هل أخطأ حزب أخنوش في فهم احتجاجات “جيل زد”؟

حسين العياشي
في كتابه المعنون بـ”مسار الإنجازات”، يحاول حزب التجمع الوطني للأحرار تثبيت روايته الخاصة عن المرحلة السياسية التي أعقبت انتخابات 2021. فالكتاب، في ظاهره، يقدم سرداً لما يعتبره الحزب حصيلة سياسية وحكومية، لكنه في العمق ينخرط أيضاً في معركة سردية لتفسير موجة الانتقادات التي لاحقته خلال السنوات الأخيرة. غير أن بعض المقاطع، وعلى رأسها الفقرة الثالثة الواردة في الصفحة 158، تكشف عن خطاب دفاعي يتجاوز مجرد الرد على النقد، ليعيد رسم حدود النقاش السياسي بطريقة تخلط بين الحزب والوطن، وتعيد توصيف الغضب الاجتماعي بوصفه حملة تضليل أو امتداداً لخطاب شعبوي.
في تلك الفقرة تحديداً، يذهب الكتاب إلى اعتبار أن الحملات التي استهدفت الحزب لم تكن مجرد انتقادات سياسية، بل شكلت، وفق الرواية المعروضة، استهدافاً للبلاد نفسها. بهذا المنطق يتحول الحزب من فاعل سياسي قابل للنقد والمساءلة إلى ما يشبه الامتداد الرمزي للوطن، بحيث يصبح الطعن في سياساته أو التشكيك في اختياراته أقرب إلى تشويش على المسار الوطني. وهي صيغة خطابية مألوفة في الأدبيات السياسية حين تواجه الأحزاب موجات سخط متزايدة، يظل الاحتماء بظل الوطن هو السبيل لإعادة توزيع المسؤوليات والتملص منها.
لكن ما يلفت الانتباه أكثر هو أن الكتاب يربط أيضاً بين تلك الانتقادات وبين دعوات ظهرت في الفضاء الرقمي في مقدمتها حركة “جيل زد” الي تدعو إلى تجاوز الأحزاب ومؤسسات الوساطة السياسية، ليصفها الحزب في كتابه بأنها نتاج لخطابات شعبوية “رخيصة”. بهذا التوصيف لا يتم فقط نزع الشرعية السياسية عن تلك الأصوات، بل يجري أيضاً اختزال دينامية اجتماعية معقدة في مجرد حملات تضليل أو خطابات شعبوية.
غير أن القراءة المتأنية لبقية الصفحات، خاصة تلك التي تسبق الصفحة 158 أو تليها، تكشف مفارقة أخرى في الخطاب المعروض. فالكتاب يحرص في أكثر من موضع على إبراز ما يعتبره نموذجاً في تمكين الشباب داخل الحزب، مقدماً ذلك باعتباره أحد مظاهر تجديد النخب والانفتاح على الأجيال الجديدة. غير أن هذا التقديم، في حد ذاته، يثير تساؤلات عميقة حول طبيعة هذا “التمكين” وحدوده.
فدمج شباب الحزب في المسؤولية لا يمكن اعتباره امتيازاً سياسياً أو إنجازاً في حد ذاته؛ بل إن هذا النوع من الإدماج قد يتحول، في كثير من الأحيان، إلى شكل من أشكال التمييز السياسي حين تمنح الفرص على أساس الولاء الحزبي لا على أساس الكفاءة أو الاستحقاق. وفي هذه الحالة لا يصبح الأمر توسيعاً لقاعدة المشاركة، بل إعادة إنتاج للنخب داخل دائرة ضيقة من المنتمين أو المتعاطفين مع الحزب.
الأهم من ذلك أن تمكين شبيبة الحزب من مواقع المسؤولية لا يحل، بأي حال من الأحوال، مشكلة الملايين من الشباب الذين لا ينتمون إليه ولا يرون أنفسهم ممثلين في مشروعه السياسي. فالشباب في المغرب ليس كتلة حزبية، بل واقع اجتماعي واسع يضم ملايين الباحثين عن فرص العمل والتمكين والعدالة الاجتماعية، خارج أي إطار تنظيمي حزبي.
ومن هذه الزاوية يمكن قراءة موجة التعبير السياسي التي قادها ما يُعرف بـ”جيل زد” خلال السنوات الأخيرة. فخروج هذا الجيل إلى الفضاء الرقمي للاحتجاج أو النقد لم يكن مجرد استجابة لحملات تضليل، كما يوحي الكتاب، بل كان في جزء كبير منه تعبيراً عن خيبة أمل عميقة من سياسات عمومية اعتُبر أنها أعطت الأولوية لما هو اقتصادي على حساب ما هو اجتماعي.
فالحكومة التي يقودها حزب التجمع الوطني للأحرار قدمت برنامجاً يركز بشكل واضح على الإصلاحات الاقتصادية والاستثمار وتحفيز القطاع الخاص. غير أن نتائج هذا التوجه، كما يرى كثير من المنتقدين، لم تنعكس بالقدر الكافي على الأوضاع الاجتماعية لفئات واسعة من الشباب. بل إن السياسات الاقتصادية نفسها بدت، في نظر البعض، وكأنها تعزز تموقع تكتلات اقتصادية محدودة قادرة على احتكار الثروة أكثر مما تساهم في خلقها أو توزيعها بشكل عادل.
ولعل المؤشر الأكثر دلالة في هذا السياق هو ارتفاع معدلات البطالة إلى مستويات قياسية خلال هذه المرحلة، وهو واقع يصعب تفسيره فقط بعوامل ظرفية أو دولية. فبالنسبة لكثير من الشباب، لم يكن الخطاب الاقتصادي المعلن كافياً لإقناعهم بوجود تحول فعلي في فرص الشغل أو في شروط الاندماج الاجتماعي.
في هذا السياق يصبح من الصعب اختزال موجة الانتقادات التي طالت الحزب في مجرد حملات تضليل أو في تأثير خطاب شعبوي. فالغضب الذي عبّر عنه جزء من الشباب لا يمكن فصله عن واقع اقتصادي واجتماعي يزداد تعقيداً، وعن فجوة متنامية بين الخطاب السياسي الرسمي وبين التجربة اليومية لفئات واسعة من المجتمع.
هنا تحديداً تظهر حدود السردية التي يقدمها كتاب “مسار الإنجازات”. فبدل أن ينخرط في مساءلة نقدية حقيقية للأسباب التي دفعت جزءاً من الشباب إلى التعبير عن رفضهم للخطاب السياسي، يختار النص تفسير تلك الظاهرة بوصفها نتيجة لحملات تضليل أو خطاب شعبوي.
غير أن السياسة، في نهاية المطاف، لا تختزل في معركة سرديات بين الأحزاب وخصومها. فحين تتكرر مظاهر السخط، وحين تتسع الهوة بين الخطاب الرسمي وغضب الشارع، فإن المشكلة غالباً ما تكون أعمق من مجرد حملات تضليل. إنها تعبير عن أزمة ثقة حقيقية بين جيل جديد وبين تنظيم سياسي لم ينجح بعد في إقناعه بأنها قادرة على تمثيله أو الاستجابة لتطلعاته.





