المرأة في السياسة… فجوة بين دستور طموح وواقع مقيد ببنية حزبية مغلقة (ملف)

أعدته: أميمة حدري/ هدى الرويفي/ سكينة بوست
ملف_ يفضح واقع المشاركة السياسية للنساء في المغرب مفارقة صارخة بين نصوص دستورية متقدمة تعد بالمناصفة، وممارسة سياسية لا تزال تدار في عمقها بمنطق الهيمنة الذكورية، حيث تحضر المرأة في الأرقام وتغيب في القرار. فبينما تروج المؤسسات لأرقام متصاعدة لتمثيلية النساء داخل البرلمان، يكشف الواقع أن هذا الحضور، في كثير من الأحيان، لا يتجاوز حدود “التمثيل الشكلي”، دون أن يترجم إلى تأثير فعلي في دوائر صناعة القرار.
وفي قلب هذا التناقض، تبرز آلية “الكوطا” كحل مرحلي تحول، في جزء من ممارسته، إلى أداة لإعادة إنتاج نفس الاختلالات التي وجد لمعالجتها، في ظل بنية حزبية مغلقة، وعوائق ثقافية واجتماعية ما تزال تكبل صعود النساء إلى مواقع القيادة. أما في الكواليس، فتطرح أسئلة أكثر عمقا حول دور المال الانتخابي، ومنطق التزكيات، وحدود الإرادة السياسية في كسر هذا السقف الزجاجي الذي يفصل النساء عن مراكز النفوذ الحقيقي.
هكذا، لم يعد النقاش اليوم حول “كم عدد النساء في البرلمان”، بل حول سؤال أكثر إلحاحا هل نجحت التجربة المغربية في الانتقال من تمثيلية عددية إلى مشاركة سياسية مؤثرة؟ أم أن المناصفة لا تزال مؤجلة، رهينة توازنات سياسية وثقافية تعيد إنتاج نفس قواعد اللعبة؟

الكوطا تحت المجهر… تمكين سياسي أم إعادة إنتاج للريع الحزبي؟
يفتح هذا الحوار مع شرفات أفيلال، عضوة المكتب السياسي لحزب التقدم والاشتراكية، ووزيرة منتدبة سابقة مكلفة بالماء في حكومة سعد الدين العثماني، نافذة على واحدة من أعقد مفارقات المشهد السياسي المغربي: حضور نسائي يتقدم في الأرقام، لكنه يتعثر عند عتبة القرار.
من موقعها الذي يجمع بين التجربة الحكومية والانخراط الحزبي، تضع أفيلال أصبعها على أعطاب عميقة تتجاوز النصوص القانونية نحو بنية سياسية وثقافية ما تزال تعيد إنتاج نفس قواعد اللعبة، حيث تتحول آليات التمكين أحيانا إلى مجرد واجهات، وتبقى مراكز النفوذ عصية على الاختراق.
في هذا الحوار، لا تكتفي المتحدثة بتشخيص اختلالات الكوطا واللوائح، بل تذهب أبعد من ذلك، نحو مساءلة الإرادة السياسية، وكشف حدود الإصلاحات، وطرح سؤال جوهري: كيف يمكن الانتقال من تمثيلية نسائية محسوبة بالأرقام إلى مشاركة مؤثرة تعيد التوازن الحقيقي داخل دوائر القرار؟
حاورتها: أميمة حدري
بداية، ما العوامل التي تعيق وصول المرأة إلى مواقع القرار في المغرب رغم وجود الكوطا؟
رغم وجود آلية الكوطا، فإن هذه الآلية، أو ما يسمى بالتمييز الإيجابي، تم اعتمادها أساساً لمواجهة الحيف والتغييب الذي طال النساء في مواقع القرار.
فالمغرب، بحكم الإرث الثقافي الذي يحمله، وبفعل طبيعة مجتمع لا يزال إلى حد ما ذكوريا، يكرس نوعا من التراتبية في توزيع الأدوار، حيث يتم حصر النساء في أدوار تقليدية مرتبطة أساسا بالرعاية وتدبير شؤون الأسرة، مقابل إسناد سلطة القرار للرجل.
هذا التراكم الثقافي والاجتماعي جعل حضور النساء في مراكز القرار ضعيفا، إذ ينظر إليهن غالبا كغير معنيات بالقيادة أو بصناعة القرار، رغم التحولات التي يعرفها المجتمع المغربي في السنوات الأخيرة.
بفعل طبيعة مجتمع لا يزال إلى حد ما ذكوريا، يكرس نوعا من التراتبية في توزيع الأدوار
ومع انفتاح المغرب على منظومة حقوق الإنسان وارتفاع منسوب الوعي، بدأ إدراك أهمية انخراط النساء في التنمية يتعزز، باعتبارهن فاعلات أساسيات وشريكات للرجل في مختلف المجالات، بما فيها مراكز القرار.
وقد واكب هذا التحول نضال طويل من أجل تحقيق المساواة، توج بإقرار آليات قانونية، من بينها الكوطا، إلى جانب دستور كرس مبدأ المساواة بين الجنسين، غير أن هذه المكتسبات، رغم أهميتها، لم تكن كافية لتجاوز كل العوائق.
إذ لا تزال هناك إكراهات متعددة، منها ما هو ثقافي واجتماعي، ومنها ما هو قانوني، حيث تستمر بعض أشكال التمييز سواء على مستوى النصوص أو في الممارسة السياسية، التي غالبا ما تقصي النساء أو تحد من حضورهن في مواقع القرار.
وفي المقابل، تظهر تجارب عدد من الدول الديمقراطية تقدما ملحوظا في هذا المجال، حيث أصبحت النساء يشكلن نسبا متقدمة داخل الحكومات، بل تتجاوز أحيانا 50 في المائة، كما هو الحال في بعض الدول الأوروبية والاسكندنافية.

لذلك، فإن تجاوز هذه الوضعية يقتضي ليس فقط مراجعة بعض الآليات القانونية التي ما تزال تعيق ولوج النساء إلى مواقع القرار، بل أيضا العمل على نشر ثقافة المساواة وتغيير العقليات، باعتبار أن الإشكال الحقيقي يظل ثقافياً بالأساس.
فبالرغم من التقدم على مستوى القوانين، لا تزال ثقافة التمييز حاضرة في عدد من الفضاءات، بما فيها الأحزاب السياسية وبعض مؤسسات الدولة، وهو ما يستدعي اعتماد نفس طويل في الإصلاح.
هذا النفس لا يقتصر على سن القوانين، بل يمتد إلى مجالات التربية والتكوين والتنشئة الاجتماعية، داخل الأسرة والمدرسة والمجتمع، من أجل ترسيخ ثقافة المساواة بشكل فعلي، بعيدا عن الاكتفاء بالشعارات.
لماذا تمنع اللائحة الجهوية ترشح النساء للمرة الثانية على التوالي، علما أن هناك من وصلن عبر هذه اللوائح واستطعن فرض أنفسهن؟
هذا السؤال له علاقة بالفصل الخامس من القانون التنظيمي المتعلق بانتخاب مجلس النواب، الذي لا يسمح للنساء بالترشح إلا مرة واحدة في اللائحة الجهوية، فإن هذا المقتضى الذي كان يفترض أن يشكل آلية لتمكين النساء من ولوج المؤسسات التشريعية، تحول في الممارسة إلى وسيلة للضغط والابتزاز داخل الأحزاب، بل وأحيانا إلى مدخل لتمرير ترشيحات قائمة على القرابة العائلية بدل الكفاءة والاستحقاق.
فبدل أن تساهم هذه الآلية في إفراز نخبة نسائية قادرة على التأثير داخل المؤسسة التشريعية، سواء على مستوى صناعة القوانين أو مراقبة العمل الحكومي أو الانخراط في الدبلوماسية الموازية، أصبحت في كثير من الحالات خاضعة لمنطق الترضيات الحزبية والعائلية، حيث يتم الدفع بترشيحات مرتبطة بعلاقات القرابة، من قبيل الزوجات أو الأخوات أو القريبات.
ويطرح هذا الواقع إشكالا حقيقيا يتعلق بغياب التراكم داخل المسار السياسي للنساء، إذ يتم التعامل مع اللائحة الجهوية كآلية عابرة، تدخل من خلالها المترشحة إلى البرلمان لفترة محدودة دون إمكانية الاستمرار، في مقابل دوائر محلية يظل فيها المرشحون الرجال لولايات متتالية، ما يسمح لهم ببناء تجربة سياسية وتراكم فعلي داخل المؤسسات.
هذا المقتضى الذي كان يفترض أن يشكل آلية لتمكين النساء من ولوج المؤسسات التشريعية، تحول في الممارسة إلى وسيلة للضغط والابتزاز داخل الأحزاب، بل وأحيانا إلى مدخل لتمرير ترشيحات قائمة على القرابة العائلية بدل الكفاءة والاستحقاق.
هذا الوضع يجعل من الصعب تكوين نخب نسائية قادرة على التأثير، لأن غياب الاستمرارية يحول دون اكتساب الخبرة اللازمة، ويجعل المشاركة النسائية محصورة في حضور ظرفي لا ينعكس بالضرورة على جودة الأداء التشريعي أو السياسي.
هذا الأمر يستدعي إعادة النظر في هذا المقتضى، من خلال منح الأحزاب قدرا من السلطة التقديرية التي تتيح إمكانية إعادة ترشيح نسبة من النساء داخل اللوائح الجهوية، بما يضمن تحقيق التراكم وإفراز كفاءات نسائية ذات تجربة وخبرة قادرتين على لعب أدوار مؤثرة داخل المؤسسات. بالإضافة إلى الحد من تحويل هذه الآلية إلى وسيلة للريع السياسي أو لإعادة إنتاج علاقات القرابة داخل البرلمان، وهي الظاهرة التي أصبحت موضوع نقاش سوسيولوجي وسياسي.
إلى أي حد تتحمل الأحزاب السياسية مسؤولية ضعف ترشيح النساء في الدوائر المحلية؟
فيما يخص ترشيح النساء في الدوائر المحلية، المقاربة لا يجب أن تظل محصورة في التمثيلية الجهوية فقط، بل ينبغي توسيعها لتشمل الدوائر المحلية، بما يتيح للنساء خوض غمار التنافس المباشر داخل الميدان الانتخابي. بالإضافة إلى إقرار آليات واضحة لتشجيع النساء، على غرار ما تم اعتماده لفائدة الشباب، وذلك عبر توفير شروط ملائمة تمكنهن من خوض المنافسة بشكل متكافئ وعادل داخل الدوائر المحلية.
وتم تقديم مجموعة من المقترحات العملية في هذا الصدد، من بينها إلزام الأحزاب السياسية بتقديم نسبة معينة من المرشحات عبر تحديد سقف محدد، غير أن هذا المقترح لم يتم تفعيله بالشكل المطلوب. كما تم اقتراح إحداث آلية للدعم المالي القبلي، باعتبار أن الدعم لا ينبغي أن يكون بعد الفوز فقط، بل يجب أن يواكب مرحلة الترشح والحملة الانتخابية، حتى تتوفر للمرشحات الإمكانيات الضرورية لخوض المنافسة.
أؤكد على أهمية إقرار دعم مالي قبلي تشرف عليه الجهات المختصة، بما يمكن من تحفيز الأحزاب السياسية على ترشيح النساء، وخلق شروط أكثر عدلا داخل العملية الانتخابية.
ففي الواقع، تلعب الإمكانيات المالية دورا مهما في العديد من الدوائر الانتخابية، كما تجد العديد من النساء أنفسهن في وضعية غير متكافئة، بسبب محدودية الموارد المالية وغياب شبكات الدعم، وهو ما يحد من فرصهن في تحقيق نتائج انتخابية تنافسية.
لذلك، أؤكد على أهمية إقرار دعم مالي قبلي تشرف عليه الجهات المختصة، بما يمكن من تحفيز الأحزاب السياسية على ترشيح النساء، وخلق شروط أكثر عدلا داخل العملية الانتخابية. غير أن هذه المقترحات، رغم وجاهتها، لم تجد طريقها إلى التنزيل الفعلي.
الأحزاب أمام اختبار التحفيز المالي لرفع حضور النساء في البرلمان
أدخلت المنظومة الانتخابية الجديدة في المغرب مجموعة من التحفيزات المالية والاجتماعية التي تهدف إلى دفع مشاركة النساء في الاستحقاقات المقبلة، في خطوة تهدف إلى تعزيز التمثيلية الديمقراطية للفئات الأقل حضورا في المؤسسات المنتخبة.
وتشمل هذه التحفيزات بشكل رئيسي اللوائح الجهوية التي تضم مرشحات لا تتجاوز أعمارهن 35 سنة، سواء كن ينتمين إلى أحزاب سياسية أو مترشحات مستقلات، مع توفير دعم مالي للأحزاب مقابل كل مقعد يفوز به شاب أو شابة دون سن الخامسة والثلاثين، أو مغربي مقيم بالخارج.
وقد تقرر أن يصل هذا الدعم إلى ستة أضعاف قيمة الدعم المخصص لباقي المرشحين، مع توسيع نطاق هذه الآلية لتشمل الأشخاص في وضعية إعاقة، ما يعكس توجها نحو الإدماج الشامل لجميع الفئات المستهدفة ضمن العملية الانتخابية.
وعلى صعيد تأسيس الأحزاب السياسية، تم إدراج مقتضيات تشترط تمثيلية نسائية لا تقل عن الخمس بين الأعضاء المؤسسين، وهو ما يعني أن ما لا يقل عن 400 امرأة يجب أن يكن من بين ألفي مؤسس قانونيا.
تقرر أن يصل هذا الدعم إلى ستة أضعاف قيمة الدعم المخصص لباقي المرشحين، مع توسيع نطاق هذه الآلية لتشمل الأشخاص في وضعية إعاقة
ويهدف هذا الإجراء إلى ضمان إشراك المرأة في بناء الأحزاب منذ المراحل الأولى، وتوفير قاعدة صلبة من الكفاءات النسائية القادرة على المساهمة الفعلية في الحياة الحزبية والسياسية، بعيدا عن مجرد التمثيل الرمزي.
وتعكس هذه التحفيزات الانتقال التدريجي من مقاربة الكوطا العددية إلى مقاربة تعتمد على ترسيخ ثقافة المنافسة السياسية المستدامة، حيث يتحمل الأحزاب مسؤولية وضع النساء على رأس اللوائح ومنحهن التزكيات وفق معايير واضحة، ما يعزز فرصهن في الفوز ويحفزهن على الانخراط الفعلي في العمل السياسي.
وينتظر أن تؤدي هذه الإجراءات إلى إعداد نخب نسائية قادرة على المنافسة الانتخابية على مستوى الدوائر المحلية والتشريعية، مع الانتباه إلى جودة هذه النخب من حيث التكوين السياسي، والخبرة النضالية، والالتزام بالقضايا الكبرى، وعلى رأسها القضايا النسائية والمساواة بين الجنسين.
العمل السياسي بصيغة المذكر.. لماذا لا تزال النساء خارج مراكز القرار؟
سكينة بوست: صحافية متدربة
رغم التقدم الذي أحرزه المغرب في مجال حقوق المرأة، لا تزال مشاركة النساء في مراكز القرار السياسي دون مستوى الطموحات الدستورية. بين أرقام في ارتفاع مستمر وإكراهات بنيوية وثقافية، يظل حضور المرأة في السياسة محكوما بمنطق التمثيلية أكثر من منطق التأثير.
وفي هذا الإطار، لا يمكن الحديث عن ضعف حضور النساء في مراكز القرار السياسي دون الإشارة إلى أهمية تمكين المرأة كشرط أساسي لتعزيز مشاركتها الفعلية. فالمشاركة السياسية لا تنفصل عن الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية، إذ يشكل التمكين الاقتصادي والتعليم الجيد مدخلا أساسيا لزيادة حضور النساء في الشأن العام. فالمرأة التي تتوفر على استقلالية مادية، ومهارات معرفية وتنظيمية، تكون أكثر قدرة على الانخراط في العمل السياسي والمنافسة على المناصب الانتخابية، ما يجعل تمكين المرأة أداة أساسية للانتقال من التمثيلية الشكلية إلى تأثير حقيقي في صنع القرار السياسي.
وبالتالي، يصبح التمكين ليس مجرد مطلب اجتماعي أو اقتصادي، بل شرطا ضروريا لتحقيق مشاركة سياسية فعلية، تمكن النساء من التأثير داخل الأحزاب، والهيئات التشريعية، ومراكز صنع القرار، بما يتجاوز الأرقام والإحصائيات، ليصبح حضورهن مؤثرا ومقدرا كما ينص عليه الدستور.

في الوقت الذي ينص فيه دستور 2011 على مبدأ المناصفة بين الرجال والنساء، ويؤكد على ضرورة تكافؤ الفرص في الولوج إلى المناصب الانتخابية، يطرح واقع المشاركة السياسية للمرأة المغربية أكثر من تساؤل. فهل تمكنت النساء فعلاً من فرض حضورهن داخل مراكز القرار، أم أن هذا الحضور لا يزال محدوداً ويقتصر في كثير من الأحيان على التمثيلية الشكلية؟
خلال السنوات الأخيرة، شهدت الساحة السياسية بروز أسماء نسائية، وارتفاعاً نسبياً في عدد البرلمانيات، خاصة بعد اعتماد آليات تشجيعية مثل نظام اللائحة الوطنية. غير أن هذا التقدم، رغم أهميته، لا يعكس بالضرورة تحولاً عميقاً في بنية السلطة داخل الأحزاب والمؤسسات، حيث لا تزال مواقع القرار محكومة في الغالب بمنطق الهيمنة الذكورية.
تمثيلية في ارتفاع.. لكن دون تحقيق المناصفة
عرفت مشاركة النساء في البرلمان المغربي تطوراً تدريجياً خلال العقدين الأخيرين. فبعد غياب شبه تام منذ سنة 1963، لم تتمكن المرأة من دخول البرلمان إلا سنة 1993، من خلال انتخاب نائبتين فقط.
ومع اعتماد نظام الكوطا سنة 2002، ارتفع عدد النساء إلى 35 نائبة، ثم إلى 67 سنة 2011، و81 سنة 2016، ليصل إلى 96 امرأة خلال انتخابات 2021، أي ما يمثل حوالي 24.3 بالمائة من مجموع أعضاء مجلس النواب.
ورغم هذا التقدم، فإن هذه النسبة تظل بعيدة عن هدف المناصفة (50 بالمائة) الذي نص عليه الدستور، ما يعكس استمرار الفجوة بين النصوص القانونية والتطبيق الفعلي.
وفي هذا السياق، تشير تقارير المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي إلى أن تعزيز المشاركة السياسية للنساء لا يزال يواجه عدة تحديات، من بينها ضعف حضورهن في مواقع القرار داخل الأحزاب، واستمرار بعض التمثلات الاجتماعية التي تحد من أدوارهن القيادية.
نماذج نسائية بارزة.. نجاحات فردية لا تعكس الواقع العام
رغم هذه الإكراهات، برزت بعض الشخصيات النسائية التي تمكنت من الوصول إلى مواقع متقدمة داخل المشهد السياسي المغربي.
تُعد فاطمة الزهراء المنصوري من أبرز هذه النماذج، حيث تقلدت موقعاً قيادياً داخل حزب الأصالة والمعاصرة، في خطوة تعكس إمكانية وصول النساء إلى قيادة الأحزاب السياسية، ولو بشكل محدود.

كما راكمت شرفات أفيلال تجربة حكومية مهمة، من خلال توليها مسؤوليات تنفيذية، في حين ساهمت نزهة الشقروني في مراحل سابقة في ترسيخ حضور المرأة داخل العمل الحكومي.
غير أن هذه النماذج، رغم أهميتها، تظل حالات استثنائية داخل مشهد سياسي لا تزال تهيمن عليه القيادات الذكورية، خاصة على مستوى اتخاذ القرار الحزبي.
داخل الأحزاب.. تمثيلية شكلية أم تأثير فعلي؟
ورغم تزايد عدد النساء داخل الأحزاب السياسية، إلا أن حضورهن لا يترجم دائماً إلى تأثير فعلي في القرار. فغالباً ما يتم إدماج النساء ضمن اللوائح الانتخابية بفضل آلية الكوطا، دون تمكينهن من مواقع استراتيجية داخل هياكل الأحزاب.
وفي هذا الإطار، تؤكد تقارير هيئة الأمم المتحدة للمرأة أن منطقة شمال إفريقيا، بما فيها المغرب، ما تزال تسجل فجوة بين المشاركة السياسية للنساء من حيث العدد، وبين مشاركتهن الفعلية في مراكز اتخاذ القرار.
هذا الوضع يعكس إشكالية ما يعرف بـ“التمثيلية الشكلية”، حيث يكون الحضور النسائي قائماً من حيث الأرقام، لكنه يظل محدود التأثير في رسم السياسات واتخاذ القرارات.
عوائق بنيوية وثقافية تعرقل التقدم
يرتبط ضعف حضور النساء في مراكز القرار بعدة عوامل متداخلة، من أبرزها:
- هيمنة الرجال على قيادة الأحزاب السياسية
- ضعف الدعم الحزبي للترشيحات النسائية
- صعوبة التوفيق بين المسؤوليات السياسية والحياة الأسرية
- استمرار الصور النمطية التي تربط السياسة بالرجل
كما أن هذه التحديات تتفاقم في العالم القروي، حيث تعاني النساء من الأمية وضعف التكوين وقلة الفرص الاقتصادية، ما يحد من مشاركتهن في الحياة السياسية، رغم دورهن المهم في الاقتصاد المحلي.
بوجريدة لـ”إعلام تيفي”: “العنف الرقمي ضد النساء السياسيات يتطلب تعاونا دوليا وحماية للفضاء العام”
التمكين الاقتصادي… مدخل نحو المشاركة السياسية
تُظهر العديد من التجارب الميدانية أن تمكين النساء اقتصادياً يمكن أن يشكل خطوة أساسية نحو تعزيز مشاركتهن السياسية. فالاستقلالية المالية واكتساب مهارات التسيير والتواصل تساهم في تعزيز ثقة النساء بأنفسهن، وتمكنهن من الانخراط بشكل أكبر في الشأن العام.
وفي هذا السياق، تلعب الجمعيات دوراً مهماً في دعم النساء، من خلال التكوين والتأطير، ومساعدتهن على تطوير مشاريعهن، وهو ما يساهم في خلق جيل جديد من النساء القادرات على المشاركة في مختلف المجالات، بما فيها السياسة.
رغم التقدم الذي تحقق على مستوى تمثيلية النساء داخل المؤسسات، لا تزال الطريق طويلة نحو تحقيق المناصفة الفعلية في مراكز القرار. فالإشكال لم يعد مرتبطاً فقط بالأرقام، بل بمدى قدرة النساء على التأثير داخل المشهد السياسي.
أتركين لـ “إعلام تيفي”: حضور النساء في البرلمان متقدم عدديا لكنه يحتاج إلى تأثير نوعي
أميمة حدري
شهد البرلمان الحالي تقدما ملحوظا في مستوى تمثيل النساء مقارنة بالسنوات الماضية، وفق ما أكدت النائبة حنان أتركين، عن فريق الأصالة والمعاصرة بمجلس النواب، التي شددت على أن الآليات المعتمدة لتعزيز حضور النساء في المؤسسات المنتخبة ساهمت في رفع نسبتهن بشكل ملموس.
ومع ذلك، شددت النائبة البرلمانية في تصريح لـ “إعلام تيفي“، على أن الحضور العددي للنساء في البرلمان، رغم أهميته، لا يزال دون المستوى المطلوب إذا ما قورن بنسبة النساء في المجتمع، مشيرة إلى أن التمثيل النوعي الذي يتيح للنساء التأثير الفعلي في النقاشات التشريعية وصنع القرار هو ما يبقى التحدي الأكبر أمام المسار البرلماني النسائي.
وأوضحت أتركين أن العوائق التي تحول دون وصول النساء إلى مواقع القرار السياسي متعددة ومعقدة، منها العقليات الاجتماعية التي تعتبر السياسة مجالا ذكوريا، وضعف الدعم الداخلي في بعض الأحزاب، إضافة إلى محدودية الموارد المالية المخصصة للحملات الانتخابية، وصعوبة التوفيق بين المسؤوليات العائلية والانخراط في العمل السياسي. معتبرة أن هذه العوامل مجتمعة، تجعل من عملية تمكين النساء في السياسة تحديا مستمرا يتطلب تدخلات مستمرة وعلى مستويات متعددة.
الحضور العددي للنساء في البرلمان، رغم أهميته، لا يزال دون المستوى المطلوب إذا ما قورن بنسبة النساء في المجتمع
كما شددت النائبة على أن الأمية وضعف التعليم السياسي يمثلان عائقا حقيقيا أمام قدرة النساء على المشاركة الفاعلة في الحياة السياسية، مشيرة إلى أن المعرفة السياسية والقانونية تتيح للنساء فهم آليات العمل المؤسساتي وتمكنهن من الدفاع عن قضايا المجتمع بشكل عام وقضايا النساء بشكل خاص. مؤكدة أن تعزيز برامج التعليم والتكوين السياسي، يعد أساسيا لبناء قيادات نسائية قادرة على التأثير وإحداث التغيير المنشود داخل المؤسسات التشريعية.
وفيما يتعلق بخطوات تعزيز مشاركة النساء في الانتخابات المقبلة، اعتبرت المتحدثة ذاتها أن الأحزاب السياسية مطالبة بالعمل على عدة مستويات، أبرزها تشجيع النساء على الانخراط في العمل الحزبي منذ المراحل المبكرة، وتوفير برامج للتكوين والتأهيل السياسي، ومنح النساء فرصا أكبر للترشح في الدوائر الانتخابية وليس فقط عبر اللوائح الخاصة، إلى جانب تقديم الدعم المادي والمعنوي لمرشحات الأحزاب والعمل على تغيير الصورة النمطية المرتبطة بدور المرأة في السياسة.
وختمت أتركين تصريحها لـ “إعلام تيفي“، بالتأكيد على أن تمكين النساء سياسيا لا يقتصر على قضية إنصاف، بل يشكل ركيزة أساسية لتعزيز الديمقراطية وتحقيق تنمية أكثر شمولا وتوازنا في المجتمع، مع ضرورة استمرار الجهود لضمان أن يكون للمرأة صوت فاعل وحضور مؤثر في كل مراحل صنع القرار السياسي.
المناصفة المؤجلة.. حين يسبق الدستور الممارسة السياسية
أميمة حدري
تعيد المناصفة في المغرب فرض نفسها كواحدة من أكثر القضايا إلحاحا داخل النقاش السياسي والمؤسساتي، ليس فقط باعتبارها مبدأ دستوريا مؤطرا للمساواة بين النساء والرجال، بل كاختبار حقيقي لمدى قدرة الدولة على تحويل التزاماتها القانونية إلى واقع ملموس داخل مراكز القرار.
وفي تصريحها لـ”إعلام تيفي“، أكدت لبنى الصغيري عضو فريق التقدم والاشتراكية بمجلس النواب، أن مبدأ المناصفة، كما نص عليه دستور 2011، لا ينبغي التعامل معه كشعار أو هدف مؤجل، بل كقاعدة ملزمة تستدعي تفعيلا فعليا داخل مختلف المؤسسات. مضيفة أن “التحدي اليوم لم يعد مرتبطا بغياب النصوص، بقدر ما يكمن في بطء تنزيلها واستمرار هيمنة عقليات سياسية تقليدية تعيق تحقيق تمثيلية نسائية حقيقية”.
وأوضحت الصغيري أن المناصفة في جوهرها ليست مجرد آلية عددية لرفع نسبة حضور النساء، بل مدخل أساسي لإعادة التوازن إلى الفعل السياسي، وضمان مشاركة متكافئة في صناعة القرار، بما يعكس حقيقة المجتمع وتنوعه، ويعزز جودة السياسات العمومية ونجاعتها.
غير أن هذا الطموح الدستوري، كما تكشف الممارسة، لا يزال يصطدم بواقع سياسي يدار في كثير من الأحيان بمنطق الاستثناء بدل القاعدة. فمشاركة النساء، رغم كل المكتسبات، ما تزال تؤطر داخل حدود ضيقة، سواء عبر آليات الدعم الانتخابي أو من خلال تمثيلية لا ترتقي إلى مستوى الحضور الفعلي داخل دوائر القرار.
المناصفة في جوهرها ليست مجرد آلية عددية لرفع نسبة حضور النساء، بل مدخل أساسي لإعادة التوازن إلى الفعل السياسي، وضمان مشاركة متكافئة في صناعة القرار
وتتقاطع هذه القراءة مع ما خلصت إليه دراسات قانونية حديثة، التي تشير إلى أن الإشكال الحقيقي لا يكمن في النصوص، بل في طريقة تنزيلها، حيث لم تنجح الإصلاحات في تفكيك البنيات التقليدية التي تحكم الحقل السياسي. فالأحزاب، التي يفترض أن تقود التحول الديمقراطي، ما تزال في جزء كبير منها تعيد إنتاج نفس الأنماط، حيث تظل القيادة حكرا غير معلن، بينما تمنح النساء أدوارا ثانوية أو رمزية.
وتابعت النائبة البرلمانية قائلة: “محدودية بعض الآليات المعتمدة، مثل اللوائح الانتخابية، ساهمت في رفع عدد النساء داخل المؤسسات التمثيلية، لكنها لم تحدث التحول النوعي المطلوب. إذ بقيت المشاركة النسائية، في كثير من الحالات، محكومة بمنطق التمثيلية المؤطرة، دون أن تتحول إلى حضور مؤثر داخل مراكز القرار وصناعة السياسات”.
وترى الصغيري أن هذه الوضعية تعكس أزمة أعمق تتجاوز الإطار القانوني إلى البعد الثقافي، حيث لا تزال السياسة تختزل، في الوعي الجماعي، كمجال ذكوري بامتياز. وهي ذهنية تكرس، بشكل مباشر أو غير مباشر، إقصاء النساء من مواقع القيادة، وتبقي حضورهن في دائرة الاستثناء بدل ترسيخه كقاعدة.
محدودية بعض الآليات المعتمدة، مثل اللوائح الانتخابية، ساهمت في رفع عدد النساء داخل المؤسسات التمثيلية، لكنها لم تحدث التحول النوعي المطلوب
وتحذر المتحدثة من أن استمرار هذه الاختلالات لا ينعكس فقط على وضعية النساء، بل يمس جوهر المشروع الديمقراطي برمته. فالديمقراطية، في تعريفها العميق، لا يمكن أن تستقيم وهي تقصي نصف المجتمع من مراكز القرار، كما أن أي نموذج تنموي لا يدمج الطاقات النسائية يظل مشروعا ناقصا، عاجزا عن تحقيق التوازن والاستدامة.
وفي قلب هذا النقاش، يبرز سؤال العدالة في التمثيل كمدخل حاسم لأي إصلاح جدي. فكيف يمكن الحديث عن عدالة اجتماعية شاملة، في ظل استمرار اختلالات واضحة في توزيع السلطة داخل المؤسسات؟ وكيف يمكن بناء سياسات عمومية منصفة دون إشراك فعلي للنساء في صياغتها وتنفيذها؟
وتؤكد الصغيري أن تجاوز هذا الوضع يقتضي الانتقال من منطق الالتزام النظري إلى الفعل المؤسساتي، عبر إجراءات واضحة، في مقدمتها التفعيل الحقيقي لهيئة المناصفة ومكافحة كل أشكال التمييز، ومراجعة المنظومة الانتخابية بما يضمن تمثيلية نسائية عادلة ومستدامة، إلى جانب فتح مواقع القرار داخل الأحزاب والمؤسسات أمام الكفاءات النسائية بعيدا عن منطق الحضور الشكلي.
كما تطرقت الصغيري إلى البعد الاجتماعي الذي لا يقل أهمية عن السياسي، إذ تعيش فئات واسعة من النساء المغربيات أوضاعا هشة، خاصة في القطاعات غير المهيكلة والمناطق الهامشية، حيث تتقاطع الإكراهات الاقتصادية مع ضعف الحماية الاجتماعية، في ظل غياب تمثيلية قادرة على نقل هذه القضايا إلى صلب النقاش العمومي.
المناصفة والمشاركة السياسية للمرأة في المغرب
هدى الرويفي : صحافية متدربة
في خطاب ألقاه الملك في 20 غشت 1999 طرح سؤالا مهما: كيف يتصور بلوغ رقي المجتمع وازدهاره والنساء اللائي يشكلن زهاء نصفه تهدر مصالحهن في غير مراعاة لما منحهن الدين الحنيف من حقوق هن بها شقائق الرجال تتناسب ورسالتهن السامية في إنصاف لهن مما قد يتعرضن له من حيف أو عنف مع أنهن بلغن مستوى نافسن به الذكور سواء في ميدان العلم أو العمل.
هذا التساؤل يشكل إجابات عميقة من اعتراف بالظلم الذي لاتزال تواجهه النساء والتزام بتغيير وضعيتهم الحقوقية. فلا يمكن لمجتمع ما أن يحقق اكتماله دون تدخل المرأة في شؤونه،
شكل دستور 2011 نقطة فاصلة في مسار حقوق المرأة في المغرب، حيث لم تعد تعتبر مجرد تابع، بل ذات مكانة واضحة، كما نص على مبدأ المساواة بين الجنسين بشكل صريح. فقد جاء في الفصل 19 “يتمتع الرجل والمرأة، على قدم المساواة، بالحقوق والحريات المدنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والبيئية، الواردة في هذا الباب من الدستور، وفي مقتضياته الأخرى، وكذا في الاتفاقيات والمواثيق الدولية، كما صادق عليها المغرب، وكل ذلك في نطاق أحكام الدستور وثوابت المملكة وقوانينها. تسعى الدولة إلى تحقيق مبدإ المناصفة بين الرجال والنساء. وتحدث لهذه الغاية، هيئة للمناصفة ومكافحة كل أشكال التمييز.”

وضمن الدستور حق النساء في المشاركة السياسية، سواء من خلال التصويت أو الترشح، دون أي تمييز، وهو حق مكفول دستوريا لجميع المواطنين في الفصل 30 من الدستور.
ثبت مبدأ المناصفة لأول مرة في دستور 2011 المغربي، ويقصد به تحقيق توازن فعلي بين النساء والرجال في مختلف المجالات، خاصة في الولوج إلى مراكز القرار وتحمل المسؤوليات. وقد نص على إحداث هيئة المناصفة ومكافحة كل أشكال التمييز لتفعيله. غير أنه، ورغم اعتماد عدة إجراءات تشريعية لمواكبة هذا المقتضى، لم تفعل هذه الهيئة إلى اليوم، كما أبان الواقع عن تعثر تحقيق المناصفة بفعل اعتبارات سياسية واقتصادية واجتماعية.
وعلى امتداد ثلاث ولايات حكومية بتوجهات مختلفة، استمر هذا التأخر، مما يطرح تساؤلات جدية حول أسبابه، وحول العوامل التي تحد من المشاركة السياسية للنساء، وكذا العوائق التي تعرقل بلوغ المناصفة الفعلية.
ويسجل أنه رغم الأهمية الدستورية والمؤسساتية لهذه الهيئة، ورغم صدورها في الجريدة الرسمية في أكتوبر 2017، فإنها لم تر النور بعد، وهو ما ينعكس سلبا ليس فقط على مسار تعزيز الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية للنساء، بل أيضا على تطوير حقوقهن في الإصلاحات المرتقبة، خاصة في ما يتعلق بـ مدونة الأسرة المغربية.
نظام “الكوتا” وتعزيز المشاركة السياسية للمرأة
وفي سياق السعي إلى تفعيل هذا المبدأ، اعتمد المشرع المغربي مجموعة من الآليات العملية، من أبرزها نظام “الكوتا”، الذي يهدف إلى تعزيز المشاركة السياسية للمرأة. وقد ساهم هذا النظام في الرفع من نسبة تمثيلية النساء داخل المؤسسات المنتخبة، خاصة البرلمان، مما مكن من كسر جزء من الحواجز التقليدية التي كانت تعيق ولوج المرأة إلى المجال السياسي.
غير أن هذا التقدم ظل محدودا، إذ لم ينجح نظام “الكوتا” في تحقيق مبدأ المناصفة بشكل فعلي، لكونه يضمن تمثيلية عددية أكثر منها فعلية، حيث ما تزال النساء يعانين من ضعف الحضور في مراكز القرار والمناصب القيادية. كما أن استمرار بعض العوائق السياسية والاجتماعية والثقافية يحد من فعالية هذا النظام.
وبالتالي، يمكن القول إن نظام “الكوتا” شكل آلية انتقالية مهمة لتمكين النساء سياسيا، لكنه غير كاف لوحده لتحقيق المناصفة، التي تظل رهينة بإصلاحات أعمق تشمل تعزيز الديمقراطية الداخلية للأحزاب وتغيير العقليات المجتمعية.

يعكس هذا الطرح وجود فجوة واضحة بين الخطاب الدستوري الداعم للمساواة وبين واقع الممارسة السياسية الفعلية في المغرب. فرغم ما أقره دستور 2011 المغربي من مبادئ متقدمة، وما رافقه من إجراءات كاعتماد نظام “الكوتا” وارتفاع عدد البرلمانيات، فضلا عن توسع الحضور النسائي داخل الحكومات المتعاقبة، فإن هذا التقدم الكمي لم يترجم بعد إلى تمكين سياسي نوعي ومستدام.
ويرجع استمرار محدودية التمثيل النسائي إلى تداخل مجموعة من العوامل البنيوية، من أبرزها ضعف الإرادة السياسية الملزمة، وهشاشة الإطار القانوني، إضافة إلى دور بعض الأحزاب في إعادة إنتاج أشكال من الإقصاء غير المباشر، إلى جانب العوائق الثقافية والاجتماعية والاقتصادية التي تعيق تكافؤ الفرص.
وفي هذا السياق، يظل تعزيز المشاركة السياسية للمرأة رهينا بإقرار إصلاحات تشريعية واضحة وملزمة، وتحقيق تمكين اقتصادي فعلي، إلى جانب إحداث تحول ثقافي عميق يسهم في تفكيك الصور النمطية، بما يجعل من المناصفة خيار ديمقراطي جوهري، لا مجرد آلية شكلية.
ومع بداية تراجع السيطرة الذكورية على المناصب الحزبية في المغرب، في ظل انخراط عدد من الأحزاب في ملاءمة أنظمتها الداخلية مع جوهر القوانين التنظيمية، خاصة ما يتعلق بتعزيز تمثيلية النساء، تبرز اليوم تجارب برلمانيات مغربيات داخل قبة البرلمان كعامل محفز يشجع نساء أخريات على ولوج غمار العمل السياسي والمشاركة في تدبير الشأن العام.








