تقرير حقوقي يكشف: 17% من المغاربة يعانون اضطرابات نفسية وسط ضعف الرعاية

حسين العياشي
بين أروقة المستشفيات النفسية، وفي صمت البيوت التي تخفي معاناة غير مرئية، تتشكل واحدة من أكثر الأزمات الصحية إلحاحًا في المغرب. هذا ما يكشفه التقرير السنوي لسنة 2025 الصادر عن المجلس الوطني لحقوق الإنسان، والذي جرى تحليل معطياته خلال شهر مارس 2026، حيث يرسم صورة مقلقة لوضع الصحة النفسية في المملكة، ويضع الأصبع على اختلالات عميقة تجعل آلاف المرضى على هامش منظومة الرعاية الصحية.
ووفق المعطيات التي أوردها التقرير، فإن ما يقارب 17 في المائة من المغاربة يعانون من اضطرابات نفسية أو عقلية بدرجات متفاوتة، وهي نسبة تعكس حجم الظاهرة واتساعها داخل المجتمع. غير أن هذه الأرقام الثقيلة تصطدم بواقع مختلف، عنوانه ضعف الإمكانات المعبأة لمواجهة هذا التحدي الصحي. فالنظام الصحي، كما يشير التقرير، ما يزال عاجزًا عن ضمان ولوج عادل وفعال للعلاج، بسبب محدودية الميزانية المخصصة للقطاع، إلى جانب التوزيع غير المتكافئ للخدمات الصحية عبر التراب الوطني. وتزداد هذه الفجوة عمقًا في ظل تغطية صحية لم تبلغ بعد مستوى الشمول الكامل، الأمر الذي يحرم فئات واسعة من المرضى من متابعة طبية ملائمة، خصوصًا في المناطق القروية وشبه الحضرية حيث تتقلص فرص العلاج إلى حد كبير.
ولا تقف أسباب الأزمة عند حدود ضعف الموارد، بل تمتد إلى الإطار القانوني الذي يؤطر الطب النفسي في المغرب. فالتقرير يلفت الانتباه إلى أن النص التشريعي المنظم لهذا المجال يعود إلى سنة 1959، وهو قانون بات، بحسب المجلس، متجاوزًا وغير قادر على مواكبة التحولات التي شهدتها المعايير الدولية في مجال حقوق الإنسان والرعاية النفسية. هذا التقادم التشريعي ينعكس بدوره على واقع المؤسسات الصحية، التي تعيش ضغطًا متزايدًا بسبب محدودية الطاقة الاستيعابية، إذ تسجل بعض المصالح الاستشفائية نسب اكتظاظ قد تصل إلى 190 في المائة، ما يجعل ظروف الاستقبال والعلاج بعيدة عن المعايير المطلوبة.
الزيارات الميدانية التي قام بها المجلس لبعض المؤسسات الصحية كشفت بدورها عن واقع أكثر هشاشة. ففي المستشفى الجهوي مولاي الحسن بن المهدي بمدينة العيون، سجل التقرير مظاهر متعددة من الاختلالات، من بينها تدهور حالة البنايات ونقص الصيانة، إضافة إلى انقطاعات متكررة في بعض الأدوية الأساسية. كما رُصد غياب الفصل الملائم بين المرضى وفق أعمارهم أو أوضاعهم القضائية، وهو ما يطرح إشكالات تتعلق بسلامة المرضى واحترام كرامتهم داخل فضاءات العلاج.
وإذا كان القطاع العمومي يعاني من ضغط الموارد، فإن الولوج إلى العلاج في القطاع الخاص يواجه بدوره عوائق مالية متزايدة. فقد أشار التقرير إلى وجود ممارسات غير منتظمة في بعض المصحات الخاصة، من بينها مطالبة المرضى بشيكات ضمان أو اللجوء إلى مدفوعات غير مصرح بها، وهو ما يرفع الكلفة الفعلية للعلاج ويثقل كاهل الأسر. ويزداد هذا الوضع تعقيدًا بسبب تجميد التعريفة الوطنية المرجعية منذ سنة 2006، الأمر الذي يجعل التعويضات التي تقدمها أنظمة التأمين الصحي بعيدة عن الأسعار الحقيقية للخدمات الطبية. فالتعويضات ما تزال تُحتسب على أساس 80 درهمًا لزيارة الطبيب العام و150 درهمًا للاستشارة لدى الطبيب المختص، وهي مبالغ لا تعكس التكلفة الفعلية للعلاج، مما يترك جزءًا كبيرًا من المصاريف على عاتق المرضى وعائلاتهم.
أمام هذا الواقع، يدعو المجلس الوطني لحقوق الإنسان إلى إصلاح عميق وشامل لمنظومة الصحة النفسية في المغرب. ويؤكد التقرير ضرورة تحديث الإطار التشريعي بما يتلاءم مع الاتفاقيات الدولية المتعلقة بحماية حقوق الأشخاص الذين يعانون من اضطرابات نفسية، إلى جانب الرفع من الموارد المالية المخصصة لهذا المجال وتحيين التعريفة الوطنية المرجعية بما يعكس الواقع الاقتصادي للرعاية الصحية.
غير أن الإصلاح، كما يؤكد التقرير، لا يمكن أن يظل محصورًا في الجوانب التقنية أو المالية فقط. فالمعركة الحقيقية، في نظر المجلس، تمر أيضًا عبر تغيير نظرة المجتمع إلى المرض النفسي. إذ ما تزال الوصمة الاجتماعية المرتبطة بهذه الاضطرابات تشكل عائقًا إضافيًا أمام طلب العلاج والانخراط في مسارات التعافي. ومن هنا تبرز الحاجة إلى إطلاق حملات توعية واسعة النطاق، تهدف إلى تفكيك الصور النمطية وتعزيز ثقافة تقبل المرض النفسي باعتباره حالة صحية تستوجب الرعاية لا الإقصاء.
وفي النهاية، يخلص التقرير إلى أن الرهان يتجاوز مجرد تحسين الخدمات الصحية، ليصل إلى إعادة الاعتبار لكرامة المرضى وحقهم في الاندماج داخل المجتمع. فالصحة النفسية، كما يشدد المجلس، ليست ملفًا طبيًا فحسب، بل قضية اجتماعية وحقوقية تتطلب إرادة سياسية وإصلاحات بنيوية قادرة على تحويل منظومة الرعاية إلى رافعة للعدالة الاجتماعية وصون الكرامة الإنسانية.





