ملف: 31 أكتوبر عيد الوحدة.. أول احتفال بفخر وطني ذي أبعاد دبلوماسية

إعلام تيفي/ ملف
يأتي “عيد الوحدة” في مرحلة مفصلية بالنسبة للمملكة. فبين تأكيد السيادة الوطنية، وترسيخ المكتسبات الدبلوماسية، وآفاق التوصل إلى تسوية سياسية نهائية، تُكرِّس هذه النسخة الأولى التناغم التام بين التماسك الداخلي والانتصارات الاستراتيجية التي حققها المغرب على الساحة الدولية.
عيد الوحدة: من التحول الدبلوماسي إلى الإنجازات الملموسة
بشرى عطوشي
يأتي الاحتفال الأول بـ “عيد الوحدة” في سياق يتقاطع فيه رهانان أساسيان بالنسبة للمملكة: تعزيز التماسك الوطني والشعور بالانتماء من جهة، وترسيخ المكتسبات الدبلوماسية المتعلقة بقضية الصحراء المغربية من جهة أخرى.
وتضفي هذه الظرفية على هذا العيد الجديد دلالة تتجاوز مجرد الاحتفاء بذكرى معينة؛ إذ يندرج ضمن دينامية تأكيد السيادة الوطنية، حيث يُنتظر من الوحدة الداخلية أن تواكب الجهود الدبلوماسية التي يبذلها المغرب على الساحة الدولية.
وقد بات يوم 31 أكتوبر يحتل مكانة خاصة في التقويم الوطني المغربي. فـ “عيد الوحدة” -الذي أقره جلالة الملك محمد السادس- لا يقتصر على كونه مجرد يوم عطلة، بل يرتبط بمحطة دبلوماسية بارزة، تمثلت في اعتماد مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، بتاريخ 31 أكتوبر 2025، للقرار رقم 2797 بشأن قضية الصحراء المغربية.
وبالنسبة للمملكة، تُعد هذه المحطة خطوة هامة في تعزيز موقفها الدبلوماسي، لا سيما من خلال المكانة التي خُصصت لمبادرة الحكم الذاتي. وتأتي هذه المناسبة استكمالاً لسنوات من الجهود الدبلوماسية الرامية إلى حشد الدعم الدولي للمبادرة المغربية، والدفاع عن الوحدة الترابية للبلاد، من طنجة إلى الكويرة.

وإلى جانب أبعاده الدبلوماسية، يحمل “عيد الوحدة” في طياته رهاناً يتعلق بالتماسك الوطني؛ إذ يشكل الاحتفال به فرصة لتعزيز الروابط بين المؤسسات والمواطنين، من خلال التركيز على المبادرات القريبة من المواطن والأنشطة الكفيلة بتعبئة مختلف مكونات المجتمع. والهدف من ذلك هو جعل هذا اليوم مناسبة جامعة، تتلاقى فيها الذاكرة الوطنية مع رؤية عصرية للمواطنة.
مناسبة مكملة لـ “المسيرة الخضراء”
لا يأتي “عيد الوحدة” ليحل محل المحطات الكبرى الأخرى في التقويم الوطني، وعلى رأسها “المسيرة الخضراء”؛ فكلا الاحتفالين يشيران إلى مرحلتين متميزتين، ولكنهما متكاملتان، من التاريخ المعاصر للمغرب.
تظل “المسيرة الخضراء” مرتبطة بتعبئة تاريخية تأسيسية في السردية الوطنية المتعلقة بالصحراء المغربية. أما “عيد الوحدة”، فيهدف إلى تسليط الضوء على مرحلة دبلوماسية معاصرة، ترمز إلى ترسيخ الموقف المغربي بشأن هذه القضية.
ويُدرج هذا التكاملُ تاريخَ 31 أكتوبر ضمن سياق تاريخي متصل، مع إبراز تطور الأدوات التي توظفها المملكة للدفاع عن مصالحها الاستراتيجية. وهكذا، تضاف إلى التعبئة الشعبية التاريخية ديناميةٌ دبلوماسية، من المتوقع أن تترك بصماتها طويلاً على مسار تطور ملف الصحراء.
ومع ذلك، فإن مدى تأثير هذه المناسبة الجديدة سيعتمد على قدرتها على تجاوز الإطار المؤسساتي. إذ يمكن لمبادرات ثقافية وتربوية ومدنية أن تساهم في جعلها حدثاً يتقاسمه مختلف الأجيال. وبالنسبة للسلطات العمومية، يكمن الرهان في تحويل دلالتها الرمزية إلى تجربة جماعية قادرة على تعزيز الشعور بالانتماء الوطني بشكل مستدام.
الدبلوماسية المغربية: ترسيخ مكتسبات عام 2025
بمناسبة 31 أكتوبر 2026، تسعى الدبلوماسية المغربية إلى ضمان استدامة المكتسبات الأخيرة في ملف الصحراء. ويُعد انتهاء ولاية “بعثة الأمم المتحدة لتنظيم استفتاء في الصحراء” (مينورسو) -والذي يتزامن مع المراجعة السنوية للقضية من قبل مجلس الأمن- محطةً دبلوماسية حاسمة.
وبالنسبة للرباط، يتجاوز الرهان مجرد تجديد ولاية البعثة الأممية. يتمثل الهدف في تحويل التوجه السياسي الذي تم إرساؤه عام 2025 إلى إطار تفاوضي أكثر إجرائية، من شأنه تقريب وجهات نظر الأطراف نحو التوصل إلى تسوية سياسية.
ويرتكز هذا المسعى، على وجه الخصوص، على تعزيز الدعم الدولي، وحشد الشركاء، والحفاظ على “مبادرة الحكم الذاتي” في صلب النقاشات.
وفي هذا السياق، يهدف تقديم نسخة مُحدَّثة ومُوسَّعة من المبادرة المغربية إلى توفير أرضية نقاش أكثر تنظيماً، تتيح معالجة آليات التوصل إلى حل تفاوضي بشكل ملموس.
عيد الوحدة يعيد طرح سؤال نجاعة الدبلوماسية الحزبية في الترافع عن قضية الصحراء
أميمة حدري
مع حلول الذكرى الأولى لعيد الوحدة، تتجدد الأسئلة بشأن طبيعة الأدوار التي يمكن أن تضطلع بها الأحزاب السياسية المغربية في مواكبة قضية الصحراء، ومدى قدرتها على تحويل مواقفها المعلنة من الوحدة الترابية إلى مبادرات ترافعية منتظمة داخل الفضاءات السياسية الدولية.
وبين التحركات الخارجية من جهة واللقاءات مع الأحزاب والمنظمات السياسية الأجنبية من جهة أخرى، يطرح النقاش حول حدود الدبلوماسية الحزبية، وشروط تطوير أدائها، ومدى قدرتها على إحداث أثر ملموس في مواقف الفاعلين الدوليين، في إطار من التكامل مع الدبلوماسية السياسية.
ضرورة استثمار العلاقات الدولية للأحزاب وتطوير الخطاب السياسي
وفي هذا السياق، قال محمد سالم عبد الفتاح، رئيس المرصد الصحراوي للإعلام وحقوق الإنسان، في تصريح لـ“إعلام تيفي”، إن الأحزاب السياسية المغربية تمكنت خلال السنوات الأخيرة من تحقيق انتقال جزئي من مستوى إعلان المواقف إلى مستوى إطلاق مبادرات عملية، من خلال الزيارات الخارجية والتواصل مع الأحزاب والمنظمات السياسية الدولية، فضلا عن المشاركة في اللقاءات والمنتديات الرامية إلى التعريف بالقضية الوطنية ومقترح الحكم الذاتي.
وأضاف سالم عبد الفتاح أن التحركات الحزبية برزت من خلال انخراط قيادات سياسية في شبكات دولية، وإطلاق مبادرات فكرية ومؤسساتية تروم تطوير آليات الترافع، إلى جانب النقاشات البرلمانية والأنشطة التي تنظمها الأحزاب للتعريف بالقضية الوطنية. غير أنه اعتبر أن التحدي الأساسي لا يرتبط بغياب المبادرات، بقدر ما يتعلق بمدى قدرتها على التحول إلى استراتيجية حزبية متواصلة تتجاوز التحركات المرتبطة بالمناسبات والزيارات الظرفية.
الأحزاب السياسية المغربية تمكنت خلال السنوات الأخيرة من تحقيق انتقال جزئي من مستوى إعلان المواقف إلى مستوى إطلاق مبادرات عملية
وأوضح المتحدث ذاته أن الترافع عن قضية الصحراء لا ينبغي أن يظل محصورا في تكرار المواقف الوطنية خلال اللقاءات الدولية، بل يستدعي بناء علاقات طويلة الأمد مع الفاعلين السياسيين والنشطاء الأجانب، وتطوير خطاب يستحضر الخصوصيات السياسية والقانونية لكل دولة، فضلا عن مواكبة النقاشات داخل الأحزاب والبرلمانات والمنظمات الدولية، وتتبع النتائج التي تفضي إليها مختلف المبادرات.
وفي هذا الإطار، شدد رئيس المرصد الصحراوي للإعلام وحقوق الإنسان على ضرورة الانتقال من دبلوماسية حزبية تقوم، في جانب منها، على مبادرات متفرقة، إلى عمل مؤسساتي منتظم يستثمر العلاقات الدولية للأحزاب، ويوظف الكفاءات المتخصصة، ويربط التحركات بأهداف واضحة وقابلة للتقييم.
وأبرز أن المطلوب ليس أن تحل الأحزاب محل الدبلوماسية الرسمية، وإنما أن تستثمر مواقعها وعلاقاتها السياسية والإيديولوجية لتوسيع دوائر التعريف بالموقف المغربي، ومواكبة التطورات المرتبطة بمبادرة الحكم الذاتي، وتعزيز حضور القضية الوطنية في النقاشات السياسية الدولية.
وبخصوص طبيعة العلاقة بين الدبلوماسية الحزبية والرسمية، اعتبر عبد الفتاح أن أهمية التحرك الحزبي تكمن في قدرته على الوصول إلى فضاءات لا تشتغل فيها الدبلوماسية الرسمية بالآليات نفسها، خصوصا من خلال العلاقات بين الأحزاب ذات المرجعيات المشتركة، والانخراط في المنظمات السياسية الدولية، والتواصل مع البرلمانيين والقيادات الحزبية والفاعلين المؤثرين في النقاش العام.

وأشار إلى أن هذه الخصوصية تتيح توسيع قاعدة التعريف بالقضية الوطنية وشرح تطوراتها ضمن سياقات سياسية مختلفة، وبناء علاقات يمكن أن تسهم في التأثير في النقاشات الحزبية والبرلمانية المرتبطة بها، مؤكدا في المقابل أن هذا الدور يظل تكميليا ولا يمكنه تعويض العمل الدبلوماسي الرسمي أو الانفراد بتحديد توجهات السياسة الخارجية للمملكة.
ودعا المتحدث إلى إرساء علاقة تكامل بين المؤسستين الحزبية والرسمية، قائمة على التنسيق وتبادل المعطيات والخبرات، مع الحفاظ على الخصوصية الوظيفية لكل طرف، مقترحا تقوية التنسيق بين البرلمان ووزارة الخارجية، وإحداث آليات مؤسساتية دائمة من شأنها الحفاظ على الخبرات والتراكمات وضمان استمرارية العمل الترافعي.
وفي تشخيصه للإكراهات التي تحد من فعالية الدبلوماسية الحزبية، توقف الباحث المتخصص في قضية الصحراء عند تفاوت قدرات الأحزاب على التحرك الخارجي، وضعف انتظام بعض المبادرات، ومحدودية الموارد المخصصة لهذا المجال، فضلا عن الحاجة إلى تطوير الخبرة في القانون الدولي والعلاقات الدولية، وإتقان اللغات الأجنبية، وفهم السياقات السياسية والثقافية للبلدان المستهدفة.
كما لفت إلى أن غياب التنسيق المستدام بين الأحزاب قد يؤدي إلى تشتت الجهود وتكرار المبادرات دون تحقيق تراكم مؤسساتي يسمح ببناء مسار واضح للترافع، موضحا أن امتلاك العضوية في منظمة حزبية دولية لا يعني بالضرورة القدرة على التأثير في توجهاتها أو قراراتها، مثلما أن عقد لقاءات مع مسؤولين أجانب لا يتحول تلقائيا إلى مكاسب سياسية.
واعتبر أن تجاوز هذه الإكراهات يقتضي تحديد الأولويات الجغرافية والسياسية للتحرك، وإعداد ملفات موثقة وموجهة بحسب طبيعة الجهات المستهدفة، إلى جانب تكوين فرق متخصصة واعتماد آليات منتظمة لمتابعة الاتصالات وتقييم نتائجها، بما يضمن الانتقال من مجرد تسجيل الأنشطة إلى قياس أثرها الفعلي.
الزيارات الخارجية واللقاءات مؤشر على حيوية التحرك لكنها لا تكفي
وفي ما يتعلق بتقييم حصيلة الأحزاب المغربية في هذا المجال، شدد عبد الفتاح على ضرورة التمييز بين حجم النشاط الدبلوماسي الحزبي وأثره السياسي، موضحا أن الزيارات الخارجية واللقاءات والندوات والبلاغات المشتركة تظل مؤشرات على حيوية التحرك، لكنها لا تكفي وحدها للحكم على مدى نجاحه في التأثير في مواقف الفاعلين الأجانب.
وأوضح أن قياس هذه الحصيلة يستوجب اعتماد مؤشرات متعددة، من بينها مدى انتظام التواصل مع الأحزاب الأجنبية واستمراره بعد انتهاء الزيارات، وعدد اللقاءات التي تتحول إلى برامج تعاون مستدامة، فضلا عن حجم حضور القضية الوطنية في بيانات المنظمات الحزبية الدولية وقراراتها ووثائقها، ومدى إدراج مقترح الحكم الذاتي والتطورات المرتبطة بملف الصحراء ضمن نقاشاتها وأنشطتها الرسمية.
وأضاف المصرح نفسه أن من بين المؤشرات التي يمكن اعتمادها أيضا قدرة الأحزاب المغربية على تنظيم لقاءات موضوعاتية داخل البلدان المستهدفة، والوصول إلى وسائل الإعلام والجامعات ومراكز البحث، وإنتاج مواد متعددة اللغات تشرح المعطيات القانونية والسياسية والاقتصادية ذات الصلة بالقضية الوطنية.
واعتبر أن المؤشر الأهم يظل مرتبطا برصد الأثر القابل للتوثيق في مواقف الفاعلين المستهدفين، ومن ذلك تتبع تطور مواقف الأحزاب الأجنبية، مع ضرورة تجنب إرجاع أي تحول في المواقف الدولية إلى تحرك حزبي واحد، بالنظر إلى تعدد العوامل المؤثرة في العلاقات الدولية، بما فيها المصالح الاستراتيجية والعلاقات الثنائية والتحركات الدبلوماسية الرسمية.
عيد الوحدة ينبغي ألا يقتصر على الاحتفاء الرمزي، بل أن يشكل فرصة لتجديد الالتزام المؤسساتي بالقضية الوطنية
ومن هذا المنطلق، دعا رئيس المرصد الصحراوي للإعلام وحقوق الإنسان إلى إعداد حصيلة دورية توثق الأنشطة والنتائج، وتحدد الدول والمنظمات التي شملتها التحركات، وطبيعة الرسائل المقدمة ومآل الاتصالات والاتفاقات المعلنة، معتبرا أن نشر هذه الحصيلة من شأنه إتاحة تقييم الأداء وفق معايير واضحة، وتحويل الدبلوماسية الحزبية إلى عمل مؤسساتي قابل للتتبع والمراجعة والتطوير.
وعلى مستوى المسؤوليات السياسية المرتبطة بهذه المناسبة الوطنية، أكد عبد الفتاح أن حلول الذكرى الأولى لعيد الوحدة ينبغي ألا يقتصر على الاحتفاء الرمزي، بل أن يشكل فرصة لتجديد الالتزام المؤسساتي بالقضية الوطنية واستحضار مسؤوليات مختلف الفاعلين في مواكبة تطوراتها، خاصة في ظل ما تحمله هذه المناسبة من دلالات سياسية مرتبطة بمسار ملف الصحراء.
وفي هذا الصدد، أوضح المتحدث أن مسؤولية أحزاب الأغلبية تتمثل في توظيف موقعها داخل المؤسسات لتنسيق مستمر بين العمل الحكومي والبرلماني والحزبي، من خلال إعداد برامج سنوية للترافع، وتحديد أولويات التحرك الخارجي، وتعبئة الكفاءات المتخصصة، وتطوير آليات التعاون مع وزارة الخارجية والبعثات الدبلوماسية، إلى جانب تخصيص حيز من العمل البرلماني لمتابعة التطورات المرتبطة بالقضية الوطنية.
كما شدد على أهمية ربط الترافع الخارجي بمعطيات موثقة حول التنمية والمؤسسات والمبادرات الاقتصادية والاجتماعية بالأقاليم الجنوبية، بما يتيح تقديم صورة متكاملة عن المنطقة، تتجاوز الخطاب السياسي العام وتستند إلى معطيات قابلة للتحقق والتوثيق.
أحزاب المعارضة يجب أن تبادر إلى تقديم اقتراحات عملية
أما بخصوص أحزاب المعارضة، فأبرز عبد الفتاح أن دورها لا ينبغي أن يقتصر على إعلان التوافق حول الوحدة الترابية أو المشاركة في المناسبات الوطنية، بل يتعين أن يمتد إلى تقديم مبادرات واقتراحات عملية، وتوظيف علاقاتها بالمنظمات والأحزاب الدولية، والمساهمة في اللقاءات والندوات الهادفة إلى التعريف بالقضية الوطنية، فضلا عن ممارسة الرقابة السياسية على مدى نجاعة البرامج المعتمدة.
وسجل أن الاختلافات السياسية بين الأغلبية والمعارضة بشأن تدبير الشأن الداخلي لا تتعارض مع المسؤولية المشتركة تجاه القضايا الاستراتيجية، معتبرا أن التوافق حول الوحدة الترابية لا يعني إلغاء التعددية السياسية، وإنما يقتضي التمييز بين التنافس المشروع حول السياسات العمومية والمسؤولية المشتركة في مواكبة القضايا الوطنية.

وخلص عبد الفتاح إلى أن تطوير الدبلوماسية الحزبية يستدعي إرساء آلية دائمة للتنسيق بين الأغلبية والمعارضة، تتولى وضع برامج للترافع وتوزيع مجالات التحرك وفق الخبرات والعلاقات الدولية المتاحة، وتوثيق المبادرات والنتائج، وضمان انتقال الخبرة بين القيادات والولايات الانتدابية، إلى جانب إعداد ملفات مرجعية متعددة اللغات وتنظيم لقاءات منتظمة مع الأحزاب والهيئات الأجنبية، وتطوير الشراكات مع الجامعات ومراكز البحث ومغاربة العالم.
وأكد أن اعتماد تقييم سنوي لحصيلة هذا العمل من شأنه أن يحدد مكامن القوة والاختلال، ويساعد على تطوير أساليب التحرك والاستجابة للتحولات الدولية، مبرزا أن الرهان يتمثل في جعل الدبلوماسية الحزبية رافدا مستداما للدبلوماسية الرسمية، يمنح التعددية السياسية وظيفة عملية في مواكبة ملف الصحراء، دون المساس بأدوارها في النقاش والتنافس والمساءلة داخل المؤسسات.
من التحول الأممي إلى رهانات الحسم الدبلوماسي… الصحراء المغربية في معادلة القوى الكبرى وإعادة تشكيل التوازنات الإقليمة
مديحة المهادنة
التحولات التي شهدتها قضية الصحراء المغربية في عهد الملك محمد السادس لم تقتصرعلى توسيع دائرة الدعم الدولي لمبادرة الحكم الذاتي، بل امتدت إلى إعادة ترتيب المرجعيات السياسية للمفاوضات داخل مجلس الأمن، وإرساء مقاربة دبلوماسية تجمع بين المبادرة السياسية والامتداد الإفريقي والتأثير في التوازنات الإقليمية.
في قلب هذه الدينامية، يبرز القرار الأممي 2797 باعتباره محطة مفصلية نقلت النقاش إلى مرحلة أكثر تقدما، باتت فيها شروط التسوية وآليات تنفيذها في صلب المشاورات الدولية، بالتوازي مع بروز حسابات جيوسياسية جديدة تضع قضية الصحراء المغربة ضمن معادلات أوسع للأمن والاستقرار والتعاون.
من التدبير إلى التغيير.. التحول الاستراتيجي في الدبلوماسية الملكية
شكل الانتقال من منطق تدبير النزاع إلى العمل على تغيير معادلاته السياسية والدبلوماسية أحد المرتكزات الأساسية للمقاربة التي اعتمدتها المملكة في عهد الملك محمد السادس، من خلال الانتقال من الدفاع عن المواقف داخل المؤسسات الدولية إلى المبادرة بتقديم حلول سياسية وبناء تحالفات داعمة لها.
وقد تجسد هذا التوجه في مبادرة الحكم الذاتي التي تقدم بها المغرب سنة 2007، باعتبارها إطارا سياسيا لتسوية النزاع تحت السيادة المغربية، يقوم على تمكين سكان الأقاليم الجنوبية من تدبير شؤونهم عبر مؤسسات جهوية، مع احتفاظ الدولة باختصاصاتها السيادية، وفي مقدمتها الدفاع والشؤون الخارجية.

وفي قراءة لهذا التحول، يؤكد أستاذ القانون الدولي والعلاقات الدولية بجامعة محمد الخامس، عبد النبي صبري، في تحليل خص به “إعلام تيفي”، أن فهم التطورات الأخيرة يقتضي العودة إلى الرؤية الملكية القائمة على الانتقال من “التدبير إلى التغيير”، باعتبارها تحولاً في أسلوب التعاطي مع القضية الوطنية، يستند إلى وضوح المرجعية السياسية وقوة المؤسسات واستمرارية الاختيارات الاستراتيجية للدولة.
ويبرز صبري أن مبادرة الحكم الذاتي أرست توازناً بين التدبير الديمقراطي للشؤون المحلية والمحافظة على الاختصاصات السيادية الحصرية للمملكة، مشدداً على أن قوة الجبهة الداخلية والاستقرار المؤسساتي يشكلان عاملين حاسمين في تعزيز قدرة الدولة على بلورة مواقف خارجية أكثر تأثيراً.
مجلس الأمن وحسابات القوى الكبرى.. دلالات الموقفين الروسي والصيني
تُرجمت التحولات الدبلوماسية إلى تطور بارز في مقاربة مجلس الأمن لقضية الصحراء، من خلال القرار 2797 الصادر في 31 أكتوبر 2025، الذي دعم المفاوضات القائمة على المقترح المغربي للحكم الذاتي، سعياً إلى التوصل إلى حل سياسي عادل ودائم ومقبول من الأطراف.
وقد اعتمد القرار بأحد عشر صوتاً مؤيداً، مقابل امتناع روسيا والصين وباكستان، وعدم مشاركة الجزائر في التصويت، في نتيجة كشفت طبيعة التوازنات التي تحكم مواقف القوى الدولية داخل المجلس.
ويقرأ الأستاذ عبد النبي صبري الموقفين الروسي والصيني من زاوية المصالح الجيوسياسية والاعتبارات الاستراتيجية المرتبطة بحضور القوتين داخل القارة الإفريقية، موضحاً أن موسكو وبكين تدركان أهمية المغرب باعتباره دولة تتمتع بالاستقرار في محيط إقليمي متقلب، وشريكاً يملك امتدادات سياسية واقتصادية متعددة.
موسكو وبكين تدركان أهمية المغرب باعتباره دولة تتمتع بالاستقرار في محيط إقليمي متقلب
ويرى أن امتناع البلدين عن التصويت يعكس طبيعة الحسابات التي تحكم مواقفهما، دون أن يشكل عائقاً أمام اعتماد القرار، خصوصاً في ظل غياب استخدام حق النقض.
وفي هذا السياق، تكتسب التصريحات الروسية بشأن إمكان اعتبار الحكم الذاتي شكلاً من أشكال تقرير المصير أهمية خاصة، بالنظر إلى ما تعكسه من انفتاح على مناقشة المبادرة المغربية، مع استمرار تمسك موسكو بضرورة التوصل إلى تسوية مقبولة من الأطراف في إطار الأمم المتحدة.
ويضع هذا التطور الدبلوماسية المغربية أمام مرحلة تتجاوز استقطاب التأييد المباشر، إلى توسيع مساحات التوافق داخل مجلس الأمن، والتعامل مع اختلاف مصالح القوى الكبرى بما يخدم استمرار المسار السياسي.
من القرار الأممي إلى طاولة المفاوضات.. اختبار التنزيل السياسي
أعادت التحولات التي حملها القرار 2797 تحريك المسار التفاوضي بعد سنوات من الجمود، من خلال انعقاد ثلاث جولات من المباحثات المباشرة مطلع سنة 2026، بمشاركة المغرب وجبهة البوليساريو والجزائر وموريتانيا، وبتيسير مشترك من الأمم المتحدة والولايات المتحدة الأمريكية.
واحتضنت واشنطن الجولة الأولى يومي 18 و19 يناير، قبل انتقال المشاورات إلى مدريد يومي 8 و9 فبراير، ثم عودتها إلى العاصمة الأمريكية يومي 23 و24 فبراير.
وشكل استئناف هذه المباحثات تحولاً في طبيعة النقاش، بعد الانتقال إلى بحث التفاصيل المؤسساتية والعملية لمقترح الحكم الذاتي، بما يشمل النظام الانتخابي، وتوزيع الاختصاصات والموارد، والترتيبات الأمنية، والضمانات المرتبطة بتنفيذ أي تسوية محتملة.
ويعتبر عبد النبي صبري أن استئناف المفاوضات يمثل إحدى النتائج السياسية المباشرة للقرار الأممي، بالنظر إلى ما أتاحه من إعادة الأطراف إلى طاولة النقاش بعد سبع سنوات من توقف المفاوضات المباشرة.
غير أن الأهمية الاستراتيجية لهذه المرحلة تكمن، وفق تحليله، في الانتقال من مناقشة المبادئ العامة إلى معالجة التفاصيل القانونية والمؤسساتية، وهي مرحلة تضع الأطراف أمام مسؤولية تقديم تصورات عملية للتسوية.
وتظل مسألة تقرير المصير من أبرز نقاط الخلاف، في ظل تمسك المغرب بالحكم الذاتي تحت سيادته باعتباره إطاراً للتسوية، مقابل استمرار جبهة البوليساريو في الدفاع عن مقاربتها الخاصة لهذا المبدأ.
ويؤكد صبري، في هذا الصدد، أن الحكم الذاتي يمكن أن يشكل صيغة لممارسة تقرير المصير الداخلي، من خلال تمكين السكان من تدبير شؤونهم السياسية والاقتصادية والاجتماعية ضمن مؤسسات منتخبة، معتبراً أن هذا التصور ينسجم مع المقاربة المغربية الرامية إلى التوفيق بين المشاركة الديمقراطية والمحافظة على الوحدة الترابية.
التوازنات المغاربية.. النزاع السياسي وكلفة الاندماج المعطل
تتجاوز انعكاسات قضية الصحراء المغربية مسارها الأممي لتطال مستقبل التوازنات السياسية والجيوسياسية داخل المنطقة المغاربية، حيث ظل استمرار الخلاف بين المغرب والجزائر أحد العوامل المؤثرة في تعثر التعاون الإقليمي وتجميد مؤسسات اتحاد المغرب العربي.
وفي هذا الإطار، يعتبر الأستاذ عبد النبي صبري أن المنطقة المغاربية فقدت فرصاً اقتصادية وتنموية مهمة نتيجة استمرار التوترات السياسية، رغم توفرها على مقومات جغرافية وبشرية وحضارية كان بإمكانها تأسيس فضاء اقتصادي متكامل.
المنطقة المغاربية فقدت فرصاً اقتصادية وتنموية مهمة نتيجة استمرار التوترات السياسية
ويستحضر المحلل المفارقة بين التجربة الأوروبية، التي نجحت في إرساء حرية واسعة لتنقل الأشخاص والسلع ورؤوس الأموال، والتجربة المغاربية التي ما تزال تعاني محدودية المبادلات التجارية وإغلاق الحدود وتعثر مشاريع الربط الإقليمي.
وتعكس المعطيات الاقتصادية حجم هذه الإشكالية، إذ أظهرت دراسة لصندوق النقد الدولي، صدرت سنة 2019، أن التجارة البينية المغاربية لم تكن تتجاوز خمسة في المائة من إجمالي مبادلات دول المنطقة، بما يبرز ضعف الاندماج الاقتصادي مقارنة بتجمعات إقليمية أخرى.
ويربط صبري تجاوز هذا الوضع بضرورة احترام سيادة الدول ووحدتها الترابية، وتغليب العلاقات التعاونية على منطق الصراع، باعتبار الاستقرار السياسي شرطاً أساسياً لتحرير الإمكانات الاقتصادية للمنطقة.
وتبرز في هذا السياق أهمية التحولات الدبلوماسية التي تعرفها قضية الصحراء، ليس فقط من حيث تأثيرها في مسار التسوية، وإنما أيضاً بالنظر إلى ما يمكن أن تفتحه من آفاق لإعادة بناء العلاقات المغاربية على أسس أكثر استقراراً وتعاوناً.
العمق الإفريقي.. حين تتحول الشراكات التنموية إلى قوة دبلوماسية
بموازاة التحولات الأممية والإقليمية، شكل الامتداد الإفريقي أحد المرتكزات الاستراتيجية للدبلوماسية المغربية في عهد الملك محمد السادس، بعدما اتجهت المملكة إلى توسيع شراكاتها الاقتصادية والمؤسساتية داخل القارة، وربط حضورها السياسي بمشاريع تنموية ذات أبعاد إقليمية.
وقد شكلت عودة المغرب إلى الاتحاد الإفريقي سنة 2017 محطة مهمة في هذا المسار، أتاحت للمملكة تعزيز موقعها داخل المؤسسات القارية، وتوسيع شبكة علاقاتها الثنائية، ومواصلة الدفاع عن مواقفها بشأن قضية الصحراء من داخل المنظمة الإفريقية.
ويؤكد أستاذ القانون الدولي والعلاقات الدولية عبد النبي صبري أن قوة الحضور المغربي في إفريقيا لا ترتبط بالتحركات الدبلوماسية وحدها، بل تستند إلى عمق تاريخي وحضاري، وإلى تراكم الشراكات التي أرستها الزيارات الملكية المتعددة إلى الدول الإفريقية.
قوة الحضور المغربي في إفريقيا لا ترتبط بالتحركات الدبلوماسية وحدها
ويستحضر في هذا الصدد الدور الذي اضطلعت به المملكة في تكوين الأطر الإفريقية داخل الجامعات والمعاهد العليا والمؤسسات العسكرية، إلى جانب الدبلوماسية الدينية والثقافية، باعتبارها مجالات أسهمت في بناء علاقات إنسانية ومؤسساتية ممتدة بين المغرب وبلدان القارة.
وتتجسد هذه المقاربة في المبادرات الاستراتيجية التي أطلقها الملك محمد السادس، وفي مقدمتها مسلسل الدول الإفريقية الأطلسية، الذي يجمع ثلاثاً وعشرين دولة، والمبادرة الملكية الرامية إلى تيسير ولوج دول الساحل إلى المحيط الأطلسي.
ويبرز مشروع ميناء الداخلة الأطلسي ضمن هذه الرؤية، بوصفه بنية تحتية استراتيجية مرشحة لتعزيز الربط التجاري واللوجستي بين المغرب وعمقه الإفريقي، ودعم تموقع الأقاليم الجنوبية ضمن المبادلات الاقتصادية القارية والدولية.
ويرى صبري أن هذه المشاريع تمنح الدبلوماسية المغربية بعداً تنموياً يعزز حضورها السياسي وموقعها التفاوضي، من خلال تقديم التعاون الاقتصادي والاستقرار الإقليمي باعتبارهما ركيزتين متكاملتين في معالجة النزاعات.
وتقوم هذه الرؤية على تحويل إفريقيا من فضاء غني بالموارد إلى قارة تستفيد من مردودية ثرواتها، بما ينسجم مع التوجه الملكي الداعي إلى ترسيخ الثقة في القدرات الإفريقية وتعزيز الشراكات القائمة على المنفعة المتبادلة.
عيد الوحدة.. من المكسب الأممي إلى ترسيخ الذاكرة الوطنية
وسط هذه التحولات المتراكمة، اكتسب الحادي والثلاثون من أكتوبر دلالة وطنية خاصة، بعدما قرر الملك محمد السادس جعله عيداً وطنياً يحمل اسم “عيد الوحدة”، ارتباطاً بالتطور الذي عرفته قضية الصحراء عقب اعتماد القرار الأممي 2797.
وجاء الإعلان عن هذا القرار في بلاغ للديوان الملكي صدر يوم 4 نونبر 2025، ليمنح هذه المحطة مكانة في الذاكرة الوطنية، باعتبارها مناسبة للتعبير عن التشبث بالوحدة الوطنية والترابية للمملكة، واستحضار المسار السياسي والدبلوماسي الذي قاد إلى هذا التحول.

ويعتبر عبد النبي صبري أن إقرار عيد الوحدة يحمل أبعاداً تتجاوز الاحتفاء الرمزي، باعتباره تعبيراً عن مرحلة جديدة في مسار القضية الوطنية، وتكريساً لما راكمته الدبلوماسية الملكية من تحولات سياسية ودبلوماسية على الصعيد الدولي.
ويستحضر في هذا السياق انتقال القضية من مرحلة تدبير النزاع إلى مرحلة المبادرة السياسية، باعتباره أحد أبرز التحولات التي ميزت المقاربة المغربية خلال العقدين الأخيرين.
رهانات المرحلة المقبلة.. مستقبل المينورسو وحدود التحول الأممي
تتجه الأنظار، مع حلول الذكرى الأولى لعيد الوحدة، إلى الاستحقاق الأممي المرتبط بمستقبل بعثة “المينورسو”، في ظل المشاورات الجارية بشأن مشروع قرار جديد يرتقب أن يعيد بحث طبيعة مهام البعثة وعلاقتها بالمسار السياسي.
وقد تضمنت الصيغ المتداولة من مشروع القرار الأمريكي مقترحات تتعلق بتكييف ولاية البعثة مع التطورات التفاوضية، ومراجعة دورها المرتبط بخطة الاستفتاء الأصلية، وتعزيز مساهمتها في مواكبة التسوية السياسية، وهي مقتضيات يظل إقرارها رهيناً بالنص النهائي الذي سيعتمده مجلس الأمن.
ويعتبر الأستاذ عبد النبي صبري أن مستقبل البعثة الأممية يمثل أحد الاختبارات الأساسية للتحول الذي عرفه الملف، بالنظر إلى ارتباط طبيعة مهامها بالمرجعية السياسية المعتمدة لتسوية النزاع.
كما يربط تطورات المرحلة المقبلة بمدى قدرة الأطراف على التقدم في مناقشة الترتيبات العملية للحكم الذاتي، وما يتطلبه ذلك من توافقات بشأن الاختصاصات المؤسساتية والضمانات القانونية وآليات التنفيذ.
وتضع هذه المعطيات المسار الأممي أمام مرحلة دقيقة، تتقاطع فيها رهانات التسوية السياسية مع إعادة ترتيب التوازنات الدولية والإقليمية، في وقت تواصل فيه الدبلوماسية المغربية العمل على تعزيز موقع مبادرة الحكم الذاتي ضمن المشاورات الدولية.
وبذلك تتجسد الدلالة السياسية لعيد الوحدة في مسار يمتد من التحول الذي شهدته مرجعية التفاوض داخل مجلس الأمن إلى رهانات تنزيل التسوية، ومن تراكم الشراكات الإفريقية إلى إعادة صياغة التوازنات الإقليمية؛ مسار جعل من قضية الصحراء المغربية محوراً ثابتاً في الدبلوماسية الملكية، ومن الحادي والثلاثين من أكتوبر عنواناً وطنياً لمرحلة جديدة من تطورها السياسي والدبلوماسي.
أقاليم المغرب الجنوبية.. من زمن النزاع المفتعل إلى العصر الذهبي للحسم التنموي والدبلوماسي
ياسر الرقاص
في ظل المتغيرات المتسارعة والتفاوتات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية التي تشهدها دول العالم اليوم، تبرز الأقاليم الجنوبية للمملكة المغربية كنموذج استثنائي ومشرق للتحول الهيكلي والتنمية الشاملة.
وهي أقاليم دخلت، في زمن ليس بالبعيد، في إطار نزاع إقليمي مفتعل جرى تأجيجه وترويجه من طرف أعداء الوحدة الترابية للمملكة المغربية محاولة منهم لعرقلة المسار التاريخي والطبيعي للبلاد.
وبالرغم من هذا النزاع المفتعل وظروفه الإقليمية والتنظيمية المعقدة، تجندت المؤسسة الملكية السامية بكامل ثقلها الاستراتيجي، إلى جانب الهيئات الدبلوماسية الوطنية، لفك خيوط هذا الملف المعقد.
إذ إعتمدت المملكة بطاقة دبلوماسية وسياسية حاسمة شلت مناورات الخصوم مكنت المغرب من حماية أقاليمه الجنوبية واستكمال وحدته الترابية المقدسة، وتجسد ذلك ناصعاً في “مبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية”.
وهي المبادرة التي ثمنتها اعترافات متتالية من هيئات أممية ودول عظمى وقوى كبرى أكدت جمعاء أن واقع وحاضر ومستقبل الصحراء لا يمكن أن يكون آكلا ولا مزدهرا إلا تحت السيادة الكاملة والجامعة للمملكة المغربية على كامل صحرائها.
الصحراء المغربية ..خطوة كبرى نحو الحسم الكبير داخل مجلس الأمن
وفي هذا الشق الميداني والسياسي، أقر جلالة الملك تاريخ الحادي والثلاثين من أكتوبر عيدا وطنيا وأسماه “عيد الوحدة”، تكريسا لواقع أن المقترح المغربي القاضي بالحكم الذاتي تحت السيادة الوطنية بات يعتبر دوليا وسياسيا الحل الوحيد والأوحد، والقادر حقيقة على طي صفحة هذا النزاع الإقليمي المفتعل بشكل نهائي وسلس.
لقد استند هذا النجاح الباهر إلى رؤية ملكية متبصرة تحولت بموجبها الأقاليم الصحراوية من مجرد نطاق صحراوي إلى رافعة حقيقية للتنمية الوطنية الشاملة، وفضاء مفتوح وجذاب لاستقطاب الاستثمارات الأجنبية المباشرة التي أحدثت قفزة نوعية غير مسبوقة في هذه الجهات.
وعلى إثر ذلك، اصبحت الأقاليم الجنوبية للمملكة النموذج الأبرز والأكثر نجاحا في تنزيل وتطبيق ورش الجهوية المتقدمة؛ إذ تحولت بفضل هذه القيادة الملكية الحكيمة إلى أقطاب اقتصادية وجهوية هامة قادرة على جذب الاستثمارات وضمان استدامتها، إلى جانب استقطاب اهتمام دولي واسع تبلور وتجسد ميدانيا في افتتاح العديد من الممثليات القنصلية لدول إفريقية وصديقة.
كما شهدت الأقاليم الجنوبية مستويات قياسية وعالية من الإنجاز الميداني في كل ما يتعلق بالبنيات التحتية والمشاريع التنموية المهيكلة والكبرى، ويأتي هذا المسار الميداني الإيجابي كثمرة جهود متواصلة ومكثفة يبذلها الفاعلون المحليون والمنتخبون والفعاليات الاقتصادية، مما مكن من ترجمة السياسات التنموية الوطنية على أرض الواقع، وجعل هذه الجهات قاطرة حقيقية ومحركا لإنعاش الاقتصاد الجهوي والوطني.
وبحديثنا التفصيلي عن المشاريع التنموية المهيكلة، يمكن إجمال أبرز هذه الأوراق العملاقة التي غيرت وجه المنطقة في مجالات البنية التحتية الطرقية والربط القاري الاستراتيجي على رأسها:
طريق تيزنيت – الداخلة السريع يعد هذا المشروع أحد أضخم وأهم المشاريع الطرقية الاستراتيجية في التاريخ الحديث للبلاد؛ حيث يمتد على مسافات طويلة وعابرة لكافة الأقاليم الجنوبية (كلميم، طانطان، العيون، والداخلة) وفق مواصفات تقنية وفنية عالية.
ويهدف هذا الورش الملكي الهام إلى تحسين مستويات السلامة الطرقية، وتقليص مدة التنقل والترحال، وتسهيل عملية نقل البضائع والمسافرين، إلى جانب تعزيز وترسيخ خطوط الربط التجاري القاري مع دول إفريقيا جنوب الصحراء.
لم تتوقف عجلة التنمية عند حدود الربط الطرقي، بل امتدت لتشمل المنشآت المينائية البحرية الكبرى، وعلى رأسها ميناء الداخلة الأطلسي الذي يمثل ورشا ملكيا ضخما وميناء بمياه عميقة.
ويهدف هذا الورش إلى تحويل مدينة الداخلة إلى قطب اقتصادي إفريقي بارز، ونافذة بحرية استراتيجية تنفتح بسلاسة على الأسواق الأمريكية والإفريقية والأطلسية، فضلاً عن دورها المباشر في تطوير قطاعات الصيد البحري والخدمات اللوجستية المتطورة.
لا يمكن بأي حال إغفال الطفرة النوعية في مشاريع الطاقة النظيفة؛ إذ عرفت المنطقة إنجاز محطات كبرى وهامة لإنتاج الطاقة الريحية والشمسية مثل مشاريع طاقة الرياح بالعيون وبوجدور والداخلة، مما جعل الأقاليم الجنوبية رائدة في الانتقال الطاقي.
ويوازي ذلك تطوير وإنشاء عدة محطات عملاقة لتحلية مياه البحر كمحطتي الداخلة والعيون لضمان الأمن المائي المستدام، وتوفير المياه الصالحة للشرب، وسقي المساحات الزراعية المخصصة للتنمية الفلاحية بالمنطقة، والنهوض بقطاع الصحة والتعليم والبحث العلمي
وعلى مستوى القطاع الصحي، تم تعزيز البنية التحتية من خلال تشييد مستشفيات إقليمية وجهوية بمواصفات طبية عالية، وإطلاق مشاريع صحية وأكاديمية ضخمة مثل المستشفى الجامعي وكلية الطب والصيدلة بالعيون لدعم التكوين الطبي المحلي.
وعلى صعيد البحث العلمي، تم إحداث بنيات جامعية ومعاهد متخصصة لتمكين شباب المنطقة في جهتي العيون الساقية الحمراء والداخلة وادي الذهب من مواكبة المتطلبات الاقتصادية والتنموية.
وقد توجت هذه الدينامية الميدانية بتعزيز المكانة الدبلوماسية للأقاليم الجنوبية من خلال فتح العديد من الممثليات القنصلية العامة لدول إفريقية ودول صديقة بمدينتي العيون والداخلة، مما يعكس الامتداد السياسي الراسخ للمنطقة قاريا ودوليا.
وفي هذا الصدد، يقدم الخبير في العلوم السياسية والدراسات الاستراتيجية محمد الطيار قراءة عميقة لهذا الحدث، إذ يرى أن “عيد الوحدة” يمثل تحولا جذريا وفارقا في العقيدة الدبلوماسية للمملكة؛ فهو يجسد الانتقال الفعلي والميداني من مرحلة الدفاع وإدارة النزاع التقليدية إلى مرحلة الحسم النهائي وتثبيت مغربية الصحراء كواقع لا يتزحزح.
عيد الوحدة يجسد الانتقال الفعلي والميداني من مرحلة الدفاع وإدارة النزاع التقليدية إلى مرحلة الحسم النهائي
ويضيف الطيار أن هذا العيد يعكس إرادة الدولة الراسخة في جعل ملف الوحدة الترابية المعيار الأساسي والوحيد المحدد لتقييم علاقات المغرب الدولية وشراكاته الاقتصادية، ترسيخا للمبدأ الملكي القاضي بأن ملف الصحراء هو النظارة التي ينظر بها المغرب إلى العالم، وهو الطرح الذي أسهم مباشرة في حصد اعترافات تاريخية متتالية من قوى دولية عظمى ووازنة
ويرى الطيار أن اختيار تاريخ 31 أكتوبر للاحتفال بهذا العيد يحمل دلالة سياسية بالغة الذكاء؛ لكونه يتزامن مع الموعد السنوي لصدور قرارات مجلس الأمن الدولي بشأن الصحراء المغربية.
ويربط هذا التوقيت بين الفخر الوطني والشرعية الدولية، معلنا انتصار المقاربة المغربية التي جعلت من الحكم الذاتي الحل السياسي والواقعي الوحيد، ومقبرة للأطروحات الانفصالية المتجاوزة التي أسقطتها الأمم المتحدة من حساباتها نهائيا.
وفي سياق متصل، وفي إطار تبيان المجهود الميداني للمنتخبين والفاعلين المحليين، يؤكد رئيس مجلس جهة الداخلة وادي الذهب، الخطاط ينجا، على الدور المحوري الذي يلعبه مدبرو الشأن المحلي في هذا المسار التنموي، في تصريح خص به موقع إعلام تيفي “هناك مدبرون للشأن المحلي “نقوم بإنجاز سياسات، بمعنى ترجمة السياسات التنموية على أرض الواقع من خلال كل المشاريع التي تم القيام بها، والتي تتعلق بالأقاليم الجنوبية الآن والجهات ككل؛ حيث تخلق هذه الجهات اليوم مؤشرات تجعلها أقطابا اقتصادية هامة جدا مقارنة بالجهود المبذولة.”
أصبحت الجهات الجنوبية للمملكة أقطابا اقتصادية جالبة للمستثمرين
مضيفا أن المنتخبين والفاعلين الاقتصاديين والفاعلين المحليين أخذوا على عاتقهم، بعد أن عرفت هذه الجهات مستويات عالية من الإنجاز المتعلق بتنزيل نموذج الجهوية المتقدمة، جعل هذه الجهات أقطاباً اقتصادية جالبة للمستثمرين.
وهذا يتطلب بذل مجهود كبير من أجل ترسيخ الوحدة الترابية للمملكة، وترجمة رؤية جلالة الملك بتنمية الأقاليم الجنوبية كرافعة من روافع الاقتصاد الجهوي والوطني، وكعنصر مقوٍّ للوحدة الوطنية.”
ومن جانبه يرى الخبير الاستراتيجي محمد الطيار أن هذا الحسم الميداني والدبلوماسي يرتكز على ثلاثة مؤشرات رئيسية حاسمة أبرزها التحول الجذري في القرارات الأممية و استبعاد الصياغات القديمة وخيار الاستفتاء، والارتكاز الحصري على مبادرة الحكم الذاتي كمخرج واقعي ووحيد للنزاع.
مؤكدا على الاعترافات المتتالية للقوى العظمى بدءا بالاعتراف الأمريكي، والدعم الشامل من فرنسا وإسبانيا، إلى جانب الموقف الثابت لدول مجلس التعاون الخليجي والعشرات من الدول العربية والإفريقية.
إلى جانب السيادة الميدانية والتمكين الاقتصادي وممارسة السيادة عبر أوراش كبرى كميناء الداخلة، وتأمين معبر الكركرات، وربط البنية التحتية بالعمق الإفريقي تمهيدا لإطلاق المبادرة الملكية الخاصة بدول الساحل.
إن المقاربة المغربية الشاملة حسمت هوية المنطقة ومستقبلها شعبيا، وعسكريا، وتنمويا، ودبلوماسيا، في انتظار الصياغة الختامية للأمم المتحدة التي ستطوي ملف هذا النزاع المفتعل إلى الأبد.
الأحزاب السياسية المغربية تمكنت خلال السنوات الأخيرة من تحقيق انتقال جزئي من مستوى إعلان المواقف إلى مستوى إطلاق مبادرات عملية
موسكو وبكين تدركان أهمية المغرب باعتباره دولة تتمتع بالاستقرار في محيط إقليمي متقلب
أصبحت الجهات الجنوبية للمملكة أقطابا اقتصادية جالبة للمستثمرين




