الاستقواء ببروكسل.. أبعاد ودلالات المطالب الإسبانية الجديدة بشأن سبتة ومليلية

زكرياء الروضي

تحليل_تتجه وزارة الخارجية الإسبانية نحو تصعيد غير مسبوق في إدارة ملف مدينتي سبتة ومليلية المحتلتين، عبر حزمة مطالب رفعتها إلى بروكسل تهدف إلى إضفاء صبغة مؤسسية وأمنية أوروبية دائمة عليهما.

وتخفي هذه الخطوة، وإن جرى تغليفها بدواعي الحماية الجمركية والأمنية المترتبة على الأزمات الحدودية، محاولة إسبانية مكشوفة لإعادة تعريف الخلاف حول الثغرين، ونقله قسرا من إطاره الثنائي بين الرباط ومدريد إلى مواجهة سياسية ومؤسسية مباشرة بين المغرب والاتحاد الأوروبي.

“أوروبة” الملف والتناقض القانوني

تتجلى الخطورة الأولى لهذه التحركات في محاولة إسبانيا إقحام بروكسل كطرف مباشر في النزاع عبر فرض وجود دائم لوكالة الحرس الحدودي الأوروبي “فرونتكس”، وتخصيص مقعد دائم للمدينتين في لجنة الأقاليم الأوروبية، إذ يُعد هذا المسعى “أوروبة” قسرية لملف جغرافيا إفريقيا بامتياز، ويسعى بوضوح إلى فرض سياسة الأمر الواقع، متجاهلا الحقوق التاريخية والسيادية للمغرب.

وتزداد الخطورة بالنظر إلى البعد القانوني والدولي، إذ تصر إسبانيا على تعامل الاتحاد الأوروبي مع الثغرين المحتلين بوصفهما أرضا أوروبية مكتملة السيادة، بينما تُصنف الأدبيات السياسية والمطالب المغربية المتواصلة هاتين المدينتين كأراضٍ محتلة ووضعيات استعمارية معلقة، لا يمكن لقرار إداري من بروكسل أن يمنحها شرعية تسقط الحق التاريخي أو تلغي طبيعتها كأجزاء لا تتجزأ من التراب المغربي.

استهداف الدينامية الاقتصادية لشمال المغرب

وعلى الصعيد الاقتصادي، فإن طلب إدماج سبتة ومليلية الكامل في الاتحاد الجمركي الأوروبي يمثل محاولة صريحة لمحاصرة الدينامية الاقتصادية التي تشهدها الأقاليم الشمالية للمملكة، إذ يسعى هذا الإجراء الإسباني إلى خنق الامتداد الطبيعي للمنطقة الشمالية ومنافسة المشاريع الاستراتيجية الكبرى، وعلى رأسها ميناء طنجة المتوسط ومحطة الناظور غرب المتوسط.

إن إنهاء حالة المرونة الحدودية والتجارة التقليدية لحساب نظام جمركي أوروبي صارم سيكرس عزلة جغرافية للمدينتين، ويكشف عدم قدرتهما على الاستمرار دون الاعتماد الحتمي على المحيط المغربي، وهو ما تحاول مدريد التغطية عليه بضخ أموال ودعم تنموي من خزائن الاتحاد الأوروبي.

استغلال الملف الأمني وتهميش الشراكة

أما على المستوى الأمني، فإن استغلال مدريد لملف الاضطرابات في منطقة الساحل وصعود تهديدات الإرهاب لإقناع بروكسل بشرعنة مطالبها، ينطوي على استخفاف صريح بالدور المحوري الذي يلعبه المغرب كشريك أمني وأساسي لاستقرار المنطقة بأكملها.

إن وضع وكالة “فرونتكس” على التماس المباشر مع الحدود المغربية يفرغ مذكرات التفاهم والتعاون الثنائي من مضمونها التشاركي، ويضع أعباء كبح تدفقات الهجرة على عاتق المغرب وحده، في حين تُمنح المؤسسات الأوروبية سلطة الرقابة والضغط السياسي دون الاستثمار الحقيقي في الأسباب الجذرية للهجرة.

أوراق القوة المغربية وحتمية الحوار

أمام هذه المبادرة الأحادية، يملك المغرب أوراقا جيوسياسية وقانونية حاسمة لتأكيد موقفه وصيانة حقوقه السيادية، بيد إن الاستمرار في تسريع وتيرة التنمية في الأقاليم الشمالية، والتمسك بالمرجعية الدولية والأطر القانونية لتسوية ملف الثغور المحتلة عبر الحوار المتكافئ، يشكل الرد الأكثر حسما على محاولات التسييج الإسبانية.

ويظل التأكيد قائماً لبروكسل على أن الأمن والاستقرار في حوض البحر الأبيض المتوسط لا يمكن إنجازهما عبر منطق الجدران العازلة أو الاستقواء بالمؤسسات الاتحادية، بل من خلال احترام السيادة الوطنية والشراكة التنموية المتكافئة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى