وراء أسف الجزائر على “المينورسو”.. مأزق لا يستره الفيتو الروسي

مديحة المهادنة

بين لغة الاعتراض الدبلوماسي وحقائق التصويت داخل مجلس الأمن، يكشف البيان الصادر عن وزارة الشؤون الخارجية الجزائرية بشأن الصحراء المغربية عن مأزق سياسي تتجاوز أبعاده إسقاط مشروع القرار الأمريكي بالفيتو الروسي، بعدما أظهرت نتائج جلسة 30 أكتوبر 2026 اتساع التأييد للمقاربة القائمة على الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية، مقابل محدودية الدعم للمشروع الروسي الرامي إلى الإبقاء على ولاية بعثة “المينورسو” بصيغتها السابقة.

ففي بيان أعقب إخفاق مجلس الأمن في تمديد ولاية البعثة الأممية، أعربت الحكومة الجزائرية عن أسفها للنتيجة، محملة ما وصفته بالانحياز المفرط لمشروع القرار الأمريكي مسؤولية تعثر التوافق، ومعتبرة أن النص مال لصالح المغرب على حساب جبهة البوليساريو، بما جعله، وفق موقفها، غير مؤهل لتأسيس مفاوضات تقود إلى تسوية عادلة ودائمة.

غير أن قراءة نتائج التصويت تضع الموقف الجزائري أمام معطيات يصعب تجاوزها؛ إذ حظي المشروع الأمريكي بتأييد 11 عضواً من أصل 15، مقابل معارضة روسيا وامتناع ثلاثة أعضاء، قبل أن يسقط بفعل حق النقض الروسي. وفي المقابل، لم يحصل المشروع البديل الذي قدمته موسكو، والقاضي بتمديد ولاية “المينورسو” سنة إضافية دون تعديل جوهري، سوى على ثلاثة أصوات مؤيدة، مقابل معارضة الولايات المتحدة وامتناع 11 عضواً، وهي حصيلة لم تمكنه من بلوغ الأغلبية المطلوبة لاعتماده.

وتكتسي هذه الأرقام أهمية سياسية خاصة، لأنها تفصل بين القدرة القانونية لعضو دائم على تعطيل قرار، وبين حجم التأييد الذي تحظى به مضامينه داخل المجلس. فالفيتو الروسي منع اعتماد المشروع الأمريكي، لكنه لم يحوّل المقاربة الروسية إلى موقف يحظى بأغلبية أعضاء مجلس الأمن، كما أن إخفاق النص لا يلغي حقيقة حصوله على تأييد واسع.

وفي محاولة لتفسير اعتراضها، اعتبرت الخارجية الجزائرية أن اعتماد مبادرة الحكم الذاتي أساساً وحيداً للمفاوضات يضيّق الخيارات المطروحة أمام الأطراف، ويستبق نتائج المسار السياسي. كما انتقدت التعديلات المقترحة بشأن تسمية البعثة الأممية، معتبرة حذف الإشارة إلى الاستفتاء تراجعاً عن أحد المرتكزات التاريخية لولايتها.

لكن هذا الاعتراض يصطدم بتحول سبق أن أقره مجلس الأمن نفسه في قراره رقم 2797، المعتمد في 31 أكتوبر 2025، حين جعل المبادرة المغربية للحكم الذاتي أساساً للمفاوضات، مع الإبقاء على هدف التوصل إلى حل سياسي نهائي ومقبول من الأطراف، يكفل تقرير المصير، والإقرار بأن الحكم الذاتي الحقيقي يمكن أن يشكل أحد الحلول الأكثر قابلية للتطبيق. وهو ما يجعل الخلاف الحالي متعلقاً بمدى الانتقال من اعتماد المبادرة المغربية أساساً للتفاوض إلى اعتبارها الخيار الوحيد الممكن للتسوية.

ومن أبرز المفارقات التي يثيرها البيان الجزائري أن التمسك باستمرار “المينورسو” جاء في أعقاب تصويت انتهى دون تجديد ولايتها، بعدما أسقطت موسكو المشروع الأمريكي الذي كان يتضمن تمديد مهمة البعثة لسنة إضافية، مع مراجعة هيكلتها وصلاحياتها، بينما عجز المشروع الروسي عن حشد الأصوات الكافية للإبقاء عليها بصيغتها القائمة.

وبذلك، لم تفضِ المعارضة الروسية للمشروع الأمريكي إلى الحفاظ على الوضع السابق، بل وضعت مستقبل البعثة أمام فراغ في التفويض الأممي، في انتظار ما قد يتخذه مجلس الأمن من إجراءات جديدة. وهي نتيجة تطرح تساؤلات حول الجدوى السياسية لعرقلة النص الأمريكي، بالنظر إلى أن استمرار البعثة كان أحد الأهداف التي دافعت عنها الجزائر وروسيا.

وفي شق آخر، انتقدت الخارجية الجزائرية ما اعتبرته تهميشا لجبهة البوليساريو  ، متهمة المشروع الأمريكي بحرمانها من إمكانية طرح تصوراتها بشأن الحل النهائي. غير أن هذا التوصيف يعكس موقفاً سياسياً جزائرياً من مضامين المشروع، ولا يغير من حقيقة أن المفاوضات الأممية ظلت تشمل أطراف النزاع، وأن الخلاف الجوهري يتمحور حول المرجعية التي ينبغي أن تؤطر التسوية وحدود الخيارات المتاحة خلالها.

وفي مقابل دفاع الجزائر عن موقع البوليساريو في المفاوضات، تبرز مسؤوليات أخرى وضعتها مداخلة السفير الممثل الدائم للمغرب لدى الأمم المتحدة، عمر هلال، يوم الجمعة 30 أكتوبر 2026، في صلب النقاش الأممي. فقد واجه هلال الدبلوماسية الجزائرية بملف إحصاء سكان مخيمات تندوف، متهماً السلطات الجزائرية برفض السماح للمفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين بإجراء تسجيل رسمي شامل لهؤلاء السكان، رغم احتضان المخيمات فوق أراضيها منذ عقود.

ولم يتوقف انتقاده عند هذا الحد، بل أثار التناقض بين مطالبة المجتمع الدولي بتوفير المساعدات الإنسانية للمخيمات، واستمرار تزويد جبهة البوليساريو بالأسلحة والتأطير العسكري، وفق اتهاماته. كما حمّل الجزائر مسؤولية التخلي عن ممارسة سلطتها داخل المخيمات لفائدة الجبهة، معتبراً أن حرمان السكان من حرية التنقل والعودة يحوّل معاناتهم الإنسانية إلى امتداد لحسابات سياسية. وهي معطيات تضع الخطاب الجزائري بشأن حماية حقوق اللاجئين أمام تساؤلات جوهرية حول مسؤولية الدولة المضيفة عن أوضاعهم، ومدى انسجام مطالبها الإنسانية مع الدعم العسكري الذي اتهمها هلال بتقديمه للبوليساريو.

أما البيان الجزائري، فعلى الرغم من تمسكه بالمرجعيات القانونية والسياسية التي تدافع عنها الجزائر، فإنه لم يقدم جواباً عن المفارقة الأساسية التي أفرزتها جلسة 30 أكتوبر: كيف يمكن اعتبار تعطيل مشروع حظي بتأييد 11 دولة مكسباً دبلوماسياً، بينما لم يتمكن المشروع البديل من جمع أكثر من ثلاثة أصوات، وانتهت الجلسة دون تمديد ولاية البعثة التي طالبت الجزائر باستمرارها؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى