الديش لـ”إعلام تيفي”: ثروات الجبل تستنزف وساكنته تواجه العطش.. وتحذيرات من تكرار مصير العيون المعلبة في بوعادل

مديحة المهادنة
حذر محمد الديش، رئيس الائتلاف المدني من أجل الجبل، من التداعيات البيئية والاجتماعية المحتملة لمشروع تعليب مياه عين بوعادل بإقليم تاونات، معتبرا أن التوجه نحو الاستغلال التجاري للمنابع الطبيعية، دون ضمان حماية منظوماتها البيئية وحقوق الساكنة المحلية، يهدد بتحويل موارد مائية ظلت لعقود مصدر حياة واستقرار إلى أنشطة اقتصادية لا تنعكس بالضرورة على أوضاع السكان.
وأكد الديش، في تصريح ل “إعلام تيفي“، أن الائتلاف يتابع بقلق تطورات ملف عين بوعادل، مستحضرا تجارب سابقة واكبها في منطقتي بنصميم وعين السلطان بإيموزار كندر، حيث أثار تعليب المياه الطبيعية، وفق تقييمه، اختلالات مست التوازن البيئي والمجالات الرطبة التي كانت تشكل فضاءات طبيعية واجتماعية ذات أهمية بالغة.
وأوضح المتحدث أن هذه العيون لم تكن مجرد مصادر للمياه، بل منظومات بيئية متكاملة تحتضن الحياة الطبيعية، وتشكل متنفساً للسكان ووجهة للزوار، فضلاً عن مساهمتها في تنشيط الاقتصاد المحلي. غير أن استغلالها التجاري، بحسب تقديره، ارتبط بتحولات أضعفت وظائفها البيئية والاجتماعية، وحوّلت أجزاء من محيطها إلى فضاءات فقدت حيويتها السابقة.
وسجل رئيس الائتلاف أن التجارب التي يستحضرها تثير مخاوف جدية بشأن مستقبل عين بوعادل، مشيرا إلى التراجع الذي عرفه صبيب عين السلطان، ومحذرا من تكرار السيناريو نفسه بتاونات. وتبقى العلاقة المباشرة بين أنشطة التعليب وتراجع الصبيب بحاجة إلى دراسات هيدرولوجية مستقلة، بالنظر إلى تأثير عوامل أخرى، من بينها الجفاف وتغير مستويات الفرشة المائية.
وفي قراءته للاحتجاجات التي تشهدها بوعادل، شدد الديش على أن رفض السكان للمشروع لا يمكن اختزاله في معارضة الاستثمار، وإنما يرتبط بالدفاع عن مورد طبيعي قامت عليه حياتهم الاقتصادية والاجتماعية لأجيال. فمياه المنبع، وفق تصريحه، ظلت تؤمن حاجيات الفلاحة المعيشية وسقي الماشية، إلى جانب دورها في استقطاب الزوار وتوفير مداخيل محلية، وإن كانت محدودة.
وانتقد الديش ما اعتبره مفارقة تنموية صارخة، تتمثل في استغلال الثروات الطبيعية للمجالات الجبلية دون أن تستفيد ساكنتها بالقدر الكافي من عائداتها، متسائلا عن جدوى مشاريع استثمارية قد تتحول فيها الموارد المحلية إلى مصدر أرباح، بينما تظل المناطق التي تحتضنها تواجه الهشاشة والخصاص.
واستحضر في هذا السياق الوضع المائي بإقليم تاونات، الذي يحتضن عددا مهما من السدود والمنشآت المائية، في مقابل استمرار معاناة مناطق قروية من صعوبات التزود بالماء وتراجع حيوية بعض المجالات الطبيعية. واعتبر أن هذه المفارقة تكشف الحاجة إلى إعادة النظر في كيفية توزيع منافع الثروة المائية، بما يضمن أولوية الحاجيات الأساسية للسكان وحماية التوازنات البيئية.
وتأتي تحذيرات رئيس الائتلاف في أعقاب تجدد الاحتجاجات ببوعادل، حيث خرج عشرات السكان، يوم الجمعة 23 أكتوبر 2026، للتعبير عن رفضهم مشروع تعليب مياه المنبع، وسط مطالب بالكشف عن تفاصيله وضمان عدم تأثيره على الموارد المائية والأنشطة الفلاحية بالمنطقة .
وشدد محمد الديش على أن الائتلاف المدني من أجل الجبل سيواصل تتبع هذا الملف والوقوف إلى جانب ساكنة بوعادل في دفاعها عن حقوقها المائية، مؤكدا أن الثروات الطبيعية ينبغي أن تشكل رافعة لتنمية المناطق التي تحتضنها، لا أن تتحول إلى موارد تستغل اقتصاديا دون ضمان نصيب عادل لسكانها من منافعها .
ويضع هذا الملف الجهات المسؤولة أمام سؤال يتجاوز حدود مشروع استثماري محلي: كيف يمكن الحديث عن تنمية المجالات الجبلية إذا كان استغلال ثرواتها الطبيعية يثير مخاوف السكان بشأن استمرار موارد عيشهم؟ فالتحدي الحقيقي لا يكمن في عدد القنينات التي يمكن إنتاجها، وإنما في ضمان ألا يكون ثمن الاستثمار تراجع الحقوق المائية واختلال التوازن البيئي لمنطقة ارتبط تاريخها وحياة سكانها بمنابعها الطبيعية .





