بين القرار الوزاري والاختصاص الدستوري: من يملك سلطة إعفاء الخازن العام للمملكة؟

حسين العياشي
أثار تداول خبر إنهاء مهام الخازن العام للمملكة، نور الدين بنسودة، نقاشًا قانونيًا ودستوريًا واسعًا، تجاوز حدود الواقعة الإدارية إلى مساءلة جوهرية لمنطق السلطة والاختصاص داخل هرم الدولة: هل تملك وزيرة الاقتصاد والمالية صلاحية إعفاء الخازن العام للمملكة؟ أم أن الأمر يخرج عن نطاق القرار الوزاري ليلامس اختصاصات أعلى يحددها الدستور والقوانين التنظيمية؟
الجدل لم يكن شكليًا، بل انقسم إلى قراءتين قانونيتين متعارضتين، لكل منهما سندها النصي وتأويلها الخاص، ما جعل المسألة نموذجًا حيًا لتعقيد العلاقة بين النص الدستوري والممارسة الإدارية.
القراءة الأولى تنطلق من موقع المنصب ذاته داخل البنية الدستورية للدولة؛ فالخازن العام للمملكة يُنظر إليه باعتباره منصبًا استراتيجيًا، بالنظر إلى الدور المحوري الذي يضطلع به في تدبير المالية العمومية وتنفيذ الميزانية وضمان سلامة العمليات المحاسبية للدولة. هذا التصنيف، وفق هذا الاتجاه، يضع المنصب ضمن دائرة الفصل 49 من الدستور، الذي ينص على أن التعيين في المناصب العليا ذات الطابع الاستراتيجي يتم داخل المجلس الوزاري، الذي يترأسه الملك، بناءً على اقتراح من رئيس الحكومة وبمبادرة من الوزير المعني.
ومن هذا المنطلق، يستحضر أنصار هذا الرأي قاعدة راسخة في الفقه الإداري، هي قاعدة “توازي الأشكال”، ومفادها أن الجهة التي تملك سلطة التعيين، وبنفس الشكل والإجراء، هي وحدها التي تملك سلطة الإعفاء. فإذا كان التعيين يتم بموجب ظهير أو مرسوم صادر بعد مداولة في المجلس الوزاري، فإن الإعفاء، من حيث المبدأ، لا يمكن أن يتم بقرار وزاري منفرد، مهما كانت الصيغة التي يُقدَّم بها.
ويعزز هذا التوجه استناده إلى القانون رقم 02.12 المتعلق بالتعيين في المناصب العليا، الصادر تطبيقًا للفصلين 49 و92 من الدستور. فهذا القانون يميز بوضوح بين المناصب التي يتم التداول بشأنها في مجلس الحكومة، وتلك التي تُعرض على المجلس الوزاري، ويضع المناصب ذات الطابع الاستراتيجي ضمن الاختصاص الحصري لهذا الأخير. ووفق هذه القراءة، فإن دور الوزير، مهما كانت مكانته، يظل محصورًا في “المبادرة” باقتراح التعيين أو الإعفاء، بينما القرار النهائي يظل بيد المؤسسة الدستورية المختصة.
في المقابل، يذهب رأي ثانٍ إلى قراءة أكثر إدارية وأقل دستورية للمسألة، معتبرًا أن الخازن العام للمملكة، رغم أهمية منصبه، يظل موظفًا ساميًا داخل الإدارة المركزية لوزارة الاقتصاد والمالية. ووفق هذا المنظور، فإن المنصب لا يرقى بالضرورة إلى مستوى المؤسسات الدستورية أو الاستراتيجية التي يتطلب تعيينها أو إعفاؤها مسطرة ملكية خاصة.
ويستند أصحاب هذا الرأي إلى الوقائع القانونية المرتبطة بالتعيين ذاته، مبرزين أن الخازن العام لا يُعيَّن دائمًا بظهير ملكي، بل غالبًا بمرسوم ملكي صادر بعد مداولة في مجلس الحكومة، باستثناء مؤسسات محددة كَبنك المغرب. ويُستدل في هذا السياق بحالة نور الدين بنسودة نفسه، الذي عُيِّن سنة 2010 بمرسوم ملكي، لا بظهير، ما يفتح، حسب هذا الاتجاه، مجالًا أوسع لتدخل السلطة الحكومية، بما فيها الوزير الوصي، في إنهاء المهام.
كما يستحضر هذا الرأي مقتضيات المرسوم المتعلق بالتعيين في المناصب العليا، ولا سيما المادة 11، التي تنص على أن الإعفاء يتم بمرسوم صريح، أو بشكل ضمني عند تعيين خلف. وهو ما يعني، في نظرهم، أن الإعفاء لا يشترط بالضرورة نفس الرمزية الدستورية للتعيين، ما دام يتم في الإطار التنظيمي ذاته.
غير أن هذا التأويل، رغم وجاهته الشكلية، يصطدم بما يعتبره عدد من فقهاء القانون “المنطقة الرمادية” بين النص والممارسة. فحتى في الحالات التي لا يُعلن فيها عن صدور مرسوم إعفاء صريح، يظل إنهاء المهام مرتبطًا، في العمق، بإجراء حكومي أو ملكي، وليس بقرار وزاري منفرد. وهنا يبرز الفرق بين التدبير اليومي للقطاع، الذي يدخل في صلاحيات الوزير، وبين مصير المناصب العليا، الذي يخضع لمنطق توازن السلطات.
وفي هذا السياق، ورغم ما راج عن إعفاء الخازن العام بقرار من وزيرة الاقتصاد والمالية، فإن الرأي القانوني الغالب يميل إلى اعتبار أن أي إعفاء حقيقي، بالمعنى القانوني الدقيق، لا يمكن أن يتم خارج المساطر العليا المنصوص عليها دستوريًا وتنظيميًا، وأن ما يُقدَّم للرأي العام كقرار وزاري لا يعدو أن يكون، في أحسن الأحوال، تدبيرًا مؤقتًا أو إجراءً إداريًا تمهيديًا في انتظار استكمال المسطرة القانونية.
هكذا، لا يكشف هذا الجدل فقط عن اختلاف في التأويل، بل يسلط الضوء على إشكالية أعمق تتعلق بوضوح توزيع الاختصاصات، وحدود السلطة الوزارية، ومدى احترام مبدأ سمو الدستور في الممارسة الإدارية اليومية. وهي أسئلة تتجاوز شخص الخازن العام، لتلامس جوهر الحكامة الدستورية داخل الدولة.





