الداخلة : المغرب والولايات المتحدة ۔۔۔ التاريخ المشترك عنوان ماٸدة مستديرة بمناسبة ذكری تقديم وثيقة الاستقلال

اعلام تيفي – جمال العظام
نظمت النيابة الجهوية للمندوبية السامية لقدماء المقاومين وأعضاء جيش التحرير بالداخلة بقاعة الاجتماعات لغرفة الفلاحة بالداخلة بمناسبة الذكرى 77 لتقديم وثيقة المطالبة بالاستقلال مائدة مستديرة حول موضوع: ” المغرب والولايات المتحدة الامريكية : التاريخ المشترك ” ؛ حيث تقدم الاستاذ الحسن لحويدك بمداخلة بصفته كرئيس لجمعية الوحدة الترابية للتنمية البشرية والاعمال الاجتماعية بجهة الداخلة وادي الذهب في أشغالها تحت عنوان “ما هي المحددات وطبيعة العلاقات الدبلوماسية المغربية الامريكية ؟ أية آفاق ؟ “وفي ما يلي نص المداخلة لتعميمها قصد الإفادة .
الحمد لله وحده والصلاة والسلام على رسوله الكريم وعلى آله وصحبه اجمعين .
سلام مقرون بمشاعر المودة والمحبة والإخلاص
أيها الحضور الكريم كل واحد باسمه وصفته .
يطيب لي بداية، ان اتقدم بجزيل الشكر والامتنان للنيابة الجهوية للمندوبية السامية لقدماء المقاومين وأعضاء جيش التحرير بالداخلة في شخص الأستاذة النائبة الجهوية، سلم تيروز، على تفضلها بدعوتي قصد المشاركة في أشغال هذه المائدة المستديرة، الملتئمة حول موضوع :
” المغرب والولايات المتحدة الامريكية : التاريخ المشترك ” ؛ وذلك بتقديم مداخلة في هذا اللقاء العلمي بمناسبة تخليد الشعب المغربي، الذكرى 77 لتقديم وثيقة المطالبة بالاستقلال ل (11 يناير 1944)، وهي ذكرى غالية علينا جميعا، لكونها واحدة من أهم المناسبات الوطنية الخالدة، والتي كانت بحق محطة نضالية مفصلية وحاسمة، ومنعطفا سياسيا في لحظة تاريخية بارزة ضمن ملحمة النضال الوطني، الذي خاضه الشعب المغربي بقيادة العرش العلوي المجيد في سبيل الحرية والاستقلال.
وارتباطا بموضوع هذه الندوة الفكرية الوطنية التي ستتمحور حول دور الولايات المتحدة الأمريكية في استقلال المغرب بعد لقاء انفا 1943، سأتشرف بالمشاركة بمداخلة في هذه الندوة المباركة بمداخلة تحت عنوان :
“ما هي المحددات وطبيعة العلاقات الدبلوماسية المغربية الامريكية ؟ أية آفاق ؟ ”
وقد ارأتيت ان اركز على هذا الموضوع الذي له راهنيته وأهميته في خضم الانتصارات الدبلوماسية الكبيرة، التي حققها المغرب نصرة لقضيتنا الوطنية في أفق تثبيت سيادة المملكة المغربية على كامل ترابها الوطني، بالتالي تسريع مسار الطي النهائي لملف النزاع الإقليمي المفتعل حول مغربية الصحراء بقيادة جلالة الملك محمد السادس حفظه الله ، خصوصا اعتراف الولايات المتحدة الأمريكية بمغربية الصحراء، وهو ما تكرس فعليا من خلال إقامة القنصلية الأمريكية بمدينة الداخلة إحدى حواضر الأقاليم الجنوبية الامنة في حضن الوطن الأم منذ عقود.
لذلك ومن اجل ذلك يجب استحضار معاني ودلالات تقديم وثيقة المطالبة بالاستقلال بغية استحضار معانيها البليغة، ولتكريس قيم الوطنية الراسخة، ولترسيخ مكاسبها وإبراز مغازيها ودلالاتها للأجيال الراهنة والآتية من جهة، وربطها بالسياق الراهن لمسار قضية وحدتنا الترابية، لاستخلاص عبرها ودروسها، والتمثل الأفضل لما تحقق بفضلها من مكتسبات وطنية كبرى في مختلف المجالات .
فبفضل مواصلة الكفاح الوطني الذي خاضه الشعب المغربي قاطبة قمة وقاعدة، اعطى هذا الالتحام زخما وطنيا وإقليميا ضمن صفحات النضال الوطني من أجل التحرير، كما شكل صورة حضارية متفردة في سياق دولي مضطرب التوازنات وصاخب الأحداث والمتغيرات، الشيء الذي أعطى للقضية الوطنية بعدا دوليا ومكن من توفير الظروف الموضوعية لانعقاد مؤتمر آنفا التاريخي في شهر يناير ، 1943 لطرح قضية استقلال المغرب وإنهاء نظام الحماية الفرنسية .
وقد عبرت الولايات المتحدة في حينه، عن كامل تفهمها لعدالة قضية المغرب، ودعمها لشرعية ولمشروعية مطلب السلطان المغربي مدعوما بالحركة الوطنية وعموم الشعب المغربي، المتمثل بالأساس في المطالبة بالاستقلال الوطني وانهاء نظام الحماية، لاسيما ان المغرب قد بذل جهودا حثيثة من أجل مساندة الحلفاء في حربهم ضد النازية قصد تحرير أوروبا من غزو النازية وبطشها، الامر الذي أيده الرئيس الأمريكي آنذاك “فرانكلين روزفلت”، معتبرا طموح المغرب لتحقيق استقلاله حريته طموح معقول ومشروع.
يقول المؤرخ الفرنسي فرناند بروديل: ” إن التاريخ في حاجة ماسة إلى صنع نفسه بإستمرار”، ومن هذا المنطلق يمكننا فهم واستقراء مختلف الأبعاد التاريخية والراهنة المميزة للعلاقات المغربية الامريكية، كما يدفعنا التأمل العميق والموضوعي لمضمون هده العلاقات، أن نطرح الثنائية التالية:
– ما هي المحددات وطبيعة العلاقات الدبلوماسية المغربية الامريكية عبر التاريخ؟
– وهل استفاد المغرب من علاقاته مع واشنطن في ظل التحولات التي يعرفها المشهد السياسي الإقليمي والدولي اليوم ؟
لا شك أن الحديث عن التطور المتواتر لعلاقات التعاون والتبادل الاقتصادي والسياسي بين البلدين (المغرب – الولايات المتحدة الامريكية)، منذ مدة، وبروزها بشكل أقوى وأفصح خلال السنوات الأخيرة، دفعت العديد من الباحثين والمهتمين من مختلف المواقع والافاق، يولون اهتماما متزايدا بالدرس والبحث التاريخي المعاصر، كما سبق أن أولتها الدراسات الاستراتيجية والتحاليل الجيوسياسية، اهتماما متزايدا منذ الاستقلال وفي ظل الحرب الباردة بين المعسكرين الشرقي والغربي الى حدود انهيار جدار برلين واندماج العالم في القطبية الواحدة في إطار ما يسمى بالعولمة .
وبما أن الولايات المتحدة الأمريكية تقود العالم كقوة سياسية واقتصادية ذات نفوذ قوي ومؤثر في العلاقات الدولية ، ارتأينا أن نقف عند جوانب من تاريخ العلاقات المغربية الامريكية. وتجدر الإشارة في هذا السياق، ان المغرب، يعد كأول بلد عربي اعترف ودعم القضية الأمريكية في مواجهته للاستعمار البريطاني ، وكان ذلك سنة 1777م، في حكم السلطان العلوي سيدي محمد بن عبد الله الذي نهج سياسة الانفتاح مع باقي البلدان الأوربية. وقد جاء هذا الاعتراف المغربي في الوقت الذي كان فيه المغرب متوازنا مع الضفة الأخرى ، أي توازن القوى السياسية ، في حين كانت أمريكا آنذاك بلدا مستعمرا غير قادر على مجابهة القوى الأوربية ، لذلك اعتـُبـِرت المبادرة المغربية اعترافا بسيادة أمريكا واستقلالها حدثا هاما. وقد قام السلطان بتعيين إتيان دو ديبير كاي وهو فرنسي مقيم في سلا، بتولي مهمّة قنصل أمريكا في المغرب.
وللتذكر، فقد شهدت العلاقات المغربية الامريكية في عهد المولى سليمان (1792-1830)، تذبذبا بفعل سياسة الاحتراز التي نهجها السلطان المغربي أنداك، بحيث قلص فيها من المعاهدات مع الاوربيين، غير أن علاقته بالولايات المتحدة الأمريكية لم تتغير عما كانت في زمن والده (سيدي محمد بن عبد الله) إذ غلب على علاقة الصداقة هاته المصالح المشتركة بين البلدين، ما عاد التهديد المغربي الأمريكيين أثناء محاصرة المدمرات الأمريكية طرابلس ما أثار نزاعا بين البلدين خاصة دعم المغرب لطرابلس، و سرعان ما تم احتواء الأزمة وتعيين (جوهن مولوني) قنصلا امريكيا بالمغرب.
ويشير الاستاذ محمد مزيان في أطروحته حول العلاقات المغربية الأمريكية في فترة ما بين الحربين” الى أن موقف الأمريكيين من الحماية بقي متحفظا وإن جاء الاعتراف فيما بعد متأخرا بهدف الحفاظ على امتيازاتها التجارية بالمغرب . كما سعت الولايات المتحدة الأمريكية بالحفاظ على طنجة كمنطقة دولية. فقد شكل الميثاق الأطلسي الداعي إلى تقرير الشعوب لمصيرها وما تلاه من انزال الحلفاء بأنفا مرحلة محطة مهمة في تاريخ البلدين، إذ وعد الرئيس الامريكي فرانكلين روزفلت بسيادة المغرب على ترابه وحق تقرير مصيره بعيدا عن الوصايا الامبريالية الفرنسية، مقابل دعم المغربي للحلفاء ضد النظام النازي الذي يقوده هتلر.
لم يمر عن هذا الانزال الذي قادته بريطانيا و الولايات المتحدة الأمريكية سوى سنين معدودة حتى حصل المغرب على استقلاله . وفي ظل متغيرات دولية أبرزها اصطفاف المغرب الى جانب المعسكر الغربي الذي قادته و.م .أ. وانخراط جاد في العلاقات الدولية، التي كانت فيها قضية الصحراء المغربية جزءا منها. واعتراف الإدارة الأمريكية بسيادة المغرب على صحراءه كانت له جذور تاريخية أسسته الموقف الثابت واللامشروط للمغرب مع الولايات المتحدة الأمريكية منذ اعتراف سيدي محمد بن عبد الله بسيادة أمريكا على أراضيها.
ومن هذا المنطلق التاريخي الذي ينبني على اسس الصداقة المتينة التي تجمع المملكة المغربية والولايات المتحدة الأمريكية ترد هذه الاخيرة الجميل الشرعي والعادل ألا وهو اعترافها بمغربية الصحراء . ولعل ما عشناه يوم عاشر يناير بالداخلة تزامنا مع ذكرى تقديم وثيقة المطالبة بالاستقلال يجسد هذه العلاقات التاريخية المتينة ، حيث أكد سفير الولايات المتحدة الأمريكية بالمغرب، ديفيد فيشر، يومه الأحد في الداخلة، أن افتتاح قنصلية للولايات المتحدة الأمريكية في الداخلة، من شأنه “تشجيع مشاريع الاستثمار والتنمية التي ستحقق فوائد ملموسة للمنطقة”.
وأوضح فيشر، وفق بلاغ لسفارة الولايات المتحدة الأمريكية في الرباط، أن افتتاح قنصلية جديدة للولايات المتحدة “سيمكن من الاستفادة بشكل أفضل من موقع المغرب الاستراتيجي كقطب للتجارة بكل من إفريقيا وأوروبا والشرق الأوسط، وسيسمح ذلك على الخصوص بدعم وتشجيع مشاريع الاستثمار والتنمية التي ستحقق فوائد ملموسة للمنطقة”.
كما أبرز الدبلوماسي الأمريكي، الذي حل بالداخلة لإعطاء انطلاقة العملية الرسمية لافتتاح قنصلية للولايات المتحدة الأمريكية بالمدينة، أن “زيارتنا اليوم لمدينة الداخلة تعتبر حدثا تاريخيا إضافيا يميز علاقة الصداقة ما بين المملكة المغربية والولايات المتحدة التي تمتد على مدى مائتي سنة”. وأضاف فيشر، الذي أصبح أول سفير أمريكي يقوم بزيارة للصحراء المغربية، أعرب عن “خالص تشكراته للملك محمد السادس، الذي كان التزامه الراسخ بالصداقة الأمريكية – المغربية أساسيا من أجل إجراء هذه الزيارة”.
وتابع السفير، الذي كان مرفوقا بمساعد كاتب الدولة الأمريكي المكلف بشؤون الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، ديفيد شينكر، وذلك لإجراء محادثات مع مسؤولين حكوميين وقيادات من قطاع الأعمال بمدينة الداخلة، “أستطيع القول أنه ستتبع هذه الزيارة الأولية للأقاليم الجنوبية المغربية زيارات رسمية متعددة أخرى لمسؤولين في الحكومة الأمريكية.
وهكذا إذا كانت العلاقات بين المغرب والولايات المتحدة الأمريكية قد بدات في 20 ديسمبر 1777، وتوطدت رسميا في 1787 عندما صادق الكونغرس الأمريكي على معاهدة السلام والصداقة بين البلدين، واعترف المغرب رسميا بالمستعمرات الأمريكية كدولة ذات سيادة موحدة ، فقد تم إعادة التفاوض حول المعاهدة في عام 1836 التي لا تزال سارية المفعول إلى يومنا هذا .
كما احتضنت طنجة أقدم مقر دبلوماسي أمريكي في العالم، الذي تحول اليوم إلى متحف، وهي المعلمة التاريخية الأمريكية الوحيدة التي تقع خارج أرض الولايات المتحدة.
ومواصلة لتوطيد معاهدة الصداقة المغربية الأمريكية التي وقعت من طرف سلطان المغرب محمد الثالث بن عبد الله والرئيس الثالث للولايات المتحدة الأمريكية توماس جفرسون سنة 1786، وقعت المملكة المغربية والولايات المتحدة الأمريكية مجموعة من الاتفاقيات الثنائية شملت العلاقات السياسية والتبادل التجاري وتبادل الزيارات ، واتفاقا عسكريا، وصف بالتاريخي، يمتد من 2020 إلى 2030.
ويسعى الاتفاق لتعزيز الشراكة الاستراتيجية بين البلدين، وتأكيد العلاقة القوية بينهما ودعم الأهداف الأمنية ومجالات مختلفة، ولا سيما مجال محاربة التهديدات الإرهابية الدولية والتحديات الأمنية المشتركة.
وفي هذا الإطار تشير الرئاسة المشتركة للمنتدى العالمي لمكافحة الإرهاب بان المغرب يعد حليفا رئيسيا للولايات المتحدة الأمريكية من خارج حلف شمال الأطلسي (الناتو)، في إطار جهوده المبذولة لدعم مكافحة الإرهاب، حيث يتم احتضان المملكة للمناورات العسكرية المعروفة باسم الأسد الأفريقي، وهي أكبر مناورات عسكرية في القارة الأفريقية، وتقام بشكل مشترك بين القوات المسلحة الملكية والقوات الأمريكية.
لذلك يعتبر المغرب شريك أساسي في محاربة الإرهاب والتحديات الأمنية وتعزيز الاستقرار والازدهار بالمنطقة بالنسبة للولايات المتحدة الأمريكية إذ تعتبر المغرب كبوابة إلى القارة الأفريقية، الذي سيفتح لها الطريق للتعاون المغربي الأمريكي على مستوى البلدان الأفريقية وهو ما يتجسد بخصوص مناورات الأسد الأفريقي التي تستفيد منها مجموعة من البلدان الإفريقية .
شكرا على حسن الإصغاء والتتبع . والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته .





