سياسة الإسراف في زمن التقشف..الصرف غير المبرر لملايين الدراهم

 

بشرى عطوشي

في الشركات المثقلة بالمصاريف غير الضرورية، لا يمكن أن تنجح سياسة التقشف إذا استثنت الصرف اللامحدود للطبقات الإدارية المتنفذة، وتفشل إذا اكتفت الإدارة المتضخمة والمترهلة بتخفيض رواتب العاملين فقط ، وذلك لأن المنطقين الاقتصادي والسياسي لا يسمحان بذلك، فالإدارة بذلك لا توجه فقط رسالة مضمونها التوقف عن الإنتاج والإبداع، ولكن تضعهم بصورة غير مباشرة في المكان الخطأ في سياسة المحاسبة للأخطاء الكارثية في الإنفاق العام.

أردت الاستدلال بهذه التوطئة للوصول إلى ما يفيد بأنه في ظل وضع عالمي ووطني مزر، لن ينفع رفع الأسعار والضرائب المفروضة التي يؤديها المواطن، البارزة منها والخفية، ولن تفيد تلك السياسات في فرض مزيد من سياسات التقشف التي يعتبر المواطن فيها حلقة أضعف، لأنه هو من يؤدي ثمنها.

فوسط آمال أصبحت شبه مستحيلة التحقيق للموظف البسيط أو “طالب معاشو” كما نقول، نجد أن هناك من يتربع على كرسي التصرف في المال العام والتوسع في تبذيره طولا وعرضا ودون خشية لومة لائم، أو دعاء جائع، أو حسرة أب على عدم قدرته على توفير كسرة خبز أو غيرها لأسرته.

عنوان سوء تدبير المال العام هذه المرة، مبالغة وزير الشباب والثقافة والتواصل في صرف المال العام  لتنظيم عشاء لضيوف المعرض الدولي للنشر والكتاب، الذي كلف الملايين.

الوزير المهدي بنسعيد أثار جدلا كثيرا بتنظيمه لعشاء فاخر و”فوق العادة”  لضيوفه، حيث استقبلهم  بوجبة البسطيلة بفواكه البحر التي زينت  حوالي 40 مائدة، وافخاذ الخرفان الصغيرة وأطباق طائر السمان، إضافة إلى أطباق الفواكه والحلويات، الأمر الذي اعتبره المراقبون بذخا لا بل إسرافا غير مقبول في ظل وضع مالي متأزم لا يدفع فاتورته إلا المواطن البسيط.

يذكر في هذا الصدد أن صفقة تنظيم معرض النشر و الكتاب في دورة 2022، كلفت مبلغ مليارين و291 مليون سنتيم، حازت عليها شركة معينة بعدما تنافست مجموعة من الشركات، بعد تحديد الكلفة التقديرية خلال إعلان الصفقة في 21 مليون و900 ألف درهم، بينما كانت الصفقات السابقة لتنظيم المعرض تكلف 90 مليون سنتيم فقط.

وحتى لا ننسى وللتذكير، فقد سبق ووجه عزيز أخنوش، رئيس الحكومة، في مارس الماضي، مراسلة إلى الوزراء والوزراء المنتدبين والمندوبين الساميين والمندوب العام والمندوب الوزاري من أجل إعداد مقترحاتهم بشأن البرمجة الميزانياتية لثلاث سنوات 2023_2025 مدعومة بأهداف ومؤشرات نجاعة الأداء؛ وذلك تطبيقا للمادة 5 من القانون التنظيمي لقانون المالية.

و دعا رئيس الحكومة، في المراسلة التي وجهها إلى الوزراء والوزراء المنتدبين والمندوبين الساميين والمندوب العام والمندوب الوزاري، إلى ضرورة أن تأخذ مقترحات القطاعات الوزارية الوضعية المالية للدولة؛ وذلك بالعمل على ترتيب الأولويات,

و نبه رئيس الحكومة آنذاك إلى ضرورة ترشيد الانفاق المرتبط بتسيير الإدارة وعقلنة نفقات المعدات والنفقات المختلفة من خلال التحكم في النفقات العادية وحصرها في المتطلبات الضرورية، لا سيما عبر التقليص من النفقات المتعلقة بكراء السيارات وكراء تهييئ المقرات الإدارية وتأثيثها مع ربطها بضرورة المصلحة، وكذا المصاريف المتعلقة بحظيرة السيارات والنفقات المتعلقة بالنقل والتنقل داخل المملكة وخارجها والفندقة والاستقبالات.

ويبدو مما سبق أن هذه المراسلة كانت حبرا على ورق، حيث يجب التذكير في هذا الشأن بمثال على تبذير المال العام، ويتعلق الأمر  بطلب العروض رقم 2022/13/ج. م  الذي أطلقه مجلس مدينة مراكش، من أجل إيجار 10 سيارات بتكلفة تصل إلى 208.800 درهما، في مقابل السيارة الواحدة خلال 3 سنوات، في حين ستكلف في حال شرائها 270.000 درهم، وهو الأمر الذي يثير أكثر من علامة استفهام حول دواعي الأمر في ظل امتلاك المجلس لأسطول مهم من السيارات مازال قيد الخدمة.

إن الاستمرار في الاستهتار بالوضع الحالي الذي يبقى المواطن الحلقة الأضعف فيه، يدعو للوقوف على ما يتم صرفه من المال العام، ومدى تطبيق ما تسميه الحكومة ترشيدا للنفقات.

وبالطبع ستمر مثل هذه الأحداث ومثل هذه التصرفات في تبذير المال العام، مرور الكرام، وسيستمر النزيف برفع الشعارات التي سبق للحكومات السابقة رفعها، مثل ربط المسؤولية بالمحاسبة، ومحاربة الريع، ومحاربة الفساد والنزاهة والشفافية ووو غيرها من الشعارات التي ألفنا سماعها منذ سنوات.

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى