أزمة الطاقة العالمية تتفاقم مع اضطرابات الشرق الأوسط وروسيا تعرض التعاون

فاطمة الزهراء ايت ناصر 

تشهد أسواق الطاقة العالمية واحدة من أكثر الأزمات تعقيدا في السنوات الأخيرة، في ظل تصاعد التوترات العسكرية في الشرق الأوسط وتعطل أحد أهم ممرات الطاقة في العالم، وهو مضيق هرمز.

وقد أدى اتساع نطاق الحرب في المنطقة، التي دخلت أسبوعها الثاني، إلى اضطرابات كبيرة في إمدادات النفط والغاز، ما دفع الأسعار إلى الارتفاع وأثار مخاوف واسعة بشأن مستقبل الاقتصاد العالمي.

وعرفت أسواق الطاقة العالمية اليوم الثلاثاء تراجعا حادا في أسعار الخام، لتهبط عقود “برنت” إلى ما دون 89.58 دولارا للبرميل، وذلك بعد أن كانت الأسعار قد بلغت أعلى مستوياتها في 3 سنوات عند 119.50 دولارا لخام برنتة خلال جلسة الاثنين، وبهذا يكون السوق قد شهد في أقل من 24 ساعة رحلة من الذعر إلى الاطمئنان، من قفز قياسي بلغ 29% أمس الاثنين، إلى تراجع بأكثر من 10% صباح اليوم.

وبحسب تقارير اقتصادية، خفض أربعة من كبار منتجي النفط في الشرق الأوسط – السعودية والعراق والإمارات والكويت – إنتاجهم النفطي المشترك بما يصل إلى 6.7 مليون برميل يوميا، وتمثل هذه التخفيضات نحو ثلث إنتاج هذه الدول، وهو ما يعادل قرابة 6 بالمئة من الإمدادات العالمية، ويعود هذا الانخفاض بشكل أساسي إلى تعطل حركة الملاحة عبر مضيق هرمز، الذي يعد أحد أهم شرايين نقل الطاقة في العالم.

وقد أدى إغلاق الطريق التصديري الرئيسي في المنطقة إلى امتلاء خزانات التخزين النفطية وتراجع مستويات الإنتاج، بينما ارتفعت أسعار النفط إلى نحو 120 دولارًا للبرميل قبل أن تتراجع قليلًا لاحقًا. ويشير خبراء الطاقة إلى أن استمرار الأزمة قد يؤدي إلى صدمة كبيرة في الأسواق العالمية.

وفي هذا السياق، وصف الرئيس التنفيذي لشركة أرامكو السعودية، أمين الناصر، الوضع الحالي بأنه أكبر أزمة تواجهها صناعة النفط والغاز في المنطقة حتى الآن. وأكد أن الاضطرابات الحالية لم تقتصر على قطاع الطاقة فقط، بل تسببت في تأثيرات متسلسلة شملت الشحن والتأمين والطيران والزراعة وصناعة السيارات وغيرها من القطاعات الاقتصادية.

وتشير البيانات إلى أن العراق كان الأكثر تضررًا من حيث حجم التخفيضات، حيث خفّض إنتاجه بنحو 60 بالمئة، أي ما يقارب 2.9 مليون برميل يوميًا. أما السعودية فقد خفضت إنتاجها بما يتراوح بين 2 و2.5 مليون برميل يوميًا، بينما قلصت الإمارات إنتاجها بين 500 و800 ألف برميل يوميًا، وخفضت الكويت إنتاجها بنحو نصف مليون برميل يوميًا.

وفي خضم هذه التطورات، حذّر الرئيس الروسي فلاديمير بوتين من احتمال توقف إنتاج النفط المرتبط بعبور مضيق هرمز بشكل كامل خلال الشهر المقبل إذا استمرت الاضطرابات الحالية. وأشار إلى أن إمدادات الغاز الطبيعي المسال من الشرق الأوسط انخفضت بشكل حاد، وأن استعادة القدرة الإنتاجية السابقة قد تستغرق أسابيع أو حتى أشهر.

وأكد بوتين أن روسيا مستعدة للعمل مع الدول الأوروبية فيما يتعلق بإمدادات النفط والغاز، لكنه شدد على ضرورة تلقي إشارات واضحة من أوروبا تؤكد رغبتها في التعاون وضمان الاستقرار في العلاقات الاقتصادية، كما أعلن أن روسيا تعمل بالفعل على زيادة إمدادات الطاقة لشركائها الذين وصفهم بالموثوقين في عدة مناطق من العالم.

ويرى مراقبون أن هذه التطورات قد تعيد تشكيل خريطة الطاقة العالمية، خاصة إذا استمرت التوترات في الشرق الأوسط لفترة طويلة، فالمخزونات العالمية من النفط هي بالفعل عند أدنى مستوياتها خلال خمس سنوات، ما يجعل الأسواق أكثر حساسية لأي اضطراب جديد في الإمدادات.

وفي ظل هذه الظروف، يصبح استئناف الملاحة عبر مضيق هرمز أمرًا بالغ الأهمية لاستقرار أسواق الطاقة العالمية فكلما طال أمد الأزمة، زادت الضغوط على الاقتصاد العالمي، وارتفعت احتمالات حدوث ركود اقتصادي نتيجة ارتفاع تكاليف الطاقة وتباطؤ حركة التجارة العالمية.

وتبقى الأسابيع المقبلة حاسمة في تحديد اتجاهات سوق النفط والغاز، سواء عبر التوصل إلى تهدئة سياسية في المنطقة أو عبر إعادة ترتيب التحالفات الاقتصادية بين الدول المنتجة والمستهلكة للطاقة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى