الاستراتيجية القطاعية للصحة 2026-2031: نحو مشروع وطني جامع لتوجيه الإصلاح وتجديد الحكامة

مقال رأي_ حمزة ابراهيمي
في خضم التحولات التشريعية والمؤسساتية في المنظومة الصحية المغربية، ومع انطلاق المرحلة الحكومية 2026-2031، تبرز الحاجة إلى استراتيجية قطاعية جديدة توحد بوصلة الإصلاح، وتنقل القطاع من إحداث الهياكل وإصدار القوانين إلى تحقيق نتائج يلمسها المواطن والمهني. فالإصلاح لا يستقيم بتعدد المبادرات وحده، بل يحتاج إلى مرجعية جامعة تحدد الأولويات والمسؤوليات وتضمن استمرارية الاختيارات وتكاملها.
فالاستراتيجية ليست وثيقة إدارية تجمع المشاريع، وإنما مشروع قطاعي جماعي ينطلق من تشخيص نقدي للواقع، ويحدد الغايات والمرتكزات والوسائل والآجال ومؤشرات التقييم. وهي خريطة طريق مشتركة تحفظ خصوصية الصحة باعتبارها مرفقا حيويا، تتكامل فيه المهن والمسؤوليات، وتؤسس لاستمرارية السياسة الصحية الوطنية رغم تعاقب الحكومات وتغير المسؤولين.
وتستمد هذه الضرورة معناها من سيرورة التخطيط السابقة: استراتيجيات 2008-2012 و2012-2016 و2017-2019، ثم مخطط الصحة 2025 الذي أطلق سنة 2018، مستحضرا توصيات المناظرة الوطنية الثانية للصحة بمراكش سنة 2013. ورغم ما راكمته هذه المحطات من تشخيص وبرامج، فإن انتهاء أفق المخطط الأخير يطرح سؤال المرجعية الجامعة للإصلاح وسط تغير البنية المؤسساتية وطرق التدبير.
والاستفادة من هذا المسار تقتضي تجاوز اختلالاته، لا إعادة إنتاجها. فقد نبهت مؤسسات الرقابة والتقييم إلى ضعف مؤشرات الإنجاز والتقييم والربط بين الأهداف والوسائل. لذا يجب أن تقترن الاستراتيجية المقبلة ببرمجة مالية متعددة السنوات، ومسؤوليات محددة، ونتائج قابلة للقياس، حتى يصبح معيار النجاح أثر الإنفاق على صحة المواطنين وعدالة الخدمات، لا عدد المشاريع والتجهيزات وحده.
وعلى هذه القاعدة، ينبغي أن تترجم الاستراتيجية التوجيهات الملكية لإصلاح المنظومة الصحية وتعميم الحماية الاجتماعية، وتؤطر الالتزامات الصحية للبرنامج الحكومي 2026-2031 في ضوء القانون الإطار 06.22. لكن الاستراتيجية ليست ملحقا للبرنامج الحكومي؛ إنها مرجعية قطاعية تضمن استمرارية السياسة الصحية، وتربط توسيع التغطية بتأهيل العرض العمومي، حتى يتحول حق التأمين إلى علاج متاح وعادل.
ويتطلب ذلك حكامة تستوعب الهندسة المؤسساتية الجديدة، بتحديد أدوار الوزارة والمجموعات الصحية الترابية والهيئات والوكالات المتخصصة، وضمان التكامل دون تداخل للاختصاصات. كما تقتضي الحكامة منظومة معلوماتية مندمجة وملفا طبيا مشتركا ييسران تتبع مسار المريض والقرار المبني على البيانات، مع ربط المسؤولية بالمحاسبة. فالعبرة ليست بعدد المؤسسات المحدثة، وإنما بقدرتها على تحسين الخدمة وضمان الإنصاف.
ولا تنفصل هذه الحكامة عن الأمن الصحي الوطني. فقد كشفت الجائحة أهمية الاستباق، وأكد التوجيه الملكي بشأن المخزون الاستراتيجي للمواد الأساسية ضرورة تأمين الأدوية واللقاحات والمستلزمات وسلاسل التوريد. كما يتعين تعزيز الإنتاج الوطني واليقظة الوبائية والوقاية والصحة النفسية، ومواجهة تزايد الأمراض المزمنة وشيخوخة السكان والمخاطر المناخية، حتى تصبح السيادة الصحية قدرة دائمة على الصمود لا استجابة عابرة للأزمات.
ومن مقتضيات هذه الرؤية الوطنية الانتقال إلى جهوية صحية فعالة؛ إذ ينبغي تحويل الخرائط الصحية الوطنية والجهوية والبرامج الطبية الجهوية إلى أدوات لتخطيط العرض وتوزيع الموارد وفق الحاجيات السكانية والوبائية والمجالية. لكن نقل الاختصاصات التدبيرية إلى المجموعات الصحية الترابية لا يستقيم دون الموارد والكفاءات، ولا ينبغي أن يفضي إلى تباين المساطر الإدارية وقواعد التسيير بين الجهات. فالمطلوب مرجعية وطنية موحدة للتدبير والتقييم، مع مرونة تستجيب للخصوصيات الترابية، لا جهويات متنافرة أو تفاوتات جديدة.
وفي قلب هذا الإصلاح يقف مهني الصحة شريكا لا مجرد منفذ. فلا معنى لتأهيل البنايات دون تخطيط للتكوين والتوظيف، واستيعاب الكفاءات المتخرجة، وتقليص الخصاص، وتحسين ظروف العمل والحراسة والتعويضات والتحفيز والحركية المهنية. ويظل المواطن معيار النجاح: رعاية أولية قوية، ومستشفى عمومي مؤهل، ومواعيد أقرب، وأدوية متاحة، وتكامل منصف مع القطاع الخاص يخفف الكلفة المباشرة على الأسر.
ولكي لا تظل الاستراتيجية وثيقة مغلقة، ينبغي إطلاق حوار وطني صحي تشاركي تقوده وزارة الصحة والحماية الاجتماعية، بمساهمة الهيئات المهنية والخبراء ومؤسسات التكوين وممثلي المرضى، يواكبه حوار اجتماعي مؤسساتي مع النقابات الأكثر تمثيلية. وينطلق المسار من تقييم المخططات السابقة وتجارب المجموعات الصحية الترابية، وصولا إلى تعاقد يحدد الالتزامات والتمويل ومؤشرات الأداء، مع حصيلة سنوية معلنة وتصحيح منتظم للاختلالات.
إن استراتيجية 2026-2031 ليست ترفا تخطيطيا، بل دعوة إلى مشروع وطني جامع يوحد رؤية الدولة والمؤسسات والمهنيين والمواطنين. فالبوصلة ليست تغيير الهياكل فحسب، بل بناء الثقة في المرفق العمومي وتحويل الحق في الصحة إلى واقع يقاس بكرامة المهني، وجودة التكفل، والعدالة في الولوج للعلاج، ووضوح المسؤوليات والنتائج، ومراقبة أثر الإصلاح.





