السياحة البسيطة في المغرب العميق.. ثروة غير مهيكلة تستحق الاعتراف والدعم

بشرى عطوشي

تحليل _ تشكل المشاريع السياحية البسيطة المنتشرة في الثغور المغربية والفضاءات الجبلية والصحراوية أحد أكثر النماذج السياحية صدقاً وارتباطاً بالهوية المحلية، رغم أنها لا تزال خارج دائرة الاقتصاد السياحي المنظم بالشكل الكافي.

في هذه الفضاءات، حيث تتداخل الجبال والكهوف والوديان مع امتدادات الصحراء، تنشأ تجارب استقبال فريدة تعتمد على البساطة والعفوية أكثر مما تعتمد على البنية الفندقية التقليدية.

في مناطق مختلفة من المغرب العميق، يستقبل سكان محليون زواراً من داخل البلاد وخارجها داخل مساكن تقليدية أو خيام أو فضاءات بدائية التنظيم، لكنها غنية بالرمزية الثقافية والإنسانية.

بعض هذه المبادرات يعتمد على نمط عيش قائم على تربية المواشي، مع إدماج نشاط استقبال الزوار كرافد اقتصادي إضافي، في حين يختار آخرون العيش في الكهوف أو أعالي الجبال أو عمق الصحراء، مقدّمين تجربة سياحية تقوم على البساطة والاندماج في الطبيعة.

هذا النموذج السياحي، رغم محدودية موارده، يقدم صورة مختلفة عن المغرب، صورة أكثر قرباً من الإنسان، وأكثر ارتباطاً بالذاكرة الجماعية وبالبيئة الطبيعية. وهو ما يجعل من هذه التجارب الصغيرة قوة ناعمة غير مستثمرة بالشكل الكافي، قادرة على استقطاب سياح يبحثون عن التجربة الأصيلة بعيداً عن النماذج السياحية المصنّعة.

غير أن هذا القطاع يظل، في معظمه، غير مهيكل، ما يضعه أمام تحديات متعددة تتعلق بضعف الدعم، غياب التأطير التقني، محدودية الولوج إلى التمويل، وصعوبة الاندماج في سلاسل القيمة السياحية الرسمية.

كما أن غياب التكوين في مجالات الضيافة والسلامة وجودة الخدمات يحدّ من قدرة القطاع على التطور والاستمرارية، رغم الإقبال المتزايد عليه من طرف السياح الباحثين عن السياحة البديلة (Alternative Tourism) والسياحة الإيكولوجية.

من هذا المنطلق، تبدو الحاجة ملحة لإعادة النظر في هذا النمط السياحي من طرف الجهات الوصية، وعلى رأسها وزارة السياحة والصناعة التقليدية والاقتصاد الاجتماعي والتضامني، من خلال بلورة رؤية استراتيجية تدمج هذه المبادرات في المنظومة السياحية الوطنية دون أن تفقدها طابعها الأصيل.

إن تطوير هذا القطاع لا يعني فرض قوالب جاهزة عليه، بل يقتضي مقاربة مرنة تقوم على التأهيل التدريجي، وتوفير برامج تكوين في مجالات التدبير السياحي، السلامة، التسويق الرقمي، وإدارة الموارد المحلية. كما أن إحداث آليات دعم مالي صغيرة موجهة للفاعلين المحليين يمكن أن يشكل رافعة حقيقية لتحسين البنية التحتية البسيطة دون المساس بجوهر التجربة الأصيلة.

إلى جانب ذلك، يمكن اعتماد شراكات بين القطاعين العام والخاص، إضافة إلى التعاونيات المحلية، بهدف تنظيم هذا النشاط ضمن إطار قانوني مرن يحفظ حقوق المستفيدين ويضمن في الوقت ذاته جودة الخدمات المقدمة للسياح. إن إدماج هذه المشاريع في الحملات الترويجية الوطنية من شأنه أن يعزز صورة المغرب كوجهة سياحية متنوعة، لا تقتصر فقط على المدن الكبرى أو المنتجعات الفاخرة، بل تمتد إلى أعماق الجبال والصحاري حيث تتجلى البساطة في أبهى صورها.

هذا النوع من السياحة لا يبيع فقط الخدمة، بل يقدم تجربة إنسانية وروحية متكاملة، تجعل من الزائر جزءاً من النسيج المحلي ولو بشكل مؤقت. ومن هنا تتجلى أهميته الاستراتيجية، ليس فقط كرافد اقتصادي، بل أيضاً كعنصر لتعزيز التبادل الثقافي وصورة المغرب على المستوى الدولي.

الارتقاء بهذا القطاع غير المهيكل لم يعد خياراً ثانوياً، بل ضرورة تنموية تفرض نفسها في سياق التحولات العالمية نحو السياحة المستدامة. وهو ما يستدعي رؤية مؤسساتية شجاعة تعترف بقيمة هذه المبادرات، وتعمل على تحويلها من اقتصاد هامشي إلى ركيزة من ركائز التنمية المحلية والسياحة البديلة في المغرب.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى