الأسود ونبوءة “ذكر كل لسان” .. كيف أصبحنا أسياد المربع الأول

عبد الفتاح نعوم
وكأنه كان نصرا ينبغي أن يتأخر زمانه لكي ينبلج، حتى حينما نصبح “ذكر كل لسان” كما يقول نشيدنا الوطني في نبوءته الغراء، يكون ذلك الذكر مرتبطا بكم المفاخر التي لا تحصى، من منجزات باهرة لا تتوقف، وحتى لا يكاد من يعرفنا لأول مرة ويبحث عن المغرب في محركات البحث يكتشف أننا بلاد تصنع فيها السيارات وأجزاء الطائرات وأشباه الموصلات، وفيها أكبر حقول انتاج الطاقة الشمسية والريحية في القارة السمراء، وفيها أهم مصنع لجميع أنواع اللقاحات، فضلا عن أهم المطارات والموانئ والطرق السيارة والقطار الفائق السرعة، وقد دشنت لتوها ورشا للرعاية الاجتماعية سيكون ذروة سنام كل تلك المنجزات.
إن المتأمل لما يجري عبر منصة كأس العالم في قطر، لاشك أن ينتهي إلى أننا أحدثنا صدمة فعلا للشرق والغرب، صدمة لا تقل عن “صدمة الحداثة” الأوروبية التي عاشها عالمنا العربي والإسلامي إبان أولى احتكاكاته مع الاستعمار الأوروبي، حيث الدهشة من هؤلاء والتساءول بخصوص لماذا تقدموا وتأخرنا؟، وهو السؤال الذي بقينا فيه حتى أصبحنا نكاد نكون موقنين أن التأخر قدر منزل، بل إن الكثيرين حتى من العرب كان بالأمس من الصعب إقناعهم بأن المغرب أصبح تايوان إفريقيا والعرب، وأنه بعد سنوات قليلة سيصبح سويسراهم، لفرط الاقتناع أنه يستحيل أن يذهب العرب والمسلمون في ذاك المنحى.
وفي وجه كل هذا جاء النصر المغربي البيِّن في مونديال قطر لكي يميط اللثام دفعة واحدة عن كل تلك الشكوك، ويقوم في آن واحد برأب صدوع الشعور الجمعي العربي والإسلامي، وبتعريف الدنيا بمن هم المغاربة ومن هو المغرب، الدولة الأمة الضاربة في التاريخ، وليمنى بخسارة فادحة ليس فقط كل من ينازل الأسود في قطر، وإنما كل من خسر المليارات على الدعاية المسمومة للإساءة إلى المغاربة والمغربيات، فيكتشف العالم بأسره من هم هؤلاء المتمسكون بوطنهم والعاشقون له والمتضامنون لأجله، في أي مكان كانوا، وبأي لسان تحدثوا، وهم أنفسهم المتمسكون بأخلاقهم الراقية العالية، وشخصيا مشيت لأزيد من ست كيلمترات في منطقة شعبية احتفالا بالفوز، دون أن ألمح حادثة تحرش واحدة، ولا محاولة للسرقة أو التهجم، ولا حتى عبارة نابية واحدة، وكأننا في كل فرح وفي كل شدة نبرز للعالم معدننا النفيس الذي بفضله بقينا وسنبقى كما عرفنا أنفسنا وكما أصبح العالم يعرفنا.
فأين من صرفوا الأموال والوقت والجهد للإساءة للمرأة المغربية اليوم؟، وهم يرون المرأة المغربية تتسيَّد الاحتفال وتصنع البهجة، سواء أكانت طفلة أو شابة، تضرب بها الأمثال، أو كانت أما لا يغيرها زمان ولا مكان، وتبقى كما هي تساعد ابنها في تغيير ملابسه أو تراقصه فرحا، بجلبابها الوقور، وغطاء رأسها الذي ينير البيوت والقلوب، في مشاهد لا يخلو منها زقاق مغربي، وحيث سحنات أبطالنا في قطر أنفسهم لا يختلفون عن أي شاب يافع حالم يصارع الساحرة المستديرة في كل مكان.
لقد ترجم الأسود اليوم فعلا كل ما اعتمل في صدر المغرب والمغاربة طيلة عقود، من الكفاح وإرادة النجاح والإنجاز، وكأن كل إخفاقات الماضي في تدبير المجال الكروي، والجدل الذي يصاحبها، والانتقادات التي لا تتوقف، كانت هي الوقود الذي أوصلنا إلى ما نحن عليه اليوم، والقادم سيكون أفضل وأهمّ بكثير، وإن شئنا تجاوز الوصف إلى التحليل، لنا أن نتخيل كيف أن منجزات عقود وثقافة قرون أصبحا موضوع دهشة وإعجاب لكل الدنيا بفضل إنجاز كروي عالمي، ثم فلنفكر قليلا في أن فرصة للتسويق كهذه، يستحيل أن تتحقق ولو صرفت عليها ملايير الملايير، هي في الآن نفسه فرصة لمضاعفة تلك المنجزات، فبيئتنا الاستثمارية وثقافتنا وحضارتنا وإمكانياتنا وعنصرنا البشري ومعطياتنا الطبيعية قد أصبحت في متناول الجميع وذكر كل لسان فعلا، ولنا أن نتخيل موسمنا السياحي المقبل فقط كيف سيكون ترتيبا على كل هذا.
لم يبق لي سوى أن أختم هذه الأسطر، بالإشارة إلى أن ذكر صاحب الجلالة للجالية المغربية، وتكريمه لها، إنما كان ناجما عن رؤية ثاقبة وتقدير دقيق لما نعيشه اليوم، حيث أن أغلب أبطالنا هم من أبناء تلك الجالية، وهم الذين برغم كل آليات التنشئة الاجتماعية التي تعرضوا لها في بيئات المهجر، إلا أنهم بقوا مغاربة بكل ما فيهم من سجية وتلقائية وروح وطنية، ولم ينسلخوا من التقاليد المغربية المتوارثة والمقدسة لدينا التي تجسدها تعابير “رضاة الوالدين” و”النية” وما إلى ذلك، ولذلك الجالية المغربية لا يأتينا منها إلا كل الخير والربح، وهذا حرفيا ما كان المغفور له جلالة الملك الحسن الثاني قد قاله لقناة فرنسية حينما سئل عن أبناء المغرب في المهجر وعلاقتهم بالشخصية المغربية والروح الوطنية وتقاليد الأمة.
ها نحن اليوم ضمن المربع الأول الذي يصنع المزاج العالمي، وحوله تحوم كبريات مؤسسات الإعلام والإشهار والاستثمار، ونجومه هم من يقودون التريندينغ الاقتصادي والمعنوي الكوني، والعوم متواصل على أن نكون في المقدمة، وسنكون بقدرة الله تعالى ومشيئته، وجهدنا المتواصل، وسيرنا وراء قائدنا الملهم حفظه الله، وبكل قيمنا وإرث أجدادنا وببركة تراب أرضنا الذي نعشقه جميعا.





