المهدي مزواري: لا حصانة لأي قطاع أمام الإصلاح.. والفصل بين المال والسلطة ضرورة وثقتي كبيرة في قدرات المنصوري

مديحة المهادنة

للسياسة وجه آخر حين تتحرر من ضيق الحسابات إلى رحابة المسؤولية، وحين يصبح المنصب امتحاناً للقدرة على الإصلاح، لا غاية في ذاته. بهذه الروح، قدّم أحمد المهدي مزواري، الوزير المنتدب المكلف بالصيد البحري، خلال مروره ببرنامج “بدون لغة خشب”الذي يقدمه الإعلامي رضوان الرمضاني، رؤية سياسية اتسمت بالوضوح في المواقف، والجرأة في مقاربة اختلالات التدبير، واضعاً المصلحة العامة في صلب تصوره للعمل الحكومي، ومؤكداً أن المرحلة تستدعي قرارات شجاعة تقطع مع الممارسات التي كبحت إمكانات التنمية وأضعفت ثقة المواطنين في الفعل السياسي.

وفي حديث جمع بين استحضار المسار النضالي للاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية واستشراف رهانات الحكومة الجديدة، دافع مزواري عن خيار المشاركة الحكومية باعتباره قراراً سياسياً تحكمه مسؤولية الإصلاح، وليس مجرد بحث عن الحقائب والمواقع، مشدداً على أن الانخراط في تدبير الشأن العام يفرض على الحزب تحمل تبعات اختياراته والوفاء بالتزاماته تجاه المغاربة.

واعتبر أن الحكومة التي تقودها فاطمة الزهراء المنصوري مطالبة بإحداث تحول فعلي في أساليب تدبير السياسات العمومية، يتجاوز تغيير الوجوه إلى مراجعة الممارسات التي أفرزت اختلالات متراكمة، مؤكداً أن المغاربة ينتظرون إصلاحات عميقة تعيد الاعتبار لدور المؤسسات وتترجم الإرادة السياسية إلى نتائج ملموسة.

وفي هذا السياق، أبرز أن التشكيلة الحكومية الجديدة تضم شخصيات ذات مسارات سياسية ونضالية، قادرة، وفق تقديره، على تحمل مسؤولية القرار والانخراط في إصلاحات تتطلب الشجاعة والوضوح، مشيراً إلى أن العمل الحكومي لا يستقيم بمنطق تدبير كل وزير لقطاعه بمعزل عن بقية المكونات، وإنما برؤية جماعية تنسجم فيها الاختيارات السياسية مع الأولويات الوطنية.

وأشاد مزواري بقدرة رئيسة الحكومة فاطمة الزهراء المنصوري على تدبير الاختلافات داخل الأغلبية، منوهاً بانفتاحها على الحوار والنقاش، ومعتبراً أن نجاح التجربة الحكومية يرتبط بقدرة مختلف مكوناتها على الاشتغال بروح الفريق الواحد، بعيداً عن الحسابات الضيقة وتضارب المصالح.

ولم يتردد مزواري في إثارة واحد من أكثر الملفات حساسية في تدبير الشأن العام، والمتعلق بالعلاقة بين المال والسلطة، مؤكداً ضرورة إحداث مسافة واضحة بينهما، من خلال القانون والتقنين والمبادرات العملية، بما يضمن تكافؤ الفرص ويحول دون توظيف المواقع الحكومية لخدمة مصالح خاصة.

وشدد على أن الإصلاح المنشود يقتضي مراجعة أوضاع بعض القطاعات التي ظلت، بحسب تعبيره، محاطة بنوع من الحصانة، إلى درجة أصبح معها الاقتراب من اختلالاتها أمراً بالغ الصعوبة، معتبراً أن الحكومة مطالبة بكسر هذا المنطق وإعادة الاعتبار لقواعد الحكامة والمساءلة.

وفي المقابل، رفض مزواري اختزال التجارب الحكومية السابقة في الإخفاقات، مؤكداً أن عدداً من السياسات حقق نتائج إيجابية تستوجب التثمين، وأن الإصلاح لا يعني هدم ما تحقق، وإنما تصحيح الاختلالات والبناء على المكتسبات، بعيداً عن تصفية الحسابات أو التشكيك الشامل في المؤسسات.

وربط هذا التوجه بضرورة الانتقال السريع إلى التنفيذ، مشيراً إلى أن الحكومة الجديدة لم تنتظر مرور سنة كاملة للشروع في تنزيل اختياراتها، وأن مشروع قانون المالية لسنة 2027 حمل تدابير تعكس التوجهات المتفق عليها بين مكونات الأغلبية، في إشارة إلى أهمية استثمار الزمن الحكومي وعدم إهداره في الخلافات والتجاذبات.

وعلى المستوى الحزبي، دافع مزواري عن الدور السياسي لإدريس لشكر في قيادة الاتحاد الاشتراكي وتدبير مفاوضات المشاركة الحكومية، معتبراً أن الكاتب الأول راكم تجربة مكنته من الحفاظ على حضور الحزب داخل المؤسسات، رغم التحولات التي عرفتها الخريطة السياسية والانتخابية.

وأوضح أن اختيار الوزراء الاتحاديين تم في إطار مشاورات ومساطر حزبية، مشدداً على أن الانتماء إلى المدرسة الاتحادية لا يختزل في العضوية التنظيمية، وإنما يمتد إلى المساهمة الفكرية والسياسية في بلورة توجهات الحزب والدفاع عن مرجعيته.

كما اعتبر أن غياب لشكر عن التشكيلة الوزارية يعكس، بحسب تقديره، اختياره مواصلة قيادة التنظيم الحزبي ومواكبة عمل وزرائه، مؤكداً أن المسؤوليات الحكومية لا تعفي أصحابها من الالتزام بقرارات المؤسسات الحزبية والخضوع للمساءلة السياسية.

وفي تعليقه على الانتقادات التي أعقبت تعيينه، تمسك مزواري بحقه في الدفاع عن مساره السياسي والمهني، رافضاً الخلط بين النقد المشروع والحملات القائمة على الاتهامات، ومعتبراً أن المسؤولية الحكومية ينبغي أن تكون مجالاً لإثبات الكفاءة من خلال العمل والإنجاز، لا مناسبة لإعادة إنتاج الصراعات الشخصية.

واستحضر في هذا الإطار تجربة الاتحاد الاشتراكي في الانتخابات، مؤكداً أن الخسارة الانتخابية لا تلغي بالضرورة أهلية الفاعل السياسي لتحمل المسؤولية، وأن تقييم النتائج والاختيارات ينبغي أن يتم داخل المؤسسات التنظيمية، احتراماً للمناضلين الذين خاضوا المعارك الانتخابية ودافعوا عن المشروع الحزبي.

أما بشأن قطاع الصيد البحري، فقد قدم مزواري تصوراً يقوم على الجمع بين القيادة السياسية والخبرة التقنية، موضحاً أن مسؤولية الوزير لا تقتضي بالضرورة ممارسة المهنة التي يشرف على قطاعها، وإنما امتلاك القدرة على فهم رهاناتها واتخاذ القرارات المناسبة لتطويرها.

وأكد أن المغرب يتوفر على كفاءات إدارية وتقنية قادرة على مواكبة الإصلاح، وأن دور المسؤول السياسي يتمثل في تعبئة هذه الخبرات وتوجيهها نحو تحقيق الأهداف المتفق عليها، بعيداً عن منطق احتكار القرار أو توظيف الإدارة لخدمة المصالح الحزبية.

وشدد على أن الصيد البحري قطاع وطني ينبغي أن يظل مفتوحاً أمام المستثمرين والفاعلين الراغبين في تطويره، دون اعتبار لانتماءاتهم السياسية، رافضاً تحويل القطاعات الحكومية إلى مجالات لبناء النفوذ أو صناعة شبكات الولاء.

وفي ما يتعلق بأولوياته القطاعية، وضع مزواري تحسين الأوضاع الاجتماعية للبحارة، وتطوير آليات التنظيم والتقنين، وتعزيز تنافسية القطاع ضمن الملفات التي تستدعي اهتماماً خاصاً، مؤكداً أن الإصلاح ينبغي أن ينطلق من تشخيص دقيق لأنماط الحكامة وكيفية اتخاذ القرارات وتدبير الملفات.

كما أبرز أهمية تحقيق التوازن بين الدور الاقتصادي للصادرات البحرية وحق المغاربة في الاستفادة من الثروة السمكية الوطنية، مشيراً إلى ضرورة العمل على توفير المنتجات البحرية بأسعار مناسبة، وفي مقدمتها السردين، بما يراعي القدرة الشرائية للمواطنين، خصوصاً مع اقتراب شهر رمضان.

ورفض في هذا السياق اعتماد مقاربة تقوم على البحث عن أخطاء المسؤولين السابقين أو إلغاء ما تحقق من مكتسبات، مفضلاً نهجاً إصلاحياً يميز بين ما يستحق الاستمرار وما يحتاج إلى المراجعة والتطوير، ويجعل من وضوح القواعد وتكافؤ الفرص أساساً لتدبير القطاع.

وفي قراءته للمشهد السياسي، دافع مزواري عن حق المعارضة في الاختلاف والمساءلة، منتقداً في المقابل توظيف المرجعيات الدينية والقضايا الدولية في الصراع الانتخابي، ومشدداً على أن الوطنية ليست امتيازاً يحتكره طرف دون آخر، وأن احترام المؤسسات وقواعد الممارسة الديمقراطية يظل أساساً لأي تنافس سياسي مسؤول.

واعتبر أن استعمال الدين في السياسة قد تكون له تداعيات خطيرة على الحياة الديمقراطية، داعياً إلى الاحتكام للنقاش السياسي والمؤسساتي، والابتعاد عن خطابات التخويف والتشكيك التي لا تخدم، في نظره، مصالح البلاد.

وفي امتداد لهذه المواقف، أكد مزواري أن المرحلة الراهنة تضع الحكومة أمام مسؤولية سياسية كبيرة، بالنظر إلى حجم الانتظارات الاجتماعية والاقتصادية، معتبراً أن تحسين أوضاع المغاربة لا يمكن أن يتحقق بالشعارات وحدها، وإنما بقرارات عملية تعالج الاختلالات وتمنح الإصلاح مضمونه الحقيقي.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى