النقل بالحافلات بالمغرب… استثمار حضري برهانات اجتماعية مؤجلة

أميمة حدري: صحافية متدربة 

كشف تطور قطاع النقل بالحافلات في المغرب عن توجه استثماري حضري يتعزز بشكل تدريجي، مدفوعا بتوسع المدن وارتفاع الضغط على منظومات التنقل، مقابل استمرار رهانات اجتماعية ومجالية لم تحظ بعد بالمعالجة الكافية. ففي الوقت الذي تركز فيه السياسات العمومية على تحديث أساطيل الحافلات وتحسين مردودية النقل الجماعي داخل الفضاءات الحضرية، يظل هذا المسار محدود الانعكاس خارج المدن الكبرى، خصوصًا بالمناطق القروية وشبه الحضرية.

وكشفت معطيات دراسة دولية حديثة أن سوق الحافلات بالمغرب يتجه نحو تسجيل نمو منتظم خلال السنوات المقبلة، مدفوعًا بالتوسع الحضري المتسارع، وتزايد الطلب على وسائل نقل جماعي قادرة على مواكبة الحركية اليومية للسكان، إلى جانب التوجه الرسمي نحو اعتماد حلول نقل أكثر استدامة.

ووفق هذه التقديرات، يرتقب أن ينتقل رقم معاملات القطاع من حوالي 207 ملايين دولار سنة 2023 إلى أزيد من 253 مليون دولار في أفق سنة 2032، بمعدل نمو سنوي متوسط يناهز 2.3 في المائة.

ويعكس هذا التطور تنامي الاعتماد على الحافلات كخيار أساسي للتنقل داخل المدن، خاصة في ظل النمو الديمغرافي المتواصل، واتساع الرقعة العمرانية، وارتفاع كلفة وسائل التنقل الفردي.

كما يندرج ضمن اختيارات عمومية تروم التخفيف من حدة الازدحام المروري، وتحسين جودة الهواء، وتقليص الانبعاثات الملوثة، عبر تعزيز النقل الجماعي وتوسيع بنياته التحتية.

وفي هذا السياق، برز البعد البيئي كعامل محدد في توجيه استثمارات القطاع، حيث تعمل السلطات العمومية على تشجيع إدماج الحافلات الكهربائية والهجينة ضمن الأساطيل الجديدة، بهدف تقليص الانبعاثات الكربونية والحد من التلوث الهوائي، لاسيما في المدن الكبرى.

كما ينتظر أن يساهم تطوير بنيات الشحن والتجهيزات المواكبة في توسيع انتشار هذا النوع من الحافلات خلال السنوات المقبلة.

وبموازاة ذلك، يشهد القطاع تطورا على المستوى التكنولوجي، مع شروع عدد من المشغلين في اعتماد أنظمة التتبع عبر الأقمار الصناعية، ومنصات التذاكر الرقمية، وخدمات الاتصال اللاسلكي داخل الحافلات، بما يسهم في تحسين تدبير العمليات اليومية، وتقليص فترات الانتظار، والرفع من جودة الخدمات المقدمة للمرتفقين.

غير أن هذا الاستثمار الحضري، رغم وتيرته المتصاعدة، يطرح إشكالات مرتبطة بالعدالة المجالية، إذ يلاحظ أن التركيز ينصب أساسًا على النقل الحضري، في وقت يعاني فيه النقل بالمناطق القروية والهامشية من اختلالات بنيوية، تؤثر بشكل مباشر على الولوج إلى التعليم والخدمات الأساسية، خاصة بالنسبة للتلاميذ والنساء.

كما يبرز هذا التفاوت في سياق تنزيل ورش الجهوية المتقدمة، الذي يفترض جعل النقل العمومي رافعة لفك العزلة وتحقيق تكافؤ الفرص بين المجالات.

وفي المقابل، يرى متابعون أن الرهان على الحافلات يظل خيارا استراتيجيا بالنظر إلى غياب شبكات نقل ثقيل واسعة بالمغرب، مثل المترو، وتمركز عدد من المناطق الصناعية بهوامش المدن، ما يجعل الحافلات الوسيلة الأكثر قدرة على ضمان الربط اليومي بين أماكن السكن والعمل، خاصة مع الاستعدادات الجارية لاحتضان تظاهرات دولية كبرى.

ويخلص هذا المسار إلى أن النقل بالحافلات في المغرب يشكل استثمارا حضريا يتعزز تدريجيا على مستوى التحديث والاستدامة، غير أنه يظل في حاجة إلى مقاربة شمولية تدمج البعد الاجتماعي والمجالي، بما يجعل من هذا القطاع أداة لتحقيق الإنصاف الترابي وضمان الحق في التنقل، وليس فقط استجابة لحاجيات المدن الكبرى.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى