائق الإدارية، وتيسير الولوج إلى المعلومات والخدمات، بما يجعل التحول الرقمي أداة عملية لتحسين علاقة الإدارة بالمواطن.

ولم تقتصر الرؤية التي عرضتها السغروشني على تحديث الإدارة، بل امتدت إلى بناء اقتصاد رقمي منتج، قادر على استقطاب الاستثمارات واحتضان المقاولات الناشئة وتثمين الكفاءات الوطنية. وأوضحت أن قطاع ترحيل الخدمات شهد، خلال سنة 2025، ارتفاعاً في عدد مناصب الشغل المباشرة المحدثة بمعدل 2.5 مرة، ليقترب عددها من 19 ألف منصب، وفق الأرقام التي قدمتها للمجلة.

كما كشفت عن تعبئة استثمار بقيمة 1.3 مليار درهم لمواكبة منظومة المقاولات الناشئة، مع العمل على استقطاب صناديق استثمار مغربية ودولية، وتعزيز حضور المشاريع التكنولوجية الوطنية في الأسواق الإفريقية والعالمية. وأبرزت أن المغرب يراهن على تطوير منظومة متكاملة تشمل البحث العلمي والابتكار والتمويل والتكوين، انطلاقاً من قناعة مفادها أن امتلاك التكنولوجيا لا ينفصل عن امتلاك القدرة على إنتاجها وتطويرها.

وفي صلب هذا التصور، حضرت السيادة الرقمية باعتبارها أحد المرتكزات الأساسية للاستقلال التكنولوجي، من خلال حماية المعطيات الوطنية، وتطوير البنيات التحتية ومراكز البيانات، وتعزيز الأمن السيبراني، ودعم حلول الذكاء الاصطناعي المصممة وفق الخصوصيات المغربية.

وفي موقف يعكس عمق رؤيتها العلمية، دافعت السغروشني عن ضرورة تطوير ذكاء اصطناعي يفهم اللغة التي يتحدث بها المغاربة، ويستوعب لهجاتهم وسياقاتهم الاجتماعية والثقافية، عوض الاكتفاء باستيراد نماذج تكنولوجية جاهزة لا تستجيب بالضرورة لواقع المجتمع.

وامتدت طموحاتها إلى الاستثمار في الرأسمال البشري، من خلال هدف تكوين 100 ألف كفاءة رقمية بحلول سنة 2030، وإرساء جسور أكثر متانة بين الجامعة والبحث العلمي وسوق الشغل، إلى جانب دعم المبادرات التي تستهدف تعريف الأطفال والشباب بالذكاء الاصطناعي وتحفيزهم على الابتكار.

كما برز البعد الإفريقي بقوة في الحوار، حيث قدمت السغروشني المغرب باعتباره جسراً تكنولوجياً بين إفريقيا وأوروبا، ومنصة مؤهلة لاحتضان الاستثمارات الرقمية وتطوير شراكات دولية في مجالات البيانات والذكاء الاصطناعي والبحث العلمي، مستندة إلى الموقع الاستراتيجي للمملكة وقدراتها البشرية ومشاريعها التكنولوجية.

ولم يكن هذا الاهتمام الإعلامي منفصلاً عن المسار الأكاديمي المتميز للسغروشني، التي راكمت تجربة علمية دولية في مجال الذكاء الاصطناعي والأنظمة متعددة الوكلاء، واشتغلت أستاذة وباحثة بجامعة السوربون في باريس، قبل أن تسهم في تطوير منظومة البحث والابتكار بالمغرب، من خلال ارتباطها بالمركز الدولي للذكاء الاصطناعي “AI Movement” بجامعة محمد السادس متعددة التخصصات التقنية.

وتعززت أهمية هذا الحضور في العدد ذاته من مجلة “Stratégie” بنشر مادة صحفية تحت عنوان “المغرب بطل التكنولوجيا”، تناولت الدينامية التي يشهدها النظام البيئي للمقاولات الناشئة “المملكة، ودور المؤسسات الاستثمارية والجامعات ومراكز البحث في دعم الابتكار، مع إبراز طموح المغرب لبلوغ 3000 مقاولة ناشئة في أفق سنة 2030. وهي المادة التي سبق نشرها في يونيو 2026، قبل إعادة إدراجها ضمن هذا العدد الخاص بإفريقيا.

ويمنح تصدّر أمل الفلاح السغروشني غلاف مجلة فرنسية متخصصة في الاستراتيجيات والتواصل بعداً جديداً لحضور الخبرة المغربية في الفضاء الإعلامي الدولي، باعتباره تسليطاً للضوء على مسار عالمة استطاعت الجمع بين العمق الأكاديمي والمسؤولية الحكومية، والدفاع عن تصور يجعل من الذكاء الاصطناعي رافعة للتنمية وأداة لخدمة الإنسان.

إنه حضور يتجاوز صورة شخصية مغربية على غلاف مجلة دولية، ليعكس قيمة الكفاءة الوطنية حين تقترن بالمعرفة والرؤية والطموح؛ ويؤكد أن للمغرب من العقول والخبرات ما يؤهله للإسهام في صياغة مستقبل التكنولوجيا، وترسيخ مكانته ضمن الدول الساعية إلى بناء سيادتها الرقمية بإمكاناتها وكفاءاتها واختياراتها الاستراتيجية.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى