باكالوريا 2024.. مسألة “نجاح أو موت”

كنزة بوقوص_ صحافية متدربة
أيام قليلة مضت منذ أن استيقظت مدينة ٱسفي على وقع انتحار تلميذة بعد ضبطها في حالة غش، أثناء اجتيازها امتحانات الباكالوريا.
واقعة مفجعة تضع المجتمع المغربي أمام إِشكالية الضغط الذي تمارسه مؤسسات التنشئة الاجتماعية على المرشحين لاجتياز الامتحان الوطني الموحد، وتسائل الصورة المعتمة التي رسختها هذه المؤسسات لدى التلاميذ حول مرحلة انتقالية من حياتهم.
فبعد أن كانت امتحانات الباكالوريا معبر التلاميذ للحياة الجامعية، استحال اجتيازها إلى شبح مظلم يلاحقهم، يعبث باستقرارهم النفسي، ويجرهم لسلوكيات مخالفة للقيم الاجتماعية، قد تصل حد الانتحار.
اليوم، ونحن نقف على بعد أسبوع من تاريخ الإعلان عن نتائج باكالوريا 2024، لا يزال الحصول على شهادة الباكالوريا يتأرجح بين الحلم والكابوس، ولا يزال ملف تلميذة ٱسفي مفتوحا على أسئلة كثيرة، حاولنا الإجابة عنها على لسان الخبراء.
النقطة التي أفاضت الكأس
في تصريح أدلت به لموقع “إعلام تيفي”، اختارت المستشارة الأسرية عايدة قباج أن تصف إقدام تلميذة اسفي على الانتحار “بالقرار الصعب”، كما استبعدت أن يكون إخفاقها في امتحانات الباكالوريا هو السبب الوحيد لما أقدمت عليه، مستحضرة في معرض حديثها احتمالية أن تكون هناك “مشاكل أسرية واجتماعية أخرى كانت تعيشها الراحلة، هي من تقف وراء انتحارها”.
مشاطرا إياها الرأي، قال الأخصائي النفسي والسلوكي بوشعيب الباز في تصريحه ل“إعلام تيفي” أن “تلميذة ٱسفي لديها استعداد نفسي للانتحار قبل اجتياز الامتحان” وفسر ذلك بكون “قرار الانتحار لا يمكن أن يكون لحظيا، بل هو مرحلة يصل إليها الإنسان بسبب عدد من التراكمات الإجتماعية والأسرية… التي تجعله في حالة استعداد للإقدام على التنفيذ أمام أول مشكل يواجهه”، وأضاف المتحدث بأن “ضبط تلميذة ٱسفي في حالة غش، ما هو إلا الموقف الذي حرك لديها تلك الرغبة المسبقة للانتحار”.
غياب ثقافة الحوار داخل الأسر المغربية
في سياق الحديث عن دور الأسرة في ترسيخ صورة مظلمة عن الباكالوريا لدى الأبناء، قالت قباج إن “مجتمعنا، بما في ذلك الأسرة، ينظر لشهادة الباكالوريا على أنها البوابة الوحيدة التي تفتح افاق المستقبل للشباب، والإخفاق في الحصول عليها يعني إخفاق في بداية المشوار”.
وبنفس المنطق، أكد الباز على أن العلاقة المرتبكة بين التلاميذ و الباكالوريا “تبدأ منذ سنوات تعليمهم الأولى، حيث تكون الأسرة لدى الطفل صورة مرعبة سابقة لأوانها عن الباكالوريا، بحثه على الاجتهاد استعدادا لتلك المرحلة”
مسؤولية مشتركة
وفي جوابه على سؤال إعلام تيفي حول تأثير مؤسسات التنشئة الاجتماعية على تصور التلاميذ للباكالوريا، أكد الباز على أن المسؤولية مشتركة بين جميع مؤسسات التنشئة الاجتماعية، وأوضح ذلك بقوله إن “الأسرة، المدرسة والإعلام، يساهمون بشكل كبير في تكريس صورة سلبية لدى التلاميذ حول امتحانات الباكالوريا” وأردف قائلا إن “طريقة تعامل بعض أساتذة التعليم الثانوي مع التلاميذ، وطريقة شرحهم للدروس تتسبب للمتعلمين، في كثير من الأحيان، في مشاكل نفسية وصعوبات في التعلم”.
وفي حديثه عن دور الإعلام، اكتفى الباز بالإشارة إلى كون هذا الأخير “يعرف نوعا من القصور على مستوى البرامج المتخصصة التي من شأنها أن تشجع على التعاطي الإيجابي مع امتحانات الباكالوريا”.
النجاح في الباكالوريا ليس نجاحا في الحياة
فيما أبدت أسفها على الفاجعة، أكدت عايدة قباج على أن ما حدث مع تلميذة ٱسفي ” كفيل بأن يعيد لامتحانات الباكالوريا حجمها الطبيعي في أذهان الأسر، حتى يراجعوا علاقتهم بأبنائهم” مؤكدة أن “الحوار المبني على الثقة والتقدير كفيل بأن ينذر الأسرة بمشاكل الأبناء حتى يتداركوا العديد من المواقف المؤسفة قبل فوات الأوان”.
ومن جانبه، ذهب بوشعيب الباز في نفس الاتجاه قائلا إنه “لا ينبغي النظر للرسوب في امتحانات الباكالوريا بهذه المأساوية لا من الأسرة، ولا من التلاميذ” مؤكدا أن”النجاح في الباكالوريا ليس بالضرورة معيارا على النجاح في الحياة”.
وأجمل المتحدث قائلا إن “مؤسسات التنشئة الاجتماعية يجب أن تعمل على تشجيع التلاميذ على الاجتهاد منذ بداية السنة، دون التغاضي عن تهييئهم نفسيا لاحتمالية الرسوب”.





