مشروع مالية 2027.. المقاولات الصغرى بين المؤشرات الإيجابية وغياب ضمانات التنفيذ

إعلام تيفي/ بلاغ 

وضعت الكونفدرالية المغربية للمقاولات الصغيرة جدا والصغرى والمتوسطة مشروع قانون المالية لسنة 2027 تحت مجهر التقييم، مسجلة وجود توجهات وتدابير إيجابية في النص المعروض على البرلمان، مقابل استمرار غياب التزامات واضحة وقابلة للقياس تستجيب للصعوبات التي تواجه المقاولات الصغيرة، خصوصاً في ما يتعلق بالتمويل والسيولة والضرائب والولوج إلى الصفقات العمومية.

وأفادت الكونفدرالية، في بلاغ صحفي، بأن مقارنتها لمضامين مشروع قانون المالية رقم 60.26 بالأولويات الثلاث عشرة التي وجهتها إلى الهيئات السياسية في 9 شتنبر 2026، أظهرت استجابة جزئية لسبعة مطالب، مقابل ستة مطالب لم ترصد بشأنها استجابة واضحة ومحددة، دون تسجيل أي مطلب مستوفى بالكامل ومرفق بأرقام ومؤشرات دقيقة.

وسجلت الهيئة ذاتها عددا من التدابير التي تتقاطع مع مطالبها، من بينها التوجه نحو تبسيط استرجاع الرصيد الدائن للضريبة على القيمة المضافة، والإشارة إلى توفير قروض ملائمة وضمانات مبسطة، وإرساء نظام وطني للتنقيط ومواكبة المقاولات، إلى جانب مواصلة إصلاح منظومة الطلبية العمومية، وإطلاق برامج لفائدة الشباب، واعتماد تدبير انتقالي يسمح للملزمين الذين يصرحون لأول مرة بتسوية وضعيتهم دون تذكير ضريبي عن الفترات السابقة.

غير أن الكونفدرالية اعتبرت أن هذه التوجهات لا تكفي، في غياب ضمانات عملية تحدد شروط الاستفادة وآجال التنفيذ والنتائج المنتظرة، مشددة على أن الأولوية بالنسبة إلى المقاولات الصغيرة جدا والصغرى والمتوسطة تتمثل في تحويل التدابير المعلنة إلى حقوق وآليات تمويل ومواكبة يمكن الاستفادة منها فعليا.

وفي ما يتعلق بالسيولة المالية، نبهت الكونفدرالية إلى التداعيات المحتملة للاقتطاع من المنبع المتعلق بالضريبة على القيمة المضافة على المقاولات التي تعاني محدودية الاحتياطيات المالية وتعتمد على تحصيل مستحقاتها لتغطية نفقات التشغيل. وأوضحت أن احتفاظ الزبائن بجزء من الضريبة المفوترة وتحويله إلى الخزينة قد يحد من قدرة هذه المقاولات على أداء مستحقات الموردين والأجور والكراء والمصاريف الجارية.

وأضافت أن بعض المقاولات أبلغتها بوجود حالات اقتطاع مبالغ فيها أو خاطئة من طرف زبائن كبار، بما يؤدي إلى تجميد مبالغ مالية ويزيد من حدة صعوبات السيولة، معتبرة أن تبسيط إجراءات الاسترجاع لن يكون كافيا ما لم يقترن بمساطر سريعة ورقمية وواضحة، مع تحديد آجال ملزمة للمعالجة وإتاحة تتبع الطلبات وإقرار آليات لتصحيح الاقتطاعات غير المبررة.

وفي ملف التمويل، دعت الكونفدرالية إلى إحداث بنك عمومي متخصص في تمويل المقاولات الصغيرة جدا والصغرى والمتوسطة والمقاولين الذاتيين، معتبرة أن التوجه نحو توفير قروض ملائمة وتبسيط الضمانات يحتاج إلى آليات مؤسساتية قادرة على الاستجابة لحاجيات هذه الفئات.

كما طالبت بتقييم مستقل لبرامج التمويل القائمة، وتبسيط شروط الولوج إلى الدعم العمومي، وتوفير المواكبة اللازمة للمقاولات، خصوصاً في مراحل انطلاق أنشطتها وتطويرها.

وبخصوص الصفقات العمومية، شددت الهيئة على ضرورة الانتقال من الإعلان عن تخصيص حصة تبلغ 30 في المائة لفائدة المقاولات الصغيرة جداً والصغرى والمتوسطة إلى ضمان تطبيقها الفعلي. مطالبة بنشر النصوص التنظيمية التطبيقية ذات الصلة، وإحداث لوحة قيادة سنوية توضح قيمة الصفقات المسندة إلى هذه المقاولات وعددها وتوزيعها حسب الجهات وحجم المقاولات، إلى جانب نشر المعطيات المتعلقة بآجال الأداء الفعلية.

كما دعت إلى تقسيم الصفقات إلى حصص تتناسب مع القدرات المالية والتقنية للمقاولات الصغيرة، وتوفير تسبيقات الانطلاق وآليات تمويل الطلبيات والفواتير، بما يسمح لهذه المقاولات بتنفيذ التزاماتها دون تعريض رأسمالها العامل لمخاطر إضافية.

وفي السياق ذاته، أثارت الكونفدرالية إشكالية تأخر أداء مستحقات المقاولات، معتبرة أن تنفيذ الطلبيات لا يضمن استقرارها المالي إذا لم تتوصل بمستحقاتها داخل آجال معقولة. وطالبت بإقرار أجل أقصى للأداء لا يتجاوز 30 يوما، مع اعتماد فوائد أو عقوبات رادعة في حالات التأخير، وإخضاع المشترين العموميين للتتبع والمراقبة، ونشر المعطيات المتعلقة بالتأخيرات المسجلة.

وعلى المستوى الضريبي، جددت الكونفدرالية مطالبتها بخفض نسبة الضريبة على الشركات المطبقة على المقاولات الصغيرة جدا المعنية من 20 في المائة إلى 10 في المائة، معتبرة أن هذا المطلب لا يجد، وفق قراءتها لمشروع قانون المالية، ترجمة ضمن التدابير الضريبية المحددة في النص. داعية إلى إجراء دراسة بشأن آثار رفع الضريبة على الاستثمار واستمرارية المقاولات وإحداث فرص الشغل، ونشر نتائجها للعموم.

وأشارت الهيئة إلى أنها سجلت إفلاس أكثر من 150 ألف مقاولة خلال الفترة الممتدة من 2022 إلى 2025، مؤكدة أن المقاولات الصغيرة جداً تمثل أكثر من 99 في المائة من هذه الحالات، وفق المعطيات التي أوردتها في بلاغها. مذكرة أن سنة 2025 وحدها سجلت 52 ألف حالة إفلاس، معتبرة أن هذه الأرقام تستدعي إعادة تقييم أثر السياسات الضريبية والمالية على النسيج المقاولاتي الوطني.

وفي ما يخص نظام المقاول الذاتي، دعت الكونفدرالية إلى مراجعة سقوف رقم المعاملات السنوي، من خلال رفعه من 500 ألف درهم إلى مليون درهم بالنسبة إلى الأنشطة التجارية والصناعية والحرفية، ومن 200 ألف درهم إلى 500 ألف درهم بالنسبة إلى الخدمات.

كما طالبت بمراجعة السقف المحدد في 80 ألف درهم من رقم المعاملات المحقق مع الزبون نفسه بالنسبة إلى مقدمي الخدمات، معتبرة أن المقتضيات الحالية قد تحد من تطور النشاط وتفرض أعباء ضريبية غير متناسبة.

ولم تقتصر مطالب الكونفدرالية على التمويل والضرائب، بل امتدت إلى ضرورة تعزيز مواكبة المقاولات الصغرى على المستوى الترابي، وإحداث آليات للقرب، وتوفير برامج للرقمنة واستخدام الذكاء الاصطناعي بميزانيات محددة ومؤشرات قابلة للتقييم، فضلاً عن وضع تدابير خاصة بالمقاولات الصغيرة المصدرة وريادة الأعمال النسائية والشبابية، وتعزيز تمثيلية هذه المقاولات داخل هيئات الحكامة العمومية.

ودعت الكونفدرالية الحكومة والفرق البرلمانية إلى استثمار مرحلة مناقشة مشروع قانون المالية لإدراج التزامات واضحة بشأن التمويل والولوج إلى الصفقات العمومية وآجال الأداء والإصلاح الضريبي، مع تحديد الميزانيات والجهات المستفيدة والنتائج المنتظرة، واعتماد آليات للتتبع والتقييم تتيح قياس الأثر الفعلي للتدابير المعتمدة.

وأكدت الهيئة أن تقييم مشروع قانون المالية ينبغي ألا يقتصر على التدابير المعلنة أو التغييرات الضريبية، بل يجب أن يستند إلى نتائج ملموسة، تشمل عدد المقاولات المستفيدة من التمويل والدعم العمومي، وحجم الصفقات التي تحصل عليها، ومدى احترام آجال أداء مستحقاتها، وقدرتها على الاستمرار في النشاط والحفاظ على مناصب الشغل وإحداث فرص جديدة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى